خطر الحرب النووية هو أمرٌ تناولته العديد من الأفلام والكتب، وأُثيرت حوله العديد من الأزمات، آخرها العقوبات الأمريكية بحق إيران لمنعها من تخصيب اليورانيوم، وانسحاب الولايات المتحدة من معاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى. ولم تنجح حتى الآن كل الجهود الدولية لمنع انتشار الأسلحة النووية.

لكنَّ مجلة «ذي إنترسبت» الأمريكية تشير إلى أنَّ هناك وسيلةً أخرى لمواجهة ذلك الخطر المحدق بالبشرية، وهو استهداف منظومة صناعة الأسلحة النووية الهادفة للربح، وليس الضغط على الحكومات.

أشارت المجلة إلى أنَّ موقع دورية «نشرة علماء الذرة» يضبط حاليًا ساعة العد التنازلي لنهاية العالم بحيث تتبقى دقيقتان فقط على النهاية، وبالتالي أصبحنا أقرب ما نكون إلى الدمار الذاتي في تاريخ الأسلحة النووية.

لكنَّ هذه الأسلحة النووية ليست مجرد تهديدٍ مروع لكل كائن حيّ على وجه الأرض، بل أيضًا كانت لقرون وسيلةً مذهلة لجني المال.

الأرباح النووية

استشهد الموقع بتقريرٍ جديد نشرته منظمة السلام الهولندية «باكس»، يوضح كيف يمكن أن يكون الوصول إلى نهاية العالم أمرًا مجزيًا بالنسبة للشركات متعددة الجنسيات، ويوضح الآلية التي تحصد بها تلك الشركات الأموال من وسائل الإبادة هذه.

Embed from Getty Images

يرصد تقرير «باكس» عقودًا مبرمة بين الحكومات والقطاع الخاص بقيمةٍ إجمالية تصل إلى 116 مليار دولار، من أجل تصميم الترسانات النووية في العالم وبنائها وصيانتها. ويرى الموقع أنَّه ربما كان المبلغ الحقيقي أكبر من ذلك بكثير، نظرًا لأنَّ الدول النووية التسع تُبقي على درجةٍ من التعتيم في ما يخص برامجها النووية. ولهذا تقول سوزي سنايدر، المؤلفة الرئيسية للتقرير: «نحن نعرف ما نستطيع رصده. لكن هناك ما هو أكثر من ذلك بالتأكيد».

ولهذا السبب تملك الكثير من الشركات ذات النفوذ دوافع لحث الحكومات على توسيع نطاق ترساناتها النووية. ويشير «ذي إنترسبت» في هذا الصدد إلى مؤتمرٍ للمستثمرين عُقِدَ مؤخرًا، دارت فيه محادثةٌ بين واحدٍ من المديرين الإداريين في بنك «كووين» الاستثماري والرئيس التنفيذي لشركة «رايثيون»، وهي واحدة من الشركات المنخرطة في صناعة الأسلحة النووية التي أدرجتها «باكس» في تقريرها.

قال له المدير: «نحن على وشك الخروج من معاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى مع روسيا»، وسأله بحماسة ما إذا كان ذلك يعني «أنَّنا سنملك ميزانية دفاع  تفيد رايثيون فعلًا». وبهذا يبدو أنَّ ما يهمه لم يكن سوى زيادة القيمة بالنسبة لحملة الأسهم، حتى لو عنى ذلك دمار الكوكب.

وبحسب التقرير، تؤمن سنايدر بأنَّ «رايثيون» ربما بدأت بالفعل في جني العوائد من قرار الرئيس دونالد ترامب بالانسحاب من معاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى. إذ تشير إلى أنَّه على مر ثلاثة أشهر تلت إعلان ترامب انسحاب الولايات المتحدة من المعاهدة في الخريف الماضي، فازت «رايثيون» بنحو 44 عقدًا لتصنيع صواريخ غير معتادة تزيد قيمتها عن 500 مليون دولار.

وفضلًا عن ذلك، فقد أدت الضغوط التي تمارسها الشركات إلى دفع الولايات المتحدة بالفعل إلى الالتزام ببرنامج لـ«تحديث» الترسانة النووية، بدأ في فترة الرئيس السابق باراك أوباما وامتد إلى فترة ترامب، ويُكلف حوالي 1.2 تريليون دولار على مدار الأعوام الثلاثين القادمة.

لكن بينما قد يبدو التحديث أمرًا جيدًا، يشير الموقع إلى أنَّ الهدف منه هو جعل صواريخ الولايات المتحدة النووية أكثر فتكًا بكثير، وهو ما تحضر روسيا بالفعل للرد عليه. وربما تكون النتيجة النهائية هي حرب نووية شديدة الحداثة.

إلا أنَّ «باكس» لا تنصح باليأس، بل ترى أنَّ تداخل القطاع الخاص والأسلحة النووية نقطة قوة محتملة.

فأكبر خمس جهات معروفة حاليًا تستفيد من نفقات الأسلحة النووية كلها شركات عالمية مقرها الولايات المتحدة، وهي: شركة «هانتنجتون إنجالز إندستريز» (29.9 مليار دولار) وشركة «لوكهيد مارتن» (25.2 مليار دولار) وشركة «هاني ويل إنترناشونال» (16.5 مليار دولار) وشركة «جينيرال دايناميكس» (5.8 مليار دولار) وشركة «جاكوبس إنجنيرينج» (5.3 مليار دولار).

يشير تقرير «باكس» أيضًا إلى عقودٍ نووية كبيرة تتولاها شركاتٌ في أماكن أخرى. إذ تطور شركة «إيرباص» في هولندا صواريخَ نووية من أجل فرنسا. وتملك شركة بريطانية تُدعى «سركو» عقدًا مدته 25 عامًا للمساعدة في إدارة وتشغيل مؤسسة الأسلحة الذرية، وهي قلب البرنامج النووي في المملكة المتحدة. وتساعد شركة «بهارات دايناميكس ليمتد» في مدينة حيدر آباد في صناعة اثنين من صواريخ الهند ذات القدرات النووية.

وبين مئات العقود النووية هناك بعض العقود الجنونية الثمينة. إذ تلقت شركة «بوينج» 16 مليون دولار من أجل تطوير «جهازٍ لإلغاء الرحلة»، وهو نظريًا سيسمح بتدمير الصواريخ النووية في حالة إطلاقها عن طريق الخطأ.

وبحسب الموقع، ربما يغير ذلك من حسابات الولايات المتحدة بشكلٍ شديد الخطورة. فقد كانت هناك العديد من الإنذارات الكاذبة في الماضي بشأن توجه الصواريخ الروسية إلى الولايات المتحدة. لكن لم يحدث أن استجاب أيُ رئيسٍ أمريكي لهذه الإنذارات، وذلك جزئيًا لأنَّهم عرفوا أنَّ مثل تلك الاستجابة لا رجعة فيها.

ولو أنَّ أي رئيس مستقبلي اعتقد أنَّه يملك «أن يُبطل» نهاية العالم، فربما يجنح إلى إطلاق صورايخ الولايات المتحدة النووية ردًا على الإنذار الكاذب القادم. لكن بالطبع، ليست هناك تكنولوجيا فعالة بنسبة 100%، وخاصةً عندما تكون الشركة التي بنتها هي التي تصنع طائرات «بوينج ماكس 737»، التي سقطت في السنوات الأخيرة في حادثتين مروعتين. وإذا حدث أن فشل صاروخ واحد فقط في تدمير نفسه، سيعقب ذلك وقوع حرب نووية كاملة.

مناورةٌ ذكية

بينما قد يبدو الوضع مخيفًا، يشير «ذي إنترسبت» إلى أنَّ «باكس» تتبع مناورةً ذكية في جهودها. فهي عضو في الحملة الدولية للقضاء على الأسلحة النووية (ICAN)، والتي فازت بجائزة نوبل للسلام عام 2017. اضطلعت هذه الحملة بدورٍ مهم في الترويج لمعاهدة حظر الأسلحة النووية (TPNW)، التي اعتُمِدَت في الأمم المتحدة في العام نفسه، ومن ثم عُرضت على الدول الأعضاء من أجل التصديق عليها.

Embed from Getty Images

والاستراتيجية التي تتبعها الحملة في معاهدة حظر الأسلحة النووية هي استراتيجية ماكرة. فهي لا تهدف إلى البدء من خلال محاولة إقناع الدول النووية بالتخلي عن أسلحتها، لكن إقناع الدول غير النووية بالتصديق على المعاهدة. وبهذا سيُحظر على تلك الدول امتلاك أسلحة نووية فيما بعد، أو السماح لتلك الأسلحة بالمرور عبر مجالها، أو بإتاحة إنتاج تلك الأسلحة في أراضيها.

وإذا سارت الأمور كما هو مخطط لها، فسيؤدي ذلك بحسب الموقع إلى تضييق الخناق على الدول النووية. فإذا صدقت هولندا على معاهدة حظر الأسلحة النووية، لن تتمكن شركة «إيرباص» من الاستمرار في بناء الصواريخ النووية لفرنسا. والشركة الإيطالية «ليوناردو» تساعد فرنسا أيضًا في برنامجها النووي، ومثلها مثل «إيرباص» لن تكون قادرةً على ذلك إذا صدقت إيطاليا على المعاهدة.

لكن بخلاف القيود القانونية، تأمل الحملة الدولية لإلغاء الأسلحة النووية أن يتمكن الحراك الشعبي المنظم لتأييد معاهدة حظر الأسلحة النووية في دولةٍ تلو الأخرى في النهاية من خلق نوعٍ من المحرمات المجتمعية حول الأسلحة النووية، ما يضع ضغطًا شديدًا على شركات القطاع الخاص وعلى الدول النووية في نهاية المطاف.

ويشير الموقع إلى أنَّ ذلك ممكنٌ بالفعل، وقد تحقق فعلًا في حالة الأسلحة البيولوجية والكيميائية، بالإضافة إلى الألغام الأرضية والقنابل العنقودية. صحيحٌ أنَّه لا تزال هناك دول تماطل في ما يتعلق بتلك القضايا، لكنَّها تلقى ازدراءً شديدًا يتزايد مع مرور الزمن، وليس مستحيلًا أن نتخيل أنَّها ستلتزم في النهاية تمامًا في كل تلك المسائل.

وفي هذا الصدد، تشير «باكس» إلى أنَّ معاهدة حظر الأسلحة النووية قد ساعدت بالفعل في فرض وصمة عار تُحيط بالأسلحة النووية، جعلت اثنين من صناديق المعاشات التقاعدية الضخمة يتوقفان عن الاستثمار في شركات تصنيع الأسلحة النووية. فباع صندوق المعاشات التقاعدية الحكومي في النرويج -ثاني أكبر صندوق معاشات في العالم- استثماراته في شركات «هانتنغتون إنجالز» و«لوكهيد مارتن» و«إيرباص» و«بوينج».

وابتعد صندوق الخدمات المدنية الهولندي (ABP) -خامس أكبر صندوق في العالم- عن صناعة الأسلحة النووية. ويقول أحد الإداريين هناك: «التغييرات في المجتمع، وعلى المستوى الدولي كذلك، تعين أنَّ الأسلحة النووية لم تعد خيارًا ضمن سياستنا الاستثمارية الدائمة والمسؤولة».

وتشير «ذي إنترسبت» إلى أنَّ هذا المنظور يشق حاليًا طريقه عبر الأطلسي. ففي يناير (كانون الثاني) الماضي، قُدم مشروع قانون في المجلس التشريعي لولاية ماساتشوستس، يتطلب أن تتوقف صناديق المعاشات التقاعدية عن الاستثمار في شركات تصنيع الأسلحة النووية. وامتثلت مدينة كامبريدج بالفعل. وقررت مدينة أوجاي في ولاية كاليفورنيا أنَّها لن تشارك بأي استثمارات مستقبلية مع صناع أو ممولي الأسلحة النووية.

وتقول سنايدر: «إذا كان بإمكان لوكهيد مارتن التوقف عن تصنيع القنابل العنقودية لأنَّها تخسر المستثمرين في أوروبا، يوضح هذا أنَّ الشركات يمكن تغيير مواقفها. يستغرق الأمر وقتًا طويلًا مع الأعمال التجارية، لكنَّه يجري بشكلٍ أسرع مقارنةً بالحكومات».

وهذا هو المغزى من تقرير «باكس» في رأي الموقع، هو لم يُكتب من أجل الاكتفاء بقراءته، بل من أجل وضع المعلومات الأساسية في أيدي الناشطين، ليتمكنوا من استخدام العقلانية في جهودهم.

9 دول فقط تملك السلاح النووي.. كيف تمكنت من الحصول عليه؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد