نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية تقريرًا لمراسلها لشؤون الطاقة، كليفورد كراوس، حول تداعيات تفشي فيروس كورونا على صناعة الطاقة الأمريكية.

وفي مستهل التقرير، يشير كراوس إلى أنه في حين يقلص منتجو النفط الأمريكيون الوظائف، وتثقل كاهلهم الديون، فإنهم يستعدون لأحدث الصدمات التي تضرب أسواق الطاقة العالمية، وهي: الآثار الاقتصادية لتفشي فيروس كورونا داخل الصين وخارجها.

ويتابع كراوس: «عانى منتجو النفط والغاز الطبيعي من انخفاض أسعار السلع الأساسية على مدار العام الماضي، وهم الآن يتوقعون انخفاضًا حادًّا في أسعار منتجاتهم عالميًّا».

العالم والاقتصاد

منذ 7 شهور
بالأرقام.. حصاد خسائر الصين الاقتصادية من فيروس كورونا

تراجع كبير لسعر خام غرب تكساس الوسيط

ويضيف أنه نتيجة لذلك، فإن المنتجين يستعدون لخفض استثماراتهم في مجالي الإنتاج والتنقيب عن النفط. لافتًا إلى تراجع سعر خام غرب تكساس الوسيط، وهو مؤشر رئيسي لأسعار النفط الأمريكية، لأقل من 50 دولارًا للبرميل يوم الاثنين الماضي، بانخفاض بنسبة 20% في أقل من شهر.

ويقول: إنه بعد تعافٍ طفيف صباح يوم الثلاثاء الماضي، تراجعت الأسعار مجددًا لتنهي اليوم مسجلةً 49.61 دولارًا للبرميل، لتصل بذلك إلى أدنى مستوياتها على مدار أكثر من عام.

يوضح الكاتب أن الصين تشتري 200 ألف برميل يوميًّا فقط من النفط ووقود النقل المكرر من الولايات المتحدة، من إجمالي الصادرات الأمريكية اليومية من النفط التي تبلغ  8.5 ملايين برميل. لكن النفط سلعة عالمية، وأسعاره الأساسية تحدد استنادًا للأسواق العالمية، وليس داخليًّا؛ لذا فإن انخفاض الأسعار يعني انخفاض الأرباح.

Embed from Getty Images

تنامي نفوذ الصين على أسواق النفط العالمية

ينقل الكاتب عن ستيفن بروت رئيس شركة Elevation Resources المنتجة للنفط الصخري بتكساس قوله: إن هناك انخفاضًا تشهده أسعار النفط لاسيما عندما نضع ذلك جنبًا إلى جنب مع حقيقة أننا لا نحصل على شيء تقريبًا من الغاز الطبيعي الخاص بنا، بالإضافة إلى انخفاض أسعار النفط  من 55 دولارًا إلى 50 دولارًا للبرميل.

ويرى الكاتب أن هذه المخاوف تعكس تنامي النفوذ الذي تمارسه الصين على أسواق النفط العالمية. فبعد أسابيع قليلة من تفشي فيروس (ووهان)، تراجع الطلب اليومي النفطي الصيني بنسبة 20% بسبب تراجع السفر جوًّا والنقل البري والتصنيع.

ونظرًا إلى أن الصين تستهلك 13 من كل 100 برميل من النفط الذي ينتجه العالم، فإن جميع شركات النفط تعرضت لأضرار نوعًا ما.

ويضيف التقرير أن أكثر من 50 مليون شخص تأثروا بسبب منع السفر في مقاطعة خوبي، مركز تفشي فيروس كورونا، ما أدى لتباطؤ استهلاك البنزين في الوقت الذي قامت فيه شركات الطيران الدولية سريعًا بتقليص رحلاتها إلى الصين، ما جعل هناك وفرة في وقود الطائرات النفاثة والديزل في الأسواق العالمية، في وقت كانت فيه إمدادات النفط وفيرة بالفعل وأسعارها منخفضة.

تأثير انخفاض أسعار النفط في الدول المنتجة الأخرى

يقول كراوس إن هذا الانخفاض في أسعار النفط قد يعني خسارة بنسبة 10% في الأرباح بالنسبة للمنتجين في بلدان مثل العراق والمملكة العربية السعودية. 

Embed from Getty Images

لكن داخل الولايات المتحدة، حيث يكون سعر التعادل للنفط الذي يجري التنقيب عنه في الحقول الصخرية أعلى من 45 دولارًا للبرميل، فقد تكون خسائر المنتجين أكثر من 60% من أرباحهم، بحسب تصريحات مايكل لينش رئيس شركة الطاقة الاستراتيجية والبحوث الاقتصادية.

ويضيف لينش أن السؤال الأهم الآن هو ما إذا كان السعوديون سيخفضون الإنتاج، وينتظرون حتى ينشقع ذلك الوضع الخطير، وفي حال لم يتحقق ذلك، فإن العوائد النفطية ستنخفض لدى جميع منتجي النفط.

ويرى أن ذلك لا يمثل مشكلة كبيرة بالنسبة للاعبين الكبار في مجال الطاقة مثل إكسون موبيل وشيفرون، لكن بالنسبة للصغار، فإنهم سيتعرضون لأضرار، وهو ما سيتضح بالنظر إلى عدد حالات الإفلاس التي يمكن أن تزداد بشدة خلال الأسابيع القليلة المقبلة.

وبحسب شركة الاستشارات القانونية الأمريكية «Haynes and Boone»، فقد تقدمت 42 شركة من قطاع الغاز الطبيعي والنفط بطلبات حماية من الإفلاس في أمريكا الشمالية خلال العام الماضي، ومنذ انخفاض أسعار النفط في العام 2015، كان هناك 208 طلبات حماية من الإفلاس من قبل منتجي النفط الذين بلغ إجمالي ديونهم 122 مليار دولار.

تداعيات فيروس كورونا على الطلب العالمي

يقول كراوس إن أسعار النفط انخفضت رغم خسارة ما يصل إلى مليون برميل يوميًّا من الصادرات الليبية بسبب الاضطرابات السياسية هناك.

ويلفت المقال إلى أن اجتماع منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) وروسيا، الذي انعقد على عجالة، وهو مقدمة محتملة لخفض الإنتاج، ساعد على وقف انخفاض الأسعار، ربما بشكل مؤقت فقط.

ويتابع أن شركات النفط الأمريكية قد قلصّت ميزانياتها فعليًّا خلال العام الماضي، مع فقدان ما بين 14 ألف و750 ألف شخص وظائفهم. وخلال الأسبوع الماضي، أعلنت إكسون موبيل، وكونوكو فيليبس، وشيفرون عن أرباح مخيبة للآمال، بسبب انخفاض أسعار النفط والغاز، وهوامش الربح المتواضعة.

ويوضح المراسل أن الانهيار المطول للأسعار، الذي امتد من العام 2014 إلى 2017، أجبر شركات النفط والغاز الأمريكية على تسريح أكثر من 160 ألف عامل، ما يقرب من 100 ألف منهم داخل تكساس وحدها.

وعن التداعيات على الطلب العالمي، قالت شركة S&P Global Platts لتحليلات الطاقة إن الفيروس قد يتسبب في خفض الطلب العالمي على النفط بنسبة 4% أو ما يُعادل 4.1 مليون برميل يوميًّا خلال فبراير (شباط) الجاري.

وعلى مدار العام، تتوقع الشركة انخفاضًا في متوسط الطلب العالمي اليومي من 290 ألف إلى مليون برميل. وقال كلاوديو جاليمبرتي من شركة S&P Global Platts: «ما يزال هناك الكثير من الشك بشأن انتشار الفيروس وعواقبه على الاقتصاد».

أزمة وباء سارس

يستشهد محللون بالدروس المستفادة من فترة تفشي وباء سارس، في الفترة من 2002 إلى 2003، حين انخفض الطلب على وقود الطائرات بنسبة 1% في العام 2003 عن العام السابق له، بعد أن ارتفع بمعدل 7% سنويًّا خلال السنوات الخمس السابقة، بحسب شركة أبحاث الأسواق العالمية سيتي جروب. ويشير كراوس إلى عودة الطلب بقوة على الوقود في العام 2004، ما يعني أن تأثير سارس في أسواق النفط العالمية كان بسيطًا وقصير الأجل. 

لكن الصين أصبحت محركًا شديد الأهمية للاقتصاد العالمي خلال الـ17 عامًا الأخيرة ولن يكون الباحثون في المجال الطبي على يقين من أن الفيروس الجديد سيتلاشى في الطقس الأكثر دفئًا، شأنه شأن الإنفلونزا.

من المستفيد من انخفاض أسعار النفط؟

يقول كراوس إنه رغم الأضرار التي ستلحق بالمنتجين من جراء انخفاض أسعار النفط، فإن السائقين الأمريكيين هم الطرف المستفيد من هذه الأزمة. إذ انخفض متوسط السعر الوطني للبنزين 12 سنتًا للجالون خلال الشهر الماضي، وفقًا للجمعية الأمريكية للسيارات. 

يرى كراوس أن ذلك يُعد بمثابة فترة راحة لسائقي السيارات ذوي الدخول المنخفضة، الذين يميلون لقيادة السيارات القديمة الأقل كفاءة في استهلاك الوقود وينفقون نسبة أكبر من دخولهم على الطاقة.

يمكن لمعامل التكرير شراء أنواع أرخص من الوقود وتخزينها حتى فصل الصيف، الذي سيشهد تزايدًا في الطلب. ويقول كراوس إن منتجي النفط غير محظوظين، حيث إن الفيروس الصيني ينتشر في الوقت الذي يحضر فيه المنتجون ميزانياتهم الخاصة بالإنتاج والتنقيب عن النفط، والتي سيعلنون عنها خلال الشهرين المقبلين.

يشير كراوس إلى أن بداية العام الحالي شهدت استقرارًا لأسعار النفط ما بين 60 و65 دولارًا للبرميل بعد أن خفضت منظمة أوبك مستهدفات إنتاجها، لكن مع انخفاض الأسعار الآن بنحو 10 دولارات للبرميل، يتوقع المديرون التنفيذيون للشركات المنتجة للنفط أن صناعة النفط ستضطر للتكيف مع ذلك الأمر. 

Embed from Getty Images

يقول سكوت شيفلد الرئيس التنفيذي لشركة بايونير للموارد الطبيعية الأمريكية العاملة في مجال النفط الصخري بولاية تكساس إنه سيكون على الشركات خفض الإنتاج وسيكون التساؤل المطروح هو عن مدى سرعة الصينيين في السيطرة على انتشار الفيروس والبدء في زيادة الطلب على النفط.

ويتوقع شيفلد أنه في حال لم ترتفع أسعار النفط في القريب العاجل، فإن إنتاج النفط الصخري المحلي، والذي كان متوقعًا له مؤخرًا أن يرتفع من 500 ألف إلى 700 ألف برميل يوميًّا خلال العام الجاري، سيكون ثابتًا. 

وستتعرض دول أخرى لضغوط أيضًا. ويوضح كراوس أن معظم العشرة ملايين برميل من النفط التي تستوردها الصين يوميًّا مصدرها روسيا، وأفريقيا، وإيران، ودول الخليج العربي الأخرى، حيث أجبِر المنتجون في هذه المناطق على خفض شحناتهم من النفط انخفاضًا كبيرًا. 

يعلق نيلسون وود المدير التنفيذي لشركة وود إنيرجي (ومقرها ولاية إلينوي) قائلًا: «يجب أن نشعر بالقلق عندما نرى انخفاضًا في الطلب على النفط وتعثرًا للاقتصادات، وهذا بطبيعة الحال له تأثير مباشر في الأسعار».

صحة

منذ 7 شهور
مترجم: كيف ضللت الصين العالم في بداية انتشار فيروس كورونا؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد