سلَّط تقرير لصحيفة الإيكونوميست الضوء على أسباب انتشار السمنة في إفريقيا وكيف أنها توجد في الوقت نفسه مع نقص التغذية.

سلَّط تقرير لصحيفة «الإيكونوميست» الضوء على أسباب انتشار السمنة في أفريقيا، وكيف أنها توجد في الوقت نفسه مع نقص التغذية.

وتستهل الصحيفة البريطانية تقريرها بالإشارة إلى اجتماع لنساءٍ أفريقيات كل أربعاء في القرى المحيطة بمدينة مونزي في زامبيا، وذلك بهدف تبادل وصفات الأطعمة، حيث تتراص الطاولات منظمة في مكان ظليل، وتُغطَّى بفُرُش متأنقة، وتزْخُر بعبوات حفظ الأطعمة.

ويُقدَّم كل طبق إلى جانب فوائده الصحية: فالعصيدة مع مسحوق المورينجا مثالية للأطفال، وزبدة الفول السوداني هي ضالة مَنْ يرغبن في «بناء الأجسام». وعند تقديم ثلاثة أنواع من نقانق فول الصويا تحل البهجة والراحة، وهي لمن يبحثن عن «بناء الأسرة».

سياسة

منذ 3 سنوات
مترجم: الوطن الجديد للجهاد.. لماذا تزدهر الجماعات الإرهابية في إفريقيا؟

الحد من السمنة وسوء التغذية

وأوضح التقرير أن تلك الاجتماعات الأسبوعية تهدف إلى مواجهة سوء التغذية. ومن المفارقات أنها تهدف كذلك على ما يبدو إلى الحد من السمنة من خلال عرض مجموعة متنوعة من السلع على المزارعين، التي يمكن طهيها دون المجازفة بالذهاب إلى المتاجر التي تعج بالأغذية المُصنَّعة.

ويشير ألان مولاندو، من برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، الذي يساعد في تنظيم تلك الاجتماعات، إلى طبق صغير من المنتجات المحلية، ويقول: «كل ما يحتاجه الجسم موجود هنا في هذا الطبق».

وأشار الكاتب إلى أن الأطفال الذين لا يُكْمِلون وجباتهم الغذائية في العالم الغني كثيرًا ما يتعرضون للتوبيخ والتذكير بأن هناك أناسًا يتضورون جوعًا في أفريقيا. والواقع أن عدد المصابين بالسمنة في المنطقة آخذ في الارتفاع أيضًا.

ويرجع ذلك إلى أن متوسط الدخل قد ارتفع في القارة الأفريقية قبل أن تضرب جائحة كوفيد-19 العالم، وقد انتقل كذلك كثير من الأفارقة إلى العيش في المدن، حيث اسْتَطيَبوا مذاق الوجبات السريعة. ويرتبط اتساع محيط الخصر بمشكلات صحية طويلة الأمد مثل السكري وارتفاع ضغط الدم. وقد فاقمت الجائحة، التي تُشكل خطرًا داهمًا على مَنْ يعانون من السمنة، من تلك المشكلة وجعلتها أكثر إلحاحًا.

ولطالما انتاب خبراء التنمية القلق بشأن جنوب أفريقيا ذات الدخل المتوسط، حيث يعاني نحو 40% من النساء و15% من الرجال من السمنة، والتي يمكن تحديدها إذا كان ناتج مؤشر كتلة الجسم (الوزن بالكيلوجرام مقسومًا على مربع الطول بالمتر) لدى الفرد يساوي 30 أو أكثر. ويتجه جزء كبير من بقية دول القارة إلى الاتجاه نفسه، باستثناء عدد قليل من أفقر البلدان مثل تشاد ومالي.

Embed from Getty Images

في زامبيا، على سبيل المثال، هناك 35% من النساء و20% من الرجال يعانون من زيادة الوزن، مما يعني أن ناتج مؤشر كتلة الجسم لديهم أعلى من 25، وكذلك يزداد عدد الأطفال الذين يعانون من السمنة.

السبب الرئيس وراء انتشار السمنة في أفريقيا

وأرجعت الصحيفة السبب الرئيس في انتشار السمنة في المدن إلى تناول الأطعمة المُجهَّزة، مشيرةً إلى أن الأشخاص المُعْسرين تضطرهم ظروفهم الصعبة لشغل وظائف بعيدة عن ديارهم، الأمر الذي يضطرهم إلى الأكل خارج منازلهم كما يفعل الأغنياء؛ إذ يتدفق عديد منهم إلى الأكشاك المنتشرة في شوارع المدن لشراء رقائق البطاطس، والحلويات، والدخن (السَّرغوم)، والذرة الرفيعة المُعدَّة مسبقًا.

وتنتشر الوجبات السريعة في كل مكان؛ فقد وجدت دراسة استقصائية أن 25% من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين ستة أشهر وخمس سنوات في النيجر، قد تناولوا بشراهة وجبة خفيفة مُعبأة أو مشروبًا في الـ24 ساعة السابقة للدراسة، وكانت النسبة 30% في بوركينا فاسو، وأكثر من 40% في مالي وكوت ديفوار (ساحل العاج).

ونوَّه التقرير إلى قلة من يجري تثقيفهم بشأن مخاطر الوجبات السريعة، وكثيرًا ما تُطْعِم الأمهات الفقيرات أطفالهن مشروبات غازية وعصائر تحتوي على السُكر إلى جانب حليب الأم، وكذلك يأكلون البطاطس الرخيصة والبسكويت. تقول فاطمة عبد الله، أخصائية التغذية في لوساكا، عاصمة زامبيا، إن الوجبات السريعة: «تجذب الناس، فهي سهلة ومُريحة».

وفي كثير من الحالات يكون اتباع نظام غذائي صحي مسألة بعيدة المنال، حتى في الريف. وغالبًا ما يبيع المزارعون في مونزي محاصيل ثمينة مثل البقوليات والخضراوات نقدًا، ويعيشون على طعام شعبي يُسمَّى النشيما، وهي نوع من عصيدة الذرة التقليدية، في حين تبلغ تكلفة الطعام المُغذِّي ليوم واحد، بما في ذلك الفاكهة والحليب واللحوم، نحو 70% من متوسط دخل الأسرة اليومي للفرد في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.

وتقدر منظمة الصحة العالمية أن 7% من السكان في أفريقيا مصابون بمرض السكري في عام 2014، وهو أكثر من ضعف المعدل في عام 1980، وقد زاد أيضًا معدل انتشار مرض ارتفاع ضغط الدم. والأمراض المزمنة لا تؤذي الناس فحسب، بل تجعلهم أقل إنتاجية كذلك، ولذلك فهي تجعلهم أكثر فقرًا مما يمكن أن يكونوا عليه من دون تلك الأمراض.

Embed from Getty Images

الجوع والسمنة في المكان نفسه

ولفتت الصحيفة إلى أن ارتفاع معدلات السمنة لا يعني القضاء على الجوع؛ إذ ما يزال هناك حوالي 30% من الفتيان و20% من الفتيات الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و19 عامًا يعانون من نقص الوزن (انظر الرسم البياني). ويحذِّر صانعو السياسات من «عبء مزدوج لسوء التغذية»، حيث يوجد الجوع والسمنة داخل القرية نفسها أو حتى داخل المنزل الواحد.

ويضرب يواكيم فون براون من جامعة بون مثالًا على ذلك بالأم البدينَة التي توفر الوقت والمال؛ ولذلك تتناول الوجبات السريعة، ولكن لديها طفل يعاني من نقص الوزن.

يعتقد البعض في أجزاء من القارة الأفريقية أن البَدَانَة أمر جيد ويربطونها بالثروة، وقد وجدت دراسة في أوغندا أن الأشخاص البُدُن يجدون ذلك مَدعاةَ للفخرٍ. ويرفض بعض سكان المدينة الأثرياء المنتجات المحلية الصحية، مثل البامية، بوصفها «طعام القرويين»، ويتناولون البرجر بدلًا منها.

وتختم الصحيفة تقريرها بتأكيد أن التصدي للمشكلات المتعلقة بالوزن في أفريقيا يتطلب تبني عديد من المقاربات؛ فمن الأهمية بمكان أن يتعلم الأطفال عن التغذية السليمة، وهناك حاجة كذلك لوضع ملصقات لتقديم صورة أفضل عن الأطعمة المُجهَّزة لتوضيح مدى خطورتها، كما تبرُز ضرورة توفير أرصفة للمشاة في المدن ليتمكن الناس من ممارسة رياضة المشي أو الركض دون أن ترهقهم الحافلات.

ويرى كريستوفر موراي من جامعة واشنطن أن هناك علاقة مقلوبة على شكل حرف «U» بين الدخل والسمنة. واستطاع الملايين من الناس إخراج أنفسهم من براثن الفقر، ذلك أن التحدي الذي كانوا يواجهونه هو الحصول على سعرات حرارية كافية للبقاء على قيد الحياة، لكنهم لم يصبحوا أثرياء بعد بما يكفي لتناول طعام صحي والحفاظ على لياقتهم البدنية. وكلما تقلص محيط خصر الفرد وزادت لياقته، كان أكثر قدرة على العمل وكسب المزيد من المال.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد