نشرت مجلة «جاكوبين» اليسارية الأمريكية مقالًا كتبته ليزا فيذرستون، صحافية أمريكية مستقلة، عدَّدت فيه السقطات التي وقع فيها الرئيس الأمريكي الأسبق، باراك أوباما، للدرجة التي جعلته يستحق مقعدًا ضمن قائمة أسوأ رؤساء الولايات المتحدة السابقين على الإطلاق.

أوباما والمخاوف العامة

استهلت الكاتبة مقالها بالقول: إن ملايين المواطنين الأمريكيين كان يساورهم القلق طيلة صيف هذا العام بشأن طردهم من مساكنهم، أو إصابتهم بمتغير دلتا، أحد متغيرات فيروس كورونا المستجد، أو إقناع أحبائهم المتمردين على اللقاحات بتلقي اللقاح المضاد لكوفيد-19، أو الخوف من أن يؤدي عودة ظهور كوفيد-19 إلى إبقاء المدارس مغلقة في فصل الخريف. ومن الواضح أن الرئيس الأمريكي الأسبق، باراك أوباما، لم يكن منزعجًا من أي من هذه المخاوف العامة.

توضح الكاتبة أن أوباما، كاتب المذكرات البارع، كان مشغولًا تمامًا بالتخطيط لإقامة حفل ضخم للاحتفال بعيد ميلاده الستين في مزرعة مارثا فينيارد الكبيرة، المقامة على هضبة مترامية الأطراف يبلغ ارتفاعها 6892 قدمًا وتطل على منظر ساحلي جميل، اشترتها عائلة أوباما في عام 2019 نظير مبلغ 11.75 مليون دولار. وكان من المقرر أن يكون من بين ضيوف الحفل، البالغ عددهم 475 فردًا، جورج كلوني، وأوبرا وينفري.

دولي

منذ شهر
«فورين بوليسي»: لماذا تتعاون أمريكا مع جيوش تمارس أنشطة إجرامية؟

بيد أن حتى هؤلاء المقربون من أوباما، ظلوا لأسابيع يتجادلون بشأن مسألة إقامة هذا الحفل الصاخب، وأن توقيته لم يكن جيدًا بموازاة حث البيت الأبيض الشعب الأمريكي على توخي الحذر نظرًا إلى عودة انتشار كوفيد من جديد.

في الأسبوع الماضي، بدا لبعض اللحظات أن أوباما يرضخ للضغوط التي يمارسها عليه الحزب الديمقراطي داخليًّا عن طريق عدم إرسال دعوات حفل عيد ميلاده إلى معظم الضيوف، واقتصار الحفل على العائلة والأصدقاء المقربين. ولكن سُرعان ما تبين أن ذلك كان نوعًا من الخداع.

تمضي الكاتبة مشيرة إلى إنه بينما لم يتسبب حفل أوباما في تفشي الإصابة بكوفيد-19 على نحو مميت، إذ أُقيم الحفل في الهواء الطلق، وكان المناصرون لأوباما يُطالبون الضيوف بأخذ اللقاح، أظهر حفل عيد ميلاد الرئيس الأمريكي السابق، على أقل تقدير، برودًا متعجرفًا وعدم اكتراث من أوباما بمخاوف جيرانه واحتياجاتهم، بالإضافة إلى شعور عام منه باللامبالاة بالفاتورة السياسية لرفاقه من الحزب الديمقراطي، ومعاناة الأمريكيين مع جائحة كوفيد-19.

لكن لا ينبغي أن تفاجئ هذه المشاجرة المراقبين المقربين من إدارة أوباما السابقة للرئاسة الأمريكية، والتي كانت فاقدة لروح حب العمل من أجل تحقيق المصلحة العامة.

صديق للشرطة العنصرية

تؤكد الكاتبة أن أوباما برع في إظهار نفسه خصمًا لروح حب العمل من أجل تحقيق المصلحة العامة، وصديقًا لرجال الشرطة العنصريين. وكانت رابطة الدوري الأمريكي لكرة السلة للمحترفين قد أعلنت في أغسطس (آب) 2020 تأجيل بعض المباريات في الدور الفاصل بعد مقاطعة فرق الدوري للمباريات اعتراضًا على إطلاق الشرطة الأمريكية النار على جاكوب بليك، وهو رجل من أصحاب البشرة السوداء، أمام أطفاله في مدينة كينوشا بولاية ويسكونسن.

Embed from Getty Images

وفي خضم انتفاضة وطنية بشأن إطلاق الشرطة النار وارتكابها عديدًا من الأعمال الوحشية العنصرية الأخرى، هاتَفَ أوباما ليبرون جيمس، أحد أبرز لاعبي كرة السلة الأمريكية، وكريس بول، رئيس الرابطة الوطنية للاعبي الدوري الأمريكي لكرة السلة، وحثَّهما على العودة إلى الملاعب وإنهاء التصفيات، وهذا ما فعلاه.

يُنوه المقال إلى أن أوباما لعب دورًا مهمًا أيضًا في إعاقة محاولة بيرني ساندرز الترشح لانتخابات الرئاسة، وقد كان ذلك بمثابة انتكاسة كبيرة للحركة من أجل الديمقراطية الاجتماعية في الولايات المتحدة، بحسب المقال. فعندما كان ساندرز يتقدم في الانتخابات التمهيدية، سعى أوباما إلى تنظيم المرشحين المنافسين الآخرين للتخلي عن ساندرز ودعم بايدن، وهو ما أدَّى إلى استحالة تحقيق ساندرز الفوز. وبعد ذلك، أقنع أوباما بيرني ساندرز، السيناتور الاشتراكي الديمقراطي، بالانسحاب من السباق الانتخابي.

عدوٌ للنظام البيئي

تستطرد الكاتبة قائلة: ودعونا لا ننسى متحف أوباما الفظيع في شيكاجو. يبني أوباما، صاحب الكتب الثلاثة، لنفسه نصبًا تذكاريًا برَّاقًا في مدينة جاكسون بارك، والذي يرى ناشطو المجتمع أنه سينشر الفوضى في المساحات الخضراء التي لا تقدر بثمن وسيدُمر النظام البيئي الهش، ناهيك عن الضرر الكبير الذي سيلحقه بالركائز القانونية لفكرة المصلحة العامة ذاتها، وهو ما تحدثت الكاتبة عنه العام الماضي.

يضيف المقال أنه إلى جانب مزرعته مارثا فينيارد المروعة، يُخطط أوباما أيضًا للعيش في منزل آخر موحش مؤذٍ للنظم البيئية في ولاية هاواي، والذي يملكه صديقه المقرب مارتي نيسبيت، رئيس مجلس إدارة مؤسسة أوباما، وقد بُني المنزل من أجل أوباما. وأفاد تقرير نشرته منظمة «بروبابليكا» للتحقيقات الاستقصائية في العام الماضي أن المنزل الشاطئي المخطط أن يعيش فيه أوباما يحتوي على جدار بحري مثير للجدل، تكمن مهمته في حماية المنزل في حالة هبوب الأعاصير والعواصف، ولكنه غير قانوني لأن مثل هذه الهياكل تعوق تدفق مياه المحيط وتسهم في فقدان مساحات من الشاطئ في جميع أنحاء الولاية.

Embed from Getty Images

ولم يكن من المستغرب أن يدفع البائعون مبلغًا ضخمًا للدولة للحصول على مخرج قانوني يُحافظ على الجدار البحري في مكانه لمدة 55 عامًا أخرى. في هاواي، تُعد الشواطئ مسؤولية عامة وتوجد قوانين شاملة لحمايتها، لكن للأسف، يشيع منح مثل هذه التسهيلات لأصحاب العقارات هناك. واعترض بعض أفراد المجتمع المدني على فقدان الشاطئ المحيط بهم، مطالبين نيسبيت بهدم هذا الجدار البحري. لكن الدولة، بدلًا من ذلك، سمحت له ولأوباما بتوسيعه.

أوباما متسكعًا

تردف الكاتبة قائلة إن عائلة أوباما، مثل معظم من يمتلكون مالًا وفيرًا، تمتلك عددًا هائلًا من المنازل أكثر مما تتحمله صحة كوكب الأرض وسلامته. فبالإضافة إلى منزلهم في هاواي ومزرعتهم في مارثا فينيارد، تمتلك عائلة أوباما قصرًا مكونًا من تسع غرف نوم بقيمة 8.1 ملايين دولار في حي كالوراما الراقي في واشنطن العاصمة.

وتتطلب كل هذه المنازل عددًا غير معقول من مرات التحليق بالطائرة، وأحيانًا على متن طائرة خاصة تابعة لريتشارد برانسون، الملياردير صاحب شركة فيرجن جالاكتيك، في الوقت الذي كان يعاني فيه عديد من الشعب الأمريكي من الطبقة المتوسطة، بل وفي ظل تقليص الشركات من حجم السفر الجوي بسبب تأثيره في المناخ. وعند هذه النقطة، من المؤكد أن البصمة الكربونية لأوباما تداني بصمة توم برادي، لاعب كرة قدم أمريكية، الكربونية.

يتابع المقال: لا ننتظر من أوباما، ذي التوجه الوسطي، أن يتحول إلى التوجه الاشتراكي في أواخر منتصف عمره (رغم أنه كان شابًّا عندما حضر مؤتمر العلماء الاشتراكيين). ولكن بصفته ليبراليًّا كان يعاني من التشويش الكبير؛ ما أدَّى إلى تبديد برنامجه العام المعتبر وتلاشي تأثيره، ولم يُقدم سوى القليل، عندما كان على رأس السلطة، في عدد من القضايا الأساسية حاليًّا، مثل عدم المساواة في الدخل، وتكميم أصوات الناخبين، وتغير المناخ. بدلًا من ذلك، عندما لم يكن أوباما يتحرك بنشاط ضد التطور الاجتماعي والبيئي، فإنه كان يتسكع في مزرعة فينيارد وعلى يخت برانسون.

الفارق بين أوباما ونظرائه من الرؤساء السابقين

ترى الكاتبة أنه مع الاستثناء الواضح لترامب، الذي استغل رئاسته السابقة للولايات المتحدة بصورة أساسية في التذمر من مظالمه الشخصية، وإشعال نظريات المؤامرة اليمينية المتطرفة، ربما يكون أوباما أقل حبًّا للمصلحة العامة من عديد من رؤساء أمريكا السابقين المعاصرين. صحيحٌ أنهم جميعًا مجرمو حرب وخدموا بإخلاص الطبقة الرأسمالية عندما كانوا في السلطة. لكن رونالد ريجان كان، على الأقل، يتمتع باللياقة لاعتزال صخب الحياة العامة والاستمتاع بمرحلة الشيخوخة. كما بنى جيمي كارتر منازل للفقراء ودافع عن الديمقراطية في فنزويلا.

Embed from Getty Images

أما جورج بوش الأب فقد رفض أن يتقلد المناصب في مجالس إدارة الشركات وشارك في الأنشطة الإنسانية، وجمع الأموال لضحايا إعصار كاترينا وتسونامي المحيط الهندي الذي وقع في عام 2004. ومن المؤكد أن تعاملات بيل كلينتون التجارية ومؤسسته في هايتي كانت مهزلة؛ إذ جمع، مثل أوباما، قدرًا مشينًا من الثروة منذ رحيله عن منصب رئيس الولايات المتحدة، غير أنه أمضى أيضًا وقتًا أكثر من أوباما في خدمة القضايا الإنسانية، مثل الإغاثة في حالات الكوارث.

كما عمل كلينتون بجد لمساعدة زوجته في جهودها المبذولة لهزيمة ترامب في انتخابات الرئاسة لعام 2016. وبدوره، حافظ جورج دبليو بوش بلباقة على نفسه بعيدًا عن الأنظار، وأصبح رسامًا هاوٍ.

اختتمت الكاتبة مقالها بتأكيد أن الرؤساء السابقين للولايات المتحدة لن يكون لهم قيمة من دون ثقة الجمهور التي منحوهم إياها أثناء انتخابهم لتولي منصب الرئاسة أول مرة. وبعد مغادرة الرئاسة، نجد أن كل قدرة رؤساء أمريكا على تحقيق مكاسب وتأثيرهم الثقافي نابعة من حقيقة أن الناس صوَّتوا لهم في السابق. ولم يكتف أوباما فحسب بعدم اختيار استخدام مكانته المرموقة كثيرًا لخدمة الصالح العام، بل اختار أيضًا الاستخفاف بهذه المكانة على نحو مهين. لقد حان الوقت، بل تأخرت تلك اللحظة من زمن طويل، لإنهاء الهوس بتمجيد هذا الشخص النرجسي المترف.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد