أشار تحليلٌ جديد أجراه باحثون في جامعتي نيويورك وبرنستون إلى أنَّ كبار السن أكثر عرضة من غيرهم لمشاركة الأخبار الزائفة على موقع «فيسبوك»، حسبما ورد في تقرير نشره موقع «ذا فيرج» الأمريكي.

أوضح التقرير أنَّ كبار السن يشاركون أخبارًا زائفة أكثر من الصغار، بغض النظر عن عوامل عديدة مثل التعليم والجنس والعرق والدخل، أو كمية الروابط التي يشاركونها. إذ إنَّ التحليل خلُص إلى أنَّ العمر تنبأ بسلوكهم المتعلق بمشاركة هذه النوعية من الأخبار أكثر من السمات الأخرى، بما في ذلك الانتماء الحزبي.

كبار السن ساعدوا ترامب في فوزه بالرئاسة!

وأوضح موقع «ذا فيرج» أنَّ الجدل يُثار باستمرار حول دور الأخبار الزائفة بالتأثير في سلوك الناخبين، منذ تحقيق المرشح الجمهوري، دونالد ترامب، انتصارًا مفاجئًا على المرشحة الديمقراطية، هيلاري كلينتون، في الانتخابات الرئاسية عام 2016. فقد توصلت دراسة واحدة على الأقل إلى أنَّ الأخبار الزائفة المؤيدة لترامب أقنعت بعض الأشخاص بالتصويت لصالحه بدلًا من كلينتون؛ مما أدى إلى التأثير في نتيجة الانتخابات.

مترجم: «نحن لا نبيع بياناتك».. زوكربيرج يشرح كيف يعمل «فيسبوك» فعلًا

ووجدت دراسة أخرى أنَّ عددًا قليلًا نسبيًّا من الأشخاص ضغطوا على روابط الأخبار الزائفة، غير أنَّ عناوين هذه الأخبار شوهدت أكثر بكثير من خلال قسم «آخر الأخبار News Feed» في موقع فيسبوك؛ مما يُصعِّب تحديد العدد الحقيقي لمن اطلعوا على هذه النوعية من الأخبار. وحسب التقرير، يمكن للنتائج التي تفيد بأنَّ كبار السن أكثر عرضة لمشاركة الأخبار الزائفة أن تساعد منصات التواصل الاجتماعي ومستخدميها على تصميم تدخلات أكثر نجاعة لمنع تضليلهم.

تفحص هذه الدراسة، التي نُشرت في مجلة «ساينس أدفانسيز» العلمية، سلوك المستخدمين في الأشهر السابقة للانتخابات الرئاسية 2016، والأشهر التالية لها. بدأ الأكاديميون في وقتٍ سابق من عام 2016 في العمل مع شركة البحوث والاستطلاعات «يوجوف»؛ لتشكيل مجموعة من 3500 شخص، بين مستخدمي موقع فيسبوك ومن لا يستخدمونه.

وفي 16 نوفمبر (تشرين الثاني)، أي بعد الانتخابات مباشرةً، طلبوا من مستخدمي فيسبوك بهذه المجموعة تنصيب تطبيق أتاح لهم مشاركة بيانات تتضمن خانات المعلومات العامة بالحسابات، والآراء الدينية والسياسية، والمنشورات الموجودة على صفحة «اليوميات Timeline»، والصفحات التي يتابعونها، على أن يكون المستخدمون قادرين على السماح بمشاركة فئات محددة من البيانات، أو رفض مشاركة فئات أخرى، ولم يكن ممكن للباحثين أيضًا الوصول إلى اليوميات أو البيانات الخاصة بأصدقائهم.

أوضح الباحثون أنَّ 49% من مستخدمي فيسبوك المشاركين في الدراسة وافقوا على مشاركة بياناتهم الواردة بحساباتهم. وقارنوا بين الروابط المنشورة على صفحاتهم، وبين قائمة من المواقع التي سبق ونشرت أخبارًا زائفة، وهي قائمة جمعها الصحافي كريج سيلفرمان في موقع Buzzfeed. وبعد ذلك ذلك قارنوا تلك الروابط مع أربع قوائم أخرى للأخبار الزائفة؛ لمعرفة ما إذا كانت النتائج متناسقة.

نتائج الدراسة مدهشة

وحسبما جاء في تقرير «ذا فيرج»، توصلت الدراسة إلى أنَّ مشاركة الأخبار الزائفة كانت أمرًا نادرًا في جميع الفئات العمرية. إذ لم يشارك إلا 8.5% من المستخدمين في هذه الدراسة رابطًا واحدًا على الأقل من أحد مواقع الأخبار الزائفة الواردة في تلك القوائم.

وكان المستخدمون الذين يمكن وصفهم بالمحافظين أكثر عرضةً لمشاركة الأخبار الزائفة ممن حددوا هويتهم السياسية بالليبرالية، فقد شارك 18% من الجمهوريين أخبارًا زائفة، مقارنة بأقل من 4% من الديمقراطيين. وعزا الباحثون جانبًا كبيرًا من هذه النتائج إلى ما عرضته دراسات أخرى في 2016، أفادت بأنَّ الأخبار الزائفة ساعدت بدرجة هائلة في تعزيز الحملة الرئاسية لترامب.

بيد أنَّ التقرير أوضح أنَّ هذه النتائج انحرفت تمامًا عند تناول سلوك المستخدمين من كبار السن، إذ شارك 11% من كبار السن الذين تتجاوز أعمارهم 65 عامًا روابط لأخبار زائفة تمامًا، فيما شارك هذه الأخبار 3% فقط من المستخدمين من الفئة العمرية الواقعة بين 18 و29 عامًا.

وشارك مستخدمو فيسبوك الذين لا تقل أعمارهم عن 65 عامًا ضعف كمية الأخبار الزائفة التي شاركتها الفئة العمرية الأقل، التي تقع أعمارها بين 45 و65 عامًا، وما يقرب من سبعة أضعاف مقالات الأخبار الزائفة التي شاركتها الفئة العمرية الأصغر، التي تقع أعمارها بين 18 و29 عامًا.

وفي تصريحاتٍ لموقع «ذا فيرج»، قال أندرو جيس، أستاذ العلوم السياسية بجامعة برينستون والمشارك في إعداد الدراسة: «عندما نتحدث عن النتائج العمرية، سوف يقول كثيرون: يا إلهي، إنَّ ذلك واضح. ما أدهشني حقًّا أنَّ هذه العلاقة تستمر عند استبعاد عامل الانتماء الحزبي، أو الأيديولوجية. فالحقيقة التي تشير إلى أنَّها لا تعتمد على أي من هذه السمات الأخرى تبدو مفاجئةً جدًا بالنسبة لي. فليست (النتيجة) نابعة فقط من كون الأشخاص الأكبر سنًّا أكثر تحفظًا».

لماذا يتصرف كبار السن على هذا النحو؟

أوضح التقرير أنَّ الدراسة لم تتوصل إلى نتيجة حول السبب الذي يجعل الأكبر سنًّا أكثر عرضة لمشاركة الأخبار الخادعة، غير أنَّ الباحثين يشيرون إلى نظريتين: الأولى أنَّ كبار السن الذين بدأوا في استخدام الإنترنت متأخرًا يفتقدون إلى المهارات المعرفية الرقمية، مقارنةً بنظرائهم الأصغر. فيما تشير الثانية إلى أنَّ الأشخاص يعانون من تدهور الإدراك مع تقدمهم في السن، مما يجعلهم أكثر عرضة للانخداع أمام هذا النوع من المقالات.

«نيويورك تايمز»: هل حقًّا يمكنك أن تثق في معلومات «جوجل» الطبية؟

كان كبار السن من الأمريكيين معرضين أيضًا للوقوع في شباك عديدٍ من طرق الاحتيال عبر شبكة الإنترنت، لدرجة أنَّ مكتب التحقيقات الفيدرالي كرس لها صفحةً على موقعه. وسلط موقع «ذا فيرج» الضوء على أنَّ الحاجة إلى نهجٍ شامل للحد من انتشار الأخبار الزائفة سيكون أكثر نجاعة من محاولة التعرض لجانبٍ واحد من المشكلة.

تجدر الإشارة إلى أنَّه بغض النظر عن عامل السن، أُلقي اللوم سابقًا في وجود هذه الفجوة المعرفية الرقمية على رغبة المستخدمين لمشاركة الأخبار الخادعة. إذ ذكر «ذا فيرج» أنَّ العام الماضي شهد بدء تطوير برنامج لتعزيز المعرفة الرقمية في الهند، حيثُ لا يزال كثيرٌ من المستخدمين في البلاد البالغ عددهم 200 مليون حديثي عهدٍ بالإنترنت؛ وذلك بعد سلسلة من حوادث الاغتيال التي تسببت فيها الرسائل الزائفة المنتشرة على التطبيق. ويستهدف ذلك البرنامج المستخدمين من جميع الفئات العمرية.

يأمل جيس وزملاؤه الذين أسهموا في الدراسة أن يختبروا كلتا الفرضيتين. لكنَّها لن تكون بالمهمة السهلة، فلم تظهر بعد إجابة عن كيفية تحديد ما إذا كان شخصٌ ما لديه معرفة رقمية أم لا. إذ يشير التقرير إلى أنَّه من الواضح على الأقل أن بعض جوانب القضية تتأثر بتصميم موقع فيسبوك؛ فجانب من سبب سرعة انتشار الأخبار الزائفة على موقع فيسبوك يعود إلى أنَّ مقالات الأخبار في العموم تبدو متشابهةً في قسم «آخر الأخبار News Feed»، سواء كان من نشرها موقع صحيفة «نيويورك تايمز»، أو أنَّها مجرد صفحة تمتلئ بالعناوين الخاطفة للانتباه.

ويرى التقرير أنَّ الأبحاث المستقبلية قد تتمكن من فهم الخوارزمية المتعلقة بالروابط التي يراها الأشخاص في قسم «آخر الأخبار»، وما إذا كانت هناك علاقة بين مشاهدة مقالات الأخبار الزائفة، ومشاركتها. ويعتقد الباحثون أنَّ المستخدمين ربما يكونون أكثر عرضة لمشاركة الأخبار الزائفة إذا شاركها قبلهم صديقٌ موثوق.

تنبؤات 2019 في الإعلام: حاسوب يكتب ألفي قصة في ثانية والحديث مع الآلات سيزيد

حلول تقنية للحد من مشاركة الشائعات على مواقع التواصل

وفي حديثه إلى موقع «ذا فيرج»، قال ماثيو جينتزكو، الذي كان يبحث في جهود فيسبوك للحد من انتشار الأخبار الزائفة: إنَّ النتائج التي توصلت إليها الدراسة الجديدة يمكن أن تساعد منصات التكنولوجيا على تصميم مزيدٍ من الأدوات الفعالة. ويُذكر أن جينتزكو لم يشارك في دراسة جامعتي نيويورك وبرنستون.

وأوضح جينتزكو، وهو باحث كبير في معهد ستانفورد لبحوث السياسات الاقتصادية: «تساعد النتيجة المتعلقة بالعمر في هذا البحث مباشرةً على تضييق نطاق الحلول التي يحتمل أن تكون أكثر نجاعة. إذا كانت المشكلة متركزة في مجموعةٍ صغيرة نسبيًّا من الأشخاص، فإنَّ التفكير بشأن التدخلات التي يمكن أن تكون أكثر نجاعة من أجل هؤلاء الأشخاص؛ سوف تذهب بنا إلى أبعد من ذلك».

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد