كتب إيريك جونز، أستاذ الدراسات الأوروبية والاقتصاد السياسي الدولي في مدرسة جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة، مقالًا نشرته مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية، تناول الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي وتداعياتها على توحيد جهود القارة العجوز في مواجهة تفشي فيروس كورونا.

استهل جونز مقاله بالإشارة إلى إعلان البنك المركزي الأوروبي، في يوم 18 مارس (آذار) الماضي، أنه سيشتري سندات شركات أوروبية وسندات حكومية إضافية بقيمة 750 مليار يورو خلال العام الحالي، وهو ما يعني أن البنك المركزي الأوروبي سينفق ما مجموعه 1.1 تريليون يورو على سندات منطقة اليورو خلال الأشهر التسع المقبلة، وهو أقصى مبلغ أنفقه البنك على أصول في مثل هذه الفترة الزمنية القصيرة.

تدابير أوروبا الاستثنائية للتعامل مع أزمة كورونا

يوضح الكاتب أن هذه التدابير الاستثنائية، التي تهدف إلى تعويض الآثار الاقتصادية السلبية لتفشي فيروس كورونا، ترتقي إلى كونها «بازوكا نقدية» (كميات كبيرة من الأموال الحكومية للاستخدام في أوقات الأزمات)، ستزيد من المعروض النقدي الأوروبي (يطبع البنك المركزي الأوروبي يوروهات لشراء سندات)، وستضخ الأموال مباشرة للحكومات التي أصدرت السندات، وهو ما يُمكِّنها من إنقاذ الشركات المتعثرة، ودعم العمال العاطلين.

دولي

منذ شهرين
هل يشهد «عالم ما بعد كورونا» تفكك الاتحاد الأوروبي؟

في استعراض آخر للقوة، خفَّض البنك المركزي الأوروبي من القيود المفروضة ذاتيًّا على شرائه للسندات الحكومية طوال فترة الأزمة. وتعهد البنك المركزي الأوروبي في وقت سابق بألا يشتري أكثر من ثلث السندات المتاحة لأية دولة، وشراء هذه الأصول بما يتناسب مع حجم اقتصاد الدولة.

كانت هذه القواعد التنظيمية – حسبما تشير صحيفة «فاينانشيال تايمز» البريطانية – تهدف إلى ضمان ألا يشتري البنك المركزي الأوروبي الكثير من السندات للدرجة التي قد تدينه بتمويل الحكومات الوطنية مباشرة.

ويلفت المقال إلى أن أكثر الدول الأوروبية تضررًا من وباء كورونا – إيطاليا وإسبانيا، اللتين لديهما الحصيلة الأعلى من الوفيات داخل الاتحاد الأوروبي وتواجهان أقوى التقلبات الاقتصادية – من بين المستفيدين الأساسيين من السياسات الجديدة للبنك المركزي الأوروبي.

لماذا تعترض ألمانيا وهولندا على دعم إيطاليا وإسبانيا؟

يشرح الكاتب أنه من خلال شراء سندات إيطالية وإسبانية، يعطي البنك المركزي الأوروبي مدريد وروما فرصة للتركيز على صحة شعوبهما، دون القلق من حدوث انهيار اقتصادي داخلي. كما أن هذه السندات تقلل من احتمالية حدوث أزمة ديون سيادية، على غرار الأزمة التي شهدها الاتحاد الأوروبي صيف العام 2012.

لكن الخطوات الأخيرة للبنك المركزي الأوروبي أثارت غضب ألمانيا وهولندا؛ إذ يخشى زعماء البلدين من أن تشجع إجراءات البنك الحكومات على أن تنفق أموالًا أكثر من احتياجاتها، أو تتجنب إجراء تعديلات قاسية حال انتهاء الأزمة.

وافق هؤلاء الزعماء على مضض على السياسات الجديدة التي أقرها البنك المركزي الأوروبي، لكنهم يعارضون الدعوات المطالبة بمنح الحكومتين الإيطالية والإسبانية قوة اقتراض إضافية، دون بعض الضمانات بألا ينتج من الأموال الموجهة لدعم الدول المحتاجة سلوك غير سليم على الصعيد المالي.

Embed from Getty Images

جدل أوروبي حول ما يجب فعله الآن

يتابع المقال: في الفترة ما بين عامي 2012 و2015، أنشأ الزعماء الأوروبيون مجموعة من المؤسسات لتقوم بالإشراف العام على البنوك، وشركات التأمين، والأسواق المالية، كما وضعوا قواعد مشتركة توضح بالتفصيل كيف يمكن للبنوك أن تتصرف بمسؤولية، وربما الأمر الأكثر أهمية، كيف يمكن الاستيلاء على البنوك أو تصفيتها عندما تسيء التصرف.

كما أنشأ الزعماء الأوروبيون هيئة دائمة لضمان التمويل الوطني العام، عندما تفوق تكاليف الاستجابة للأزمة قدرة أية حكومة على إدارتها منفردة، أو عندما تكون محفوفة بقدر هائل من المخاطر يفوق قدرة المستثمرين الدوليين على تحمله. تُعرف هذه الهيئة بآلية الاستقرار الأوروبي، وتعد صندوقًا سياديًّا لإنقاذ منطقة اليورو، ويمكنها أن تقدم ائتمانًا احترازيًّا للحكومات التي تكون في مأزق، شريطة أن توافق هذه الحكومات على شروط الآلية.

لكن بعض صناع السياسة في منطقة اليورو كانوا يريدون الذهاب إلى ما هو أبعد من ذلك؛ إذ كانوا يعتقدون أنه ينبغي للاتحاد الأوروبي إصدار سندات مشتركة، يمكن أن تستغلها المؤسسات المالية في شتى أنحاء أوروبا؛ لتكون ضمانات احتياطية عندما تقترض بعضها من بعض، ومن البنوك المركزية.

ثمة أسباب منطقية لتشجيع روما ومدريد على تطبيق إصلاحات اقتصادية قاسية، لكن الوقت الحالي ليس الوقت المناسب لفعل ذلك.

بحسب الكاتب، يمكن أن تحل هذه السندات الأوروبية محل السندات السيادية الصادرة من بعض الدول الأعضاء، أو تضاف إليها؛ وهو ما يمنح الحكومات وسائل بديلة لجمع الأموال، وفي غضون هذه العملية تقلل الحكومات أيضًا من مخاطر التخلف عن السداد. بيدَ أن الحكومات الأوروبية الأكثر ثراءً في شمال القارة، أفشلت هذه الفكرة نسبيًّا، متعللة بمخاوف من أن تستغل الحكومات غير المسؤولة السندات الأوروبية لتستمر في الإنفاق دون قيود.

ويستمر الجدل حتى يومنا هذا حول ذلك الأمر، وحول سياسات أخرى تهدف إلى تعزيز مرونة الأسواق المالية الأوروبية، وإن كان بشكل مختلف قليلًا، فيما تواجه منطقة اليورو جائحة لا نشهد مثلها سوى مرة في القرن، وتسببت في ركود فعلي لقطاعات مختلفة من الاقتصاد العالمي.

وتبقى الخلافات متأصلة في قلب اختلافات حقيقية على المستوى الوطني؛ فبحلول نهاية العام الماضي، كانت نسبة الدين إلى الإنتاج المحلي الإجمالي في كلٍّ من ألمانيا وهولندا 59% و49% على الترتيب، في حين كانت النسبة أعلى بكثير في كلٍّ من إيطاليا وإسبانيا، إذ كانت تستقر عند نسبة 136% و97% على الترتيب.

تعكس هذه الفوارق الاختلافات في السياسات الحكومية، فمنذ العام 2014 بذلت ألمانيا وبولندا جهودًا مشتركة لتحقيق التوازن في حساباتهما القومية، وخفضتا نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 16 و17%. على العكس، خفضت إسبانيا النسبة بين الدين والناتج المحلي الإجمالي بواقع 4%، في حين خفضت إيطاليا النسبة بواقع 1%.

لا عجب إذن أن يحول المستثمرون أموالهم من إيطاليا وإسبانيا إلى ألمانيا وهولندا، في ظل كساد كهذا، أو أن يشكو وزير المالية الهولندي من أن قوة المالية العامة في بلاده كانت نتيجة للعمل الجاد، الذي كان من الحكمة أن تحاكيه دول أخرى.

لكن عندما تواجه الدول الأوروبية صدمة مشتركة – مثل فيروس كورونا الذي سيفتك بالدول الفقيرة والغنية في حال لم يُحتوَ بالشكل السليم – فعلى الاتحاد الأوروبي أن يتغاضى عن الاختلافات الوطنية، وأن يحافظ على التماسك المؤسسي.

ويؤكد الكاتب أن ثمة أسباب منطقية لتشجيع روما ومدريد على تطبيق إصلاحات اقتصادية قاسية، لكن الوقت الحالي ليس الوقت المناسب لفعل ذلك.

Embed from Getty Images

مأزق خطير

في جلسة استماع عام 2019 أمام البرلمان الأوروبي، زعمت كريستين لاجارد أن خبرتها من عملها وزيرة مالية في فرنسا، ومديرة لصندوق النقد الدولي، سوف تخدمها جيدًا، حين تكون رئيسة للبنك المركزي الأوروبي في المستقبل.

وأكدت قدرتها على التحدث إلى السياسيين على الصعيد الوطني، وجادلت بأنه في حال تعافى الأداء الاقتصادي الأوروبي بالكامل من الأزمة الأخيرة، فسيتعيَّن على وزراء المالية في منطقة اليورو تنسيق أنشطتهم مع البنك المركزي الأوروبي. ويوضح الكاتب أنه في نهاية المطاف، لن يكون الحافز النقدي فعالًا إلا إذا اقترن بتدابير مالية مناسبة.

تولت لاجارد رئاسة البنك المركزي الأوروبي نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، بموافقة من البرلمان الأوروبي، لكن جراح أزمة العام 2012 لم تندمل بعد. ونتيجة لتفشي فيروس كورونا، أصبحت رسالة لاجارد أكثر إلحاحًا. إذ ستؤدي الإجراءات التي اتخذت لمكافحة فيروس كورونا إلى انهيار الأداء الاقتصادي من خلال إبقاء العمال والمستهلكين في منازلهم.

ويرى الكاتب أن التحفيز المالي فقط يمكنه أن يعوض التأثير الناتج عن كورونا في الأسر والشركات، غير أن هذه التدابير ستجبِر حكومات منطقة اليورو على تحمل ديون هائلة.

اقتصاد الناس

منذ شهرين
«ناشيونال إنترست»: كيف ستتعامل أفقر دولة في أوروبا مع فيروس «كورونا»؟

في 24 من مارس الماضي، أوصت لاجارد وزراء المالية الأوروبيين بتوحيد قدراتهم على الاقتراض للاستجابة للأزمة. ويمكن لحكوماتهم أيضًا الاشتراك في إصدار سندات اليورو لمرة واحدة، أو ما يُطلق عليه «سندات كورونا»؛ لجمع الأموال وتوزيعها فيما بينها، دون وضع شروط على كيفية إنفاق الأموال.

يوصي الرافضون لهذه الخطة بأن تذهب إيطاليا وإسبانيا بدلًا من ذلك إلى آلية الاستقرار الأوروبية من أجل الإنقاذ المالي. ولا يفضِّل الألمان والهولنديون فكرة إصدار سندات كورونا، وفي الوقت نفسه، يرفض الإيطاليون والإسبان أن يعاملوا على أنهم مواطنون من الدرجة الثانية في ظل جائحة عالمية لا ذنب لهم فيها.

وطالما استمر هذا المأزق، سيظل البنك المركزي الأوروبي هو الجهة الوحيدة القادرة على الحفاظ على استقرار الاقتصاد الأوروبي، على حد قول الكاتب.

وربما تنجح المفوضية الأوروبية في تقديم الدعم بأموال إضافية، للتأمين ضد البطالة في إطار برنامج «SURE»، الذي أعلنته رئيسة المفوضية الأوروبية فون دير لاين، في الأول من أبريل (نيسان) الجاري. وقد يقدم بنك الاستثمار الأوروبي المزيد من الموارد للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة.

وقد توافق الحكومة الهولندية على المساهمة في صندوق خيري للمساعدة في تخفيف المعاناة في البلدان الأكثر تضررًا، كما اقترح رئيس الوزراء الهولندي مارك روتة، ردًّا على الانتقادات التي وجهت لمعارضة بلاده لفكرة سندات كورونا.

ولكن لن يكون لأي من هذه الإجراءات بمفردها أو مجتمعة، القوة المالية اللازمة لتفادي الأزمة الاقتصادية. ويحتاج الاقتصاد الأوروبي إلى جهد مالي منسق كبير بما يكفي ليكون له تأثير في الاقتصاد الكلي.

يختم الكاتب مقاله بالقول: استطاع البنك المركزي الأوروبي كسب الوقت من خلال إجراءاته الأخيرة، إلا أنه لم يحل المشكلات الاقتصادية التي تواجهها أوروبا نتيجة لفيروس كورونا.

دولي

منذ شهرين
على نار «كورونا» الهادئة... كيف تتغير سياسة إيطاليا الآن جذريًا؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد