تناول الكاتب «جيمس جيلفين» في مقاله على موقع «The Conversation» العديد من المعلومات؛ حول اتفاقية «سايكس- بيكو» الشهيرة، بالإضافة إلى نظرة تاريخية على الاتفاقية، وتأثيرها على الوطن العربي، من وجهة نظر العرب والغرب، كما يحاول تحليل الأمر من زاوية جديدة تختلف عن الطرح السابق حول الاتفاقية.

في الفترة من 1915 إلى 1916، قام «السير مارك سايكس» من مكتب الحرب البريطاني، و«فرانسوا جورج بيكو» – القنصل الفرنسي في بيروت- بالتفاوض على اتفاق سري؛ لتقسيم الجزء الأسيوي من «الإمبراطورية العثمانية» إلى مناطق تخضع لسيطرة فرنسية وإنجليزية، مباشرة وغير مباشرة، عقب الحرب العالمية الأولى. تضمنت الاتفاقية أيضًا «تدويل القدس». كان الروس يشعرون بالقلق من سيطرة «الكاثوليك الفرنسيين» على المدينة المقدسة، وأن تكون لهم الكلمة الأخيرة على «الأرثوذوكس».

وعلى الرغم من أن روسيا لم توقع على الاتفاقية أبدًا، فقد قبلت بها، وفي المقابل، قام الحلفاء بالتأكيد على التزامهم بالسيطرة الروسية على «إسطنبول» والمضائق التركية، كما وافقوا في النهاية على السيطرة الروسية المباشرة على أجزاء من شرق الأناضول (الجمهورية التركية في الوقت الحالي). بعد ذلك، أصبحت كلمة سايكس- بيكو منتشرة للغاية، إلا أنها قد تحمل معنيين مختلفين، أحدهما كبير ورئيس، والآخر أقل أهمية.

حبر على الورق

يبدأ الكاتب بالحديث عن المعنى الأقل أهمية، وهو الشكل الظاهري للاتفاق؛ إذ ربما كان الشكل الظاهري للاتفاقية لا يشير إلى أية تغيرات أو تأثيرات مترتبة، بخلاف ترسيم حدودي متوقع في الصحراء، بين سوريا والعراق (عام 1922). لم يدخل الأمر حيز التنفيذ أبدًا. وحتى نهاية الحرب العالمية الأولى، كان الأمر مجرد حبر على الورق فقط؛ لعدد من الأسباب، أبرزها: عدم رضا بريطانيا عن الحدود التي تم وضعها للمنطقة الفاصلة بينها وبين المنطقة الخاضعة لفرنسا، وخاصة أن خريطة سايكس بيكو وضعت الجزء الشمالي من فلسطين، بالإضافة إلى «الموصل» -كليهما كان مطمعًا لبريطانيا- تحت السيطرة الفرنسية.

السبب الثاني ـ بحسب التقرير ـ كان نجاح بريطانيا بنهاية الحرب في السيطرة على الأراضي العربية في آسيا، والتي كانت خاضعة للإمبراطورية العثمانية، وهنا كانت لهم اليد العليا على الفرنسيين، فقرروا تقسيم المنطقة إلى مناطق أصغر تخضع لسلطتهم، وهنا اختلفت تلك المناطق التي قاموا بتقسيمها عن التقسيم المقترح في اتفاقية سايكس- بيكو.

وبحلول عام 1917، تولى البلاشفة «بقيادة لينين» مقاليد الأمور في روسيا، وركزوا في الأساس على توحيد القوى داخل روسيا، ولم يهتموا بأمر الأماكن المقدسة، واتفاقات الدول الاستعمارية، كما قرروا التخلي عن جميع الاتفاقات السرية التي عقدتها الحكومة القيصرية التي سبقتهم، بل قاموا حتى بنشر تلك الاتفاقات، وهو ما سبب الكثير من الحرج للحلفاء السابقين. عند هذه النقطة، رأت بريطانيا وفرنسا التغيرات الجديدة كفرصة لإعادة التفكير في الاتفاقية.

لا يوجد علاقة حقيقية للاتفاق بالتقسيم الحالي

قد يبدو الاتفاق غير مهم؛ إذا قمنا بمقارنة الخريطة الحالية للشرق الأوسط، بالخريطة المقترحة التي قدمتها اتفاقية سايكس- بيكو؛ إذ لا تخضع أية منطقة للسيطرة الروسية أو البريطانية أو الفرنسية المباشرة، كذلك الحال بالنسبة للقدس التي لا تخضع حاليًا لسيادة دولية، كما أن فرنسا وروسيا لا تسيطران على أية أجزاء من الأناضول، ولا تسيطر بريطانية على أجزاء من العراق أو الجزيرة العربية.

يرى التقرير أنه، وبغض النظر عما اتفق عليك سايكس وبيكو، فإن الحدود الحالية في منطقة الشام (سوريا وفلسطين ولبنان) وبلاد ما بين النهرين (العراق حاليًا) ومنطقة الأناضول نتجت بالأساس من عاملين رئيسين: العامل كان تكوين ما يعرف بعصبة الأمم من قبل الأمم المتحدة؛ إذ منح هذا النظام الحق لبريطانيا وفرنسا في السيطرة المؤقتة على أراضي هذه المنطقة، وعليه، قامت الدولتان بتقسيم الأراضي إلى مناطق أصغر؛ وفق مصالحهم الاستعمارية؛ إذ قامت بريطانيا بإنشاء العراق، وما يعرف بشرق الأردن، عقب الحرب العالمية الأولى، بينما فعلت فرنسا الأمر ذاته في لبنان وسوريا.

السبب الثاني ـ بحسب التقرير ـ كان بقاء الأناضول دون تقسيم، بعدما قام القوميون الأتراك بخوض حرب شرسة على مدار أربع سنوات لطرد الأجانب من مناطقهم؛ وكانت النتيجة هي «الجمهورية التركية» على صورتها الحالية. وهنا يطرح الكاتب تساؤلًا هامًا: وهو لماذا يستمر المحللون في التركيز على اتفاقية سايكس- بيكو، بعد 100 عام على الأمر؟ كما يضيف أنها، ربما، لم تكن الاتفاقية السرية الأولى التي تهدف لتقسيم الأمبراطورية العثمانية بين الحلفاء.

المعنى الرمزي للاتفاقية

يقول الكاتب «إن إجابة السؤال الماضي تكمن في المعنى الآخر والكبير للاتفاقية الذي تناوله بداية، وهو معنى الاتفاقية المجازي؛ إذ كان تعبير سايكس- بيكو على مدار القرن الماضي يؤدي ثلاثة معان رئيسة:

في الفترة من ثلاثينات إلى ستينات القرن الماضي، استند القوميون العرب إلى هذا الاتفاق السري؛ باعتباره رمزًا لخيانة الغرب، ولما رأوا فيه محاولات غربية لتفتيت العرب الذين يطمحون في تكوين دولة واحدة، وإلى دعم الاتفاق لإسرائيل، التي اعتبروها بمثابة الخنجر العالق في قلب الوطن العربي، كما وصفها الرئيس المصري «جمال عبد الناصر» في تلك الفترة.

أمام منذ الثمانينات وحتى الوقت الحاضر، استخدمت التنظيمات الإسلامية – مثل «تنظيم القاعدة» و«تنظيم الدولة الإسلامية» الحديث- تعبير «حدود سايكس بيكو» في دعايتهم الإعلامية؛ للحديث عن المؤامرة الغربية – أو الصليبية الصهيونية كما يصفها تنظيم القاعدة- لإضعاف وتقسيم العالم الإسلامي. بالنسبة لتنظيم القاعدة، تبرر هذه «المؤامرة» اتجاه التنظيم الجهادي الدفاعي، بينما في حالة تنظيم الدولة الإسلامية، فهي تبرر الحالة الهجومية للتنظيم في اتجاه إعادة إحياء الخلافة، والتي ستوحد العالم الإسلامي في نهاية المطاف كما يعتقدون.

يضيف الكاتب أن الاتفاقية ـ بالنسبة للمحللين في الغرب ـ تأتي بمثابة شرح وتفسير للاضطرابات المعاصرة في العالم العربي، وأنها تمثل الآثار السلبية للاستعمار في المنطقة، وهو ما لا يختلف عما فعلته الولايات المتحدة عند قيامها بتسليح المجاهدين في «أفغانستان» في الثمانينات، والذي أدى بشكل مباشر إلى صعود تنظيم القاعدة، وهجمات 11 سبتمبر (أيلول) فيما بعد، وصعود تنظيم الدولة الإسلامية بشكل غير مباشر.

في السياق ذاته، يضيف الكاتب أن المحللين يرون أن التدخل الاستعماري، وخلق حدود «مصطنعة» في المنطقة بنهاية الحرب العالمية الأولى حالت دون تكوين الدول والقوميات على أساس الهويات الطائفية والعرقية الطبيعية، كما حدث في الغرب على سبيل المثال. في حين يرى الكاتب أن العرب قادرون على تشكيل هويات سياسية حديثة لا تنظر إلى المبادئ الأولية، كالعرق والدين، بعكس النظرة التقليدية لهم، والتي ترى أنهم غير قادرين على ذلك.

في نهاية المقال، يشير الكاتب إلى حقيقة هامة للغاية، وهي أنه ـ باستثناء إنهاء استعمار الخليج في 1971، وتوحيد شطري اليمن عام 1990 ـ كانت حدود الدول في المنطقة العربية مستقرة بشكل متميز على مدار 75 عامًا، بل كانت أكثر استقرارًا في حقيقة الأمر من الدول الأوروبية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد