من خلال التذرع بحقها في الدفاع عن النفس تُحوِّل إسرائيل مسار الحوار من الحديث عن جرائمها الاستعمارية ضد الفلسطينيين إلى الحديث عن الضرر الذي لحق بها نتيجة لتلك الجرائم.

نشرت مجلة «جاكوبين» اليسارية الأمريكية مقالًا للباحث بشير أبو منة، رئيس قسم اللغة الإنجليزية في جامعة كينت الأمريكية، أوضح فيه كيف أن إسرائيل لا يحق لها أن تلجأ إلى «حق الدفاع عن النفس» من أجل تبرير ما ترتكبه من جرائم بحق الفلسطينيين.

مبرر للإلهاء عن الجرائم

يستهل الكاتب مقاله بالإشارة إلى أن المسؤولين ووسائل الإعلام والمعلِّقين والمذيعين في إسرائيل أينما كانوا يُرددون هذا التصريح المنطقي والعقلاني: «لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها». ويبدو هذا أمرًا بديهيًّا لدرجة يصعب معها الجدال بشأنه. لكن إسرائيل اليوم تستخدم حق الدفاع عن النفس بوصفه وسيلة بلاغية منمقة أساسية لتبرير شن الحرب ضد الفلسطينيين. ومن خلال التذرع بحقها في الدفاع عن النفس تُحوِّل إسرائيل مسار الحوار من الحديث عن جرائمها الاستعمارية ضد الفلسطينيين إلى الحديث عن الإصابات التي لحقت بها نتيجة لتلك الجرائم.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 4 شهور
مترجم: «لا أمان في غزة».. مراسل «أسوشيتد برس» يروي تفاصيل تدمير برج الجلاء

ولكن لأن إسرائيل تحرم الفلسطينيين حرفيًّا من حقوقهم الإنسانية، لا سيما حق تقرير المصير، فإنه ليس من حقها أن تتذرع بحق الدفاع عن النفس بوصفه مبررًا قانونيًّا لاستخدام القوة. وفي حقيقة الأمر يبدو من الواضح أن سلوك إسرائيل جزء من مشروع احتلال تقوده الدولة، وهي بذلك تتحمل مسؤوليته الجنائية.

الفرضية الإسرائيلية فاسدة لسببين

ويُوضح الكاتب أن ثمة سببين رئيسين يوضحان لماذا تبدو الفرضية الإسرائيلية للدفاع عن النفس فاسدة ومعيبة. أولًا: لا يمكن التذرع بفرضية الدفاع عن النفس في حرب تشنها دولة محتلة ضد مَنْ تحتلهم، لذلك فهذه الفرضية ليست ذات صلة بعلاقة إسرائيل تجاه الفلسطينيين. ثانيًا: إن ما تقوم به إسرائيل في غزة ينتهك جميع الشروط المعروفة لمفهوم حق الدفاع عن النفس، لا سيما الاضطرار إلى شن الحرب في وقت يمكن فيه تحقيق السلام ببساطة، والتمييز بين الجنود والمدنيين، بالإضافة إلى مدى تناسب الأضرار التي تقع عند السعي لتحقيق الأهداف العسكرية.

القانون أداة لشن الحروب

ويُضيف الكاتب أنه حتى يمكن استخدامه مبررًا للحرب، يستند مفهوم حق الدفاع عن النفس إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تنص على ما يلي: «ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينقص من الحق الطبيعي للدول فرادى أو جماعات في الدفاع عن أنفسهم، إذا وقع اعتداء مسلح على الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة، لحفظ السلم والأمن الدوليين».

Embed from Getty Images

وباستثناء التفويض من مجلس الأمن، يُعد هذا هو التبرير القانوني الوحيد لاستخدام الدول القوة المسلحة ضد بعضها البعض. ولم يرد أي ذكر هنا للجهات غير الحكومية. كما لا يوجد تشابه بين حقوق الفرد وحقوق الدولة التي تشير إلى أنه لا يمثل إشكالية من الناحية النظرية: فالدول ليس لديها حقوق الأفراد.

ونوَّه الكاتب إلى أنه نظرًا لـ«عدم الوضوح بشأن المعايير القانونية للمادة 51»، فإن عددًا من علماء القانون يرون أن المادة غير مناسبة لهذا الغرض. وحوَّلت الدول المُعتدية المادة 51 إلى أداة لتبرير استخدام العنف بدلًا عن حظر استخدام القوة المسلحة.

والآن أصبحت كل حرب تُشن على أساس أنها حرب دفاع عن النفس لتأمين الدولة من التهديدات التي تحيق بها: بداية من الغزو الأمريكي لأفغانستان والعراق، ووصولًا إلى الغزو الروسي للشيشان وأوكرانيا.

وفي هذا الصدد قال نعوم تشومسكي ذات يوم: «إذا كان لدينا أرشيف وسجلات، ربما اكتشفنا أن أتيلا الهوني (آخر حكام قوم الهون وأقواهم) كان يتصرف دفاعًا عن النفس. ونظرًا لأن ما تقوم به الدولة مُبرَّر دائمًا على أنه دفاع عن النفس، فإننا لا ندرك أن هناك مبررات لبعض الإجراءات المحددة إلا بعدما نستمع إلى تلك المبررات من المتحدث الرسمي باسم دولة ما؛ لكننا نكون قد عرفنا ذلك مسبقًا بالفعل».

الواقع والتحليلات البحثية تُكذِّب إسرائيل

ويُشير الكاتب إلى أن مؤسسة «الحق»، وهي منظمة حقوق الإنسان الفلسطينية، انتقدت بالفعل الأساليب الوقحة والمسيئة التي تتبعها إسرائيل لاستخدام «القانون بوصفه سلاح حرب». وخلال الحرب الإسرائيلية على غزة في 2008-2009 رأت المنظمة أن إسرائيل لا يمكنها التذرع بمفهوم حق الدفاع عن النفس بوصفه مبررًا لشن الحرب؛ لأنه يتعارض مع التزامات إسرائيل بصفتها دولة احتلال لقطاع غزة (ولديها السيطرة الفعلية) على أراضيها، كما أنه يتعارض مع المبدأ القانوني الخاص بالضرورة العسكرية بوصفه «مبررًا قانونيًّا استثنائيًّا لأي عملية».

 وفي الواقع إنه «على الرغم من القبول الواسع النطاق لذرائع إسرائيل، فإن الوضع القانوني للأراضي الفلسطينية المحتلة يستبعد استخدام المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة بوصفها نتيجة للاحتلال الممتد».

ولفت الكاتب إلى أن هذا الأمر يدعمه التحليل البحثي للقانون الدولي بشأن الاعتداءات الإسرائيلية المتعددة على قطاع غزة. إذ يرى نورمان فينكلشتاين، أستاذ العلوم السياسية، أنه «ليس لدى إسرائيل تفويض قانوني لاستخدام القوة المسلحة ضد الكفاح الفلسطيني من أجل تقرير المصير».

Embed from Getty Images

لماذا؟ لأن «إسرائيل لا تستطيع ادعاء حق الدفاع عن النفس إذا كانت ممارسة هذا الحق تستند إلى ارتكاب الخطأ المتمثل في فرض احتلال غير قانوني/حرمان من حق تقرير المصير (ليس من الممكن استخلاص أي منفعة أو حق قانوني من ممارسات غير قانونية)». إن الحقوق الوطنية الفلسطينية لها أهمية قصوى ويحميها القانون.

ولهذا السبب ليس لدى إسرائيل أي أساس قانوني لشن حرب ضد الفلسطينيين المحتلين، بل إن العكس هو الصحيح. وينبغي على إسرائيل ألا تزيد من معاناة الفلسطينيين، وأن تؤدي ما عليها من التزامات تجاههم، وأن توقف ما ترتكبه من انتهاكات ضد الحقوق الفلسطينية.

وبهذه الكيفية تحديدًا يمكن لإسرائيل حماية مواطنيها بحق والحفاظ على حياتهم من صواريخ حماس العشوائية: عن طريق إيجاد حل للنزاع من الناحية السياسية وإحلال السلام من دون احتلال. ولا شك أن وضع نهاية لحصار غزة والسماح للفلسطينيين بقدر يسير من الكرامة الإنسانية سيكون بداية جيدة.

كيف تنظم إسرائيل حملات حق الدفاع عن النفس؟

ويتساءل الكاتب: بغض النظر عن التبرير القانوني، ما هي الطريقة التي تنظم إسرائيل من خلالها ما يُسمى بحملات حق الدفاع عن النفس؟ ويمكن فهم هذا على نحو أفضل من خلال الخطاب العام، ومن خلال ما يقدمه العديد من منظمات حقوق الإنسان على نطاق واسع. ومنذ الانتفاضة الفلسطينية الثانية على الأقل، استخدمت إسرائيل القوة العسكرية المفرطة والعشوائية التي لا لزوم لها في انتهاك للقانون الدولي.

وتستهدف إسرائيل المباني السكنية المدنية، وتقتل مئات الأطفال، وتُبيد عائلات بأسرها، وتلحق دمارًا واسعًا بجميع السكان المحاصرين، وتنزل بهم عقابًا جماعيًّا. وتظهر التقارير أيضًا أن استخدام الدروع البشرية تكتيك إسرائيلي حصري.

ويخلُص الكاتب إلى أن استدعاء إسرائيل لحق الدفاع عن النفس له مهمة واضحة ومحددة. إذ ترمي إسرائيل إلى أن استخدام هذا التبرير يهون من جُرم الاحتلال الإسرائيلي، ويُعزز مشروعها الاستيطاني الاستعماري. ويحظر قانون الدولة القومية الجديد على إسرائيل السماح للفلسطينيين بحق تقرير المصير في إسرائيل وفلسطين.

ويمكن لليهود الإسرائيليين وحدهم ممارسة هذا الحق. وأصبح الفصل العنصري (أبارتيد) يردده الجميع حاليًا، وبات من غير الممكن إخفاء الهيمنة اليهودية في إسرائيل أو تجاهلها. وتُعد مشاهد استهداف الغوغاء للمواطنين الفلسطينيين في إسرائيل بمثابة أحدث تجسيد لهذا الأمر.

كيف يعمل الردع العسكري الإسرائيلي؟

وأشار الكاتب إلى أن إسرائيل تستخدم أيضًا القوة المسلحة فيما تطلق عليه الردع العسكري، لكن كيف يعمل هذا؟ يجيب الكاتب قائلًا: يعمل هذا من خلال ملاحقة الفلسطينيين واضطهادهم بكل الوسائل الممكنة للحد من تطلعاتهم السياسية. ومن خلال إطالة أمد الحروب لكي تقصف وتدمر المزيد والمزيد.

Embed from Getty Images

بالإضافة إلى إرهاب الفلسطينيين لكي يقبلوا بحياتهم المُهينة ويستسلموا لها. وإذا نجح هذا الأسلوب الصهيوني المجرَّب والمختبر كما هو مخطط له، فإن إسرائيل على وشك ترحيل الفلسطينيين وإجلائهم من منازلهم أكثر فأكثر.

وفي ختام مقاله أكدَّ الكاتب على ضرورة ألا تُمنح إسرائيل بعد الآن الحرية المطلقة لشن حروب عدوانية على اعتبار أنها دفاع عن النفس؛ لكي يعيش الفلسطينيون والإسرائيليون في سلام. وإذا سمح العالم للصراع الإسرائيلي الفلسطيني أن يحتدم لمدة 100 عام أخرى، فلن يشعر أحد في المنطقة بالأمان.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد