بعدما كان شمال شرق سوريا مراعي خضراء تحوَّل إلى جحيم، وتستعرض المراسلة بل ترو، في تقريرها الذي نشرته صحيفة «الإندبندنت» البريطانية الأضرار التي خلَّفها التلوث النفطي حتى أضحَت المنطقة أرضًا مُقفَرة سامَّة، ناهيك عن إزهاق الأرواح وتدميره البيئة في البلاد التي مزقتها الحرب.

وفي البداية، تصف مراسلة الصحيفة البريطانية لشؤون الشرق الأوسط مشهد تشييع جنازتين معًا على طول ضفاف نهر من النفط الأسود اللامع بأنه أوضح دليل على الأثر الفتَّاك الذي خلَّفه التلوث النفطي على شمال شرق سوريا. وامتد المُشيِّعون، الذين كانوا يشعرون بدُوَار بسبب الأدخنة الخانقة، تحت خيمتين في قرية خراب أبو غالب، التي كانت تنعم بالمراعي الخضراء مثل عديد من مناطق سوريا، لكنها الآن أصبحت مغطاة باللون البني القاتم من جرَّاء تسرب النفط.

إرث 10 سنوات من الحرب

تقول المراسلة إنه في غضون أربعة أيام فحسب وقبل زيارتنا للمنطقة، تُوفي رجل عجوز وامرأة في منتصف العمر بعد معاناتهما من صعوبات في التنفس، واختناق في الصدر، وفشل كلوي. ويوضح أيمن، ابن شقيق أحد الضحايا، أن عشرة أشخاص من هذه القرية لقوا حتفهم في العام الماضي، وهو عدد كبير جدًّا، كما هلكت الثروة الحيوانية وأصبحت الأراضي الزراعية مُقفَرة، قائلًا: «لا نعرف سبب موتهم بالضبط، لكننا نعلم أنه مرتبط بهذا التلوث، الذي أضعف الرئة والجهاز المناعي لدينا، ولا يمكننا النوم ليلًا بسبب الرائحة. ونحن منزعجون من أن هذا التلوث قد يزيد من احتمالية الإصابة بكوفيد-19».

البيئة

منذ شهر
«الإندبندنت»: نصف سكان سوريا نزحوا بسبب الحرب.. ربما يتكفل الجفاف بملايين آخرين!

وأشار التقرير إلى أن قرية «خراب أبو غالب»، التي دمرها التلوث الناجم عن صناعة النفط، تقع بالقرب من حقل نفط رميلان العملاق الواقع على بعد 10 كيلومترات من «جير زيرو» المنشأة الأساسية لتخزين النفط في المنطقة. موضحًا أن هذا التلوث يُعد إحدى نتائج الحرب الدائرة منذ 10 سنوات في سوريا؛ إذ كانت المنطقة هدفًا لغارات المقاتلات والطائرات الحربية التي كانت تستهدف منشآت النفط عمدًا، مما أدَّى إلى إتلاف صهاريج التخزين وخطوط الأنابيب والآلات.

ويضيف التقرير أنه عندما سيطر تنظيم داعش على معظم المنطقة في عام 2014، جمَّعوا الأجزاء المُحطَّمة لاستخراج النفط وتمويل التنظيم. ولذلك، كانت حقول النفط ومصافِيها أهدافًا لغارات التحالف بقيادة الولايات المتحدة لسحق التنظيم. وأسفر الصراع لاحقًا عن تدمير إنتاج النفط، الذي أفاد خبراء الصناعة بأنه انخفض إلى ما يتراوح بين 20 إلى 30 ألف برميل يوميًّا، بينما كان الإنتاج قبل الحرب يُقدَّر بـ400 ألف برميل يوميًّا.

وأدَّت الأزمة الاقتصادية المستمرة والقتال المستمر وانعدام الاستثمار إلى قلة أعمال الترميم أو الصيانة للمنشآت القليلة التي لا تزال تعمل؛ مما أدَّى إلى تسريبات نفطية لا مفر منها. وأسفر تدمير مصافي النفط الرسمية وانفجار خط أنابيب يغذي مصفاة رئيسة في مدينة حمص عن ظهور الآلاف من المصافي المؤقتة، كل منها تقذف نفاياتها في باطن الأرض، والتي تشمل معادن ثقيلة، مثل الزئبق والرصاص والزرنيخ، والتي يُعرف أنها مسببة للإصابة بالسرطان. وذلك بالإضافة إلى حرق الغازات، مثل ثاني أكسيد الكبريت وأكسيد النيتروجين، وغيرها من المنتجات الثانوية لإنتاج النفط وتكريره، أو إطلاقها في الغلاف الجوي.

زيادة حالات الإصابة بالسرطان

يُنوِّه التقرير إلى أن كل هذا تفاقم بسبب الجفاف غير المسبوق الذي شهدته سوريا هذا العام، مما أدَّى إلى نقص حاد في المياه التي تخفِّف التلوث وتجرفه إلى أسفل النهر. يقول ويم زويجنينبيرج، مسؤول في منظمة باكس للسلام الهولندية، إن: «صناعة النفط هي القوة المحركة للبيئة والمضرة بها في الوقت نفسه بسبب تلوث الهواء والأرض. وقد تعقَّد الأمر أكثر مع تفشي جائحة كوفيد-19 في ظل عام غير مسبوق من الجفاف؛ إذ أدَّت التسرُّبات النفطية إلى صعوبة حصول القرى الواقعة أسفل المصب على المياه النظيفة اللازمة لمكافحة الجائحة».

Embed from Getty Images

وقد أقرَّ المسؤولون عن مصافي النفط غير الرسمية بالمشكلة التي يواجهونها للتعامل مع مشكلة التلوث عمومًا، لكنهم رفضوا التعليق على الطرق التي يستخدمونها لمعالجة الأزمة. بينما أكدَّ بعض خبراء صناعة النفط أن الجهات المسؤولة عن منشآت النفط ينقصها التمويل والموارد والدعم لمواجهة هذه المشكلة المعقدة وأنها بحاجة إلى مساعدة دولية.

وفي غضون ذلك، تُرك أهالي القرى مثل خراب أبو غالب يحترقون في أراضي مُقفَرة سامَّة. وألمح بعض سكان المنطقة إلى الجهود التي كانت تُبذل قبل الحرب الأهلية لمعالجة مشكلة التلوث النفطي الذي عصف بالمنطقة، لكن القتال بين جنود النظام ومقاتلي المعارضة أدَّى إلى تدمير مضخات متخصصة لمعالجة النفايات النفطية.

واستشهد التقرير بتحقيق أجرته منظمة باكس للسلام، والذي أفاد بأنه مع وقوع عديد من التسريبات النفطية في ظل سوء الصيانة لمنشأة جير زيرو، أدَّت هذه التسريبات إلى انفجار الأنابيب؛ مما تسبب في تلويث أكثر من 18 ألف متر مربع من الأراضي، بما في ذلك القنوات المجاورة والجداول والنهر الذي يبلغ طوله 100 ميل، والذي يمر عبر خراب أبو غالب. وأدَّى تلوث التربة والمياه والهواء معًا إلى تلف المحاصيل بأكملها، وإفساد مياه الأنهار وتسميم الهواء، وهو ما يعتقد سكان المنطقة أنه أدَّى إلى زيادة حالات الإصابة بالسرطان والتهابات الصدر وفشل الأجهزة الداخلية.

شبح الجوع يُخيف أكثر من السرطان

وفي هذا الصدد، يقول محمد حسين (67 عامًا) وتعيش أسرته بالكامل في هذه القرية، إن: «نساءَنا يشعرن بالقلق من زيادة التشوهات الخِلقية لدى الأطفال، ويعاني السكان من مشكلات في الصدر. وليس لدينا جهاز مناعة ضد أي نوع من الأمراض، وليس كورونا فحسب، بل أصبحت المياه الجوفية سامَّة الآن»، مشيرًا إلى أنها تُدمر سبل العيش لأن معظم السكان من المزارعين ومربي الماشية. وحاول ابن عمه أن يغسل 10 من أغنامه المصابة بمرض جلدي في النهر قبل بضعة أشهر، لكنهم ماتوا جميعًا في غضون ساعات من الاستحمام.

وبدوره، أكد دانيش إبراهيم طبيب الأورام من عيادته المزدحمة في القامشلي أنه: «على مدى السنوات القليلة الماضية، تضاعف عدد حالات الإصابة بالسرطان». موضحًا أنه كان ثاني اثنين من أطباء الأورام الموجودين في شمال شرق سوريا عام 2017، لكن يوجد حاليًا أربعة، ويتعامل جميعهم مع آلاف الحالات. مشيرًا إلى أن «هناك علاقة بين مصافي النفط ومخلفات النفط في الأنهار وعوادم السيارات وزيادة حالات السرطان التي تتركز في مناطق حول حقول النفط. ويؤدي هذا التلوث دورًا حاسمًا في إضعاف جهاز المناعة. ونحن قلقون من أنه قد يزيد من احتمالية إصابة السكان بكوفيد-19».

Embed from Getty Images

وأفاد التقرير -بحسب تقديرات منظمة باكس للسلام- بأنه عندما سيطر داعش على المنطقة بين عامي 2013 و2017، كان هناك نحو 30 ألفًا من المحارق على جانب الطريق والمصافي المؤقتة العاملة في جميع أنحاء شمال سوريا. ويوجد حاليًا 300 من هذه المحارق لا يزالون يعملون في هذه المنطقة، ويُصنِّعون منتجات للاستخدام المحلي. وبالإضافة إلى المواد السامَّة، يتعرض العمال لعدد هائل من المخاطر المميتة مثل انفجار براميل النفط. يقول أحمد (40 عامًا)، أب لأربعة أطفال يقف بجانب كومة من النفايات النفطية المحروقة، إن: «التضور جوعًا يخيفنا أكثر من السرطان».

الموت جوعًا أو بسبب التلوث!

وينقل التقرير عن أيمن قوله إن الجفاف والتلوث والانهيار الاقتصادي جعل الاعتماد على الزراعة أمرًا مستحيلًا، لذا فإن العمل في مصافي تكرير النفط هو السبيل الوحيد للبقاء على قيد الحياة، قائلًا إن: «ثلاثين عائلة تسترزق من إحدى هذه المصافي. وإذا توقفت عن العمل غدًا، فستموت الثلاثين عائلة من الجوع أو يتحولون إلى مجرمين. إن التفكير في الصحة من الرفاهية. وعلينا أن نفكر في البقاء على قيد الحياة».

Embed from Getty Images

ومن جانبه، أقرَّ مالك هذه المصفاة أنه يُلوث البيئة، لكنه أكدَّ أنه لا يوجد شيء آخر يمكنهم فعله. موضحًا أن «السبب الرئيس لبدء هذا العمل هو الضرورة، لأنه لم يكن هناك وقود أو محركات ديزل أو غاز للطبخ. ولا يوجد مستقبل هنا، إن مستقبلنا إما الموت جوعًا أو بسبب التلوث».

وينقل التقرير جماعات حقوقية تراقب الأزمة تأكيدها أن المستقبل هناك أكثر قتامة لأنه لا يوجد حل للصراع في سوريا. ويقول زويجنينبيرج إن الدول لن تخاطر بضخ أموالها في شمال سوريا لإصلاح البنية التحتية النفطية؛ نظرًا إلى استمرار عدم الاستقرار السياسي والتهديد بالوقوع في فخ العقوبات الأمريكية على النظام السوري. 

لكنه شدَّد على ضرورة تغيير هذا الوضع، مقترحًا أن الطريقة الوحيدة لمعالجة التلوث المنتشر والمشكلات الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة به، هي إذا توصل جميع الأطراف الفاعلة في المنطقة إلى حل سياسي يجلب الاستقرار ويفتح المنطقة للاستثمار طويل الأجل. وإذا لم يحدث ذلك، فإن ما يلوح في الأفق لا يُبشر بالخير، وليس هناك طريقة تساعد على أن تصبح المنطقة صالحة للحياة فيها من جديد.

وتختتم المراسلة تقريرها بما قاله حسين إن «بعض الناس يسألوننا لماذا لا نرحل عن المنطقة. لكن إلى أين نذهب؟ وجميع القرى الواقعة على طول هذا النهر تعاني من المشكلة نفسها»، مضيفًا: «لقد كانت هذه المنطقة خضراء وتغطيها سنابل القمح. والآن أصبحت جحيمًا».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد