قالت أنيل شيلين في مقال لها في مجلة «فورين بوليسي» إن العديد من المراقبين أثنوا على الانتقال السلس للسلطة في عمان بعد وفاة السلطان قابوس في 10 يناير (كانون الثاني)، واختيار هيثم بن طارق خلفًا له؛ وذلك لأن قابوس لم يسمِّ خليفة له في العلن، فاختارت العائلة المالكة أن تفتح المظروف المغلق الذي يضم اسم خليفته، بدلًا من أن تختار هي خليفته.

كان قابوس قد أوصى باختيار ابن عمه هيثم بن طارق، بخلفيته في وزارة الخارجية ومؤخرًا وزيرًا للتراث والثقافة، مفضلًا إياه على أخويه أسعد وشهاب – كلاهما عسكريان – مما يدل على رغبته في إدامة دور عُمان في دعم الدبلوماسية في المنطقة.

ومع ذلك – تستدرك شيلين – ما تزال عُمان عرضة لمخاطر خارجية وداخلية؛ إذ تسعى كل من السعودية والإمارات إلى توسيع نفوذهما الإقليمي. وتفتقر المشكلات المحلية – بما في ذلك ارتفاع معدلات البطالة والعجز في الميزانية وتراجع احتياطيات النفط – إلى حلول واضحة المعالم. ويواجه السلطان هيثم تحديات متعددة بخلاف التدخل الأجنبي، إلا أن جيران السلطنة قد يعدون وفاة قابوس فرصة فريدة لتعزيز أجنداتهم التوسعية.

عربي

منذ 8 شهور
«نيويورك تايمز»: حياة السلطان قابوس.. من الإقامة الجبرية إلى السلطة المطلقة

السير على حبل رفيع

على مدى عقود، اتخذ السلطان قابوس سياسة محايدة، مما سمح للسلطنة بلعب دور الوسيط في النزاعات الإقليمية. تعرض هذا الموقف للاختبار مع اشتداد التنافس بين إيران والسعودية في أعقاب الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، الذي قضى على العراق منافسًا إقليميًّا لإيران وأشعل التنافس الجيوسياسي والطائفي.

من وجهة نظر السعودية – تشير شيلين – فإن التعاون مع إيران يشكل تحديًا لمصالح دول الخليج العربي، وكان شعور الإمارات والسعودية بقرب قطر من إيران السبب وراء قرار حصار قطر في عام 2017. (تحدت عمان الحظر من خلال السماح للرحلات الجوية القطرية والشحن البحري بالعبور داخل مسقط وخارجها وكذلك الموانئ العمانية).

قاومت عمان محاولات المملكة استخدام مجلس التعاون الخليجي أداةً لخدمة أجندة السياسة الخارجية للسعوديين، وعلى الأخص عندما رفض وزير الدولة العماني للشؤون الخارجية علنًا خطة الملك عبد الله تحويل مجلس التعاون الخليجي إلى اتحاد خليجي في عام 2013، وكانت الدولة الخليجية الوحيدة التي لم تشارك في الحرب على الحوثيين في اليمن.

وبسبب سياسة السلطنة الحيادية وتاريخها في الوساطة – تضيف شيلين – طلبت إدارة أوباما مساعدة قابوس في ترتيب اجتماعات سرية مع إيران في 2012– 2013، والتي أدت في النهاية إلى الصفقة النووية الإيرانية.

في المقابل، وصل السلطان هيثم إلى السلطة في وقت أشارت فيه إدارة ترامب مرارًا وتكرارًا إلى دعمها للمملكة العربية السعودية وكراهيتها إيران. وكان التمثيل الأمريكي المنخفض – الذي أُعلن متأخرًا – في الاحتفال الرسمي بتكريم السلطان قابوس قد فُسر على نطاق واسع على أنه إساءة إلى العمانيين.

السلطان قابوس

يأمل القادة السعوديون في أن يكون السلطان هيثم أكثر استعدادًا لخليج تقوده الرياض، وبدون الدعم الأمريكي، قد تضطر عمان للرضوخ أو مواجهة تداعيات محتملة. عبر المسؤولون العمانيون عن قلقهم من احتمال أن تكون عُمان الهدف التالي للحصار الذي تقوده السعودية والإمارات، ولكن على عكس قطر، تفتقر عمان إلى الموارد المالية اللازمة للصمود أمام مثل هذا الحصار.

أظهرت السعودية بالفعل استعدادها لمتابعة أهدافها الجيوستراتيجية – تشدد شيلين – بغض النظر عن الآثار المترتبة عليها. فرغم تفجيرها الكارثة الإنسانية في اليمن، استخدمت المملكة وجودها العسكري هناك لإعلان اعتزامها بناء خط أنابيب عبر منطقة المهرة وميناء للنفط على الساحل اليمني. تشحن المملكة حاليًا النفط عبر مضيق هرمز ومضيق باب المندب، في حين أن خط الأنابيب المقترح سيسمح بالوصول المباشر إلى المحيط الهندي.

تتمتع المهرة بصلات وثيقة مع منطقة ظفار العمانية المجاورة، وتعدها مسقط منطقة عازلة عن الاضطرابات في اليمن. قدم السلطان قابوس المساعدات بالإضافة إلى الجنسية لسكان المهرة لتكون وسيلةً للقضاء على احتمال نشوب صراع آخر يشبه حرب ظفار في 1963– 1976، التي تلقى فيها المتمردون الدعم عبر الحدود من جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية. جاء قابوس إلى السلطة في منتصف تلك الحرب، وبعد هزيمة المتمردين بمساعدة إيرانية وبريطانية، شدد على التنمية الاقتصادية لتكون وسيلة لمنع الصراع في المستقبل وكسب ولاء الأعداء السابقين.

أطماع دول الجوار

وعلى الرغم من أن السعودية دخلت المهرة في عام 2017، فإن الإمارات وصلت قبلها في عام 2015، بعد الأعمال العسكرية ضد اليمن. عبر سكان المهرة عن إحباطهم من وجود كل من السعوديين والإماراتيين، بالنظر إلى أن الأعداء المزعومين – الحوثيون والقاعدة في شبه الجزيرة العربية – غير موجودين في المهرة. احتُجز يحيى السويري، المؤلف اليمني لتقرير عن الأنشطة السعودية والإماراتية في المنطقة، في يوليو (تموز) 2019، وما يزال مكانه مجهولًا.

تصر الرياض على أن الحوثيين يمثلون تهديدًا كبيرًا ولا يمكنهم إنهاء الأعمال القتالية ضد اليمن حتى يجري كبح جماحهم. على النقيض من ذلك – تقول شيلين – تشكل تصرفات الإمارات في اليمن حربًا اختيارية ووسيلة لتوسيع نفوذها في المنطقة. سيطرت الإمارات على جزيرة سقطرى اليمنية، إذ أسست قاعدة عسكرية في نظام بيئي فريد من نوعه تحميه اليونسكو. وتبني الإمارات أيضًا قواعد في إريتريا وجمهورية أرض الصومال في جزء من خطة لتطوير سلسلة من الموانئ لتجنب الضغط المحتمل من إيران في الخليج.

تمتد الطموحات الإماراتية الأخرى لتشمل شبه جزيرة مسندم، وهي جيب عماني يشكل أضيق نقطة في مضيق هرمز. يتمتع سكان شبه الجزيرة بعلاقات وثيقة مع أبو ظبي، إذ تتصل مسندم جغرافيًّا بإمارة رأس الخيمة والفجيرة، وليس بسلطنة عمان. وتعكس سيطرة سلطنة عمان عليها تاريخ السلطنة، عندما كانت إمبراطورية امتدت أراضيها من جنوب باكستان إلى زنجبار.

إن مخططات الإمارات لمسندم ليست سرية. في الواقع – تقول شيلين – تنعكس الطموحات الإماراتية تجاه شبه الجزيرة في خريطة في متحف اللوفر أبو ظبي، الذي يصور مسندم جزءًا من دولة الإمارات العربية المتحدة. جرى ترسيم الحدود بين عمان والإمارات العربية المتحدة رسميًّا في عام 2008، لكن العمانيين يتوجسون من النشاط الإماراتي أو خططهم المحتملة لمسندم والمهرة وسقطرى.

شبه جزيرة مسندم في عمان.

تعززت المخاوف العمانية بشأن النوايا الإماراتية في عام 2011 من خلال اعتقال عضو كبير في جهاز الأمن الداخلي العماني، الذي كان جزءًا من خلية تجسس تستخدمها أبو ظبي. وقد أدى اعتقال خلية تجسس أخرى في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018 إلى زيادة شعور العمانيين بالخطر.

في الشهر نفسه، أصدر السلطان قابوس مرسومًا ملكيًّا بمنع المواطنين غير العمانيين من امتلاك الأراضي في المناطق الحدودية الاستراتيجية في عُمان، بما في ذلك مسندم وظفار، ردًّا على شراء الإماراتيين لبعض الأراضي. في ديسمبر (كانون الأول) 2019، بينما كان قابوس يعالج في بلجيكا قبل وفاته بمدة وجيزة، أجرى ولي العهد الإماراتي محمد بن زايد بزيارة مفاجئة إلى مسقط.

وترى الكاتبة أنه مع رحيل قابوس، قد تشعر الإمارات العربية المتحدة أن السلطان العماني الجديد أكثر تقبلًا للتوافق مع الأهداف الإماراتية من سلفه. على تويتر، احتفل الإماراتيون بتتويج السلطان هيثم، بنشر صور له في الإمارات العربية المتحدة. وتضمَّن نشاط هيثم بصفته رجل أعمال الشراكة مع الإمارات، مما يميزه عن قابوس المنعزل.

إن احتياطيات عمان النفطية محدودة مقارنة باحتياطيات جيرانها الأثرياء – تؤكد شيلين – وقد فشلت السلطنة في تنويع اقتصادها بشكل كبير. ويتطلب استخراج النفط المتبقي بالفعل وسائل متطورة ومكلفة. وكما هو الحال في العديد من الاقتصادات المعتمدة على النفط، فإن البطالة مرتفعة، خاصة بين الشباب. وطوال فترة حكمه، استخدم السلطان قابوس احتياطيات النفط في سلطنة عمان لتوفير البنية التحتية والخدمات الاجتماعية للسكان الذين يعانون من فقر مدقع، لكن سنوات الرخاء شجعت الفساد والتبذير.

خلال الانتفاضة الشعبية عام 2011، التي دفعت الآلاف من العمانيين إلى الشارع لأول مرة، استخدمت الحكومة احتياطاتها المالية لدفع ثمن توسع هائل في الرواتب الحكومية. في مقابلة أجرتها عام 2015، تقول شيلين إن أحد المسؤولين الحكوميين العمانيين أخبرها أن بعض المكاتب الحكومية لديها ثلاثة موظفين لتلبية طلبات المحتاجين للعمل. وأوضح المسؤول أنه في حالة حدوث انتفاضة شعبية كبيرة أخرى، فلن يكون لدى الحكومة أموال متبقية لتلبية احتياجات المواطنين، لأنها تعاني بالفعل من عجز هائل. في الواقع، لا توجد موارد لتمويل عملية التحول بعيدًا عن النفط، كما أن انخفاض سعر النفط يعوق جهود الحكومة للوفاء بالتزاماتها.

يرث السلطان هيثم سيناريو محل إشكالية، ويزيد من تعقيده طموحات جيران عمان. على الرغم من أن إدارة ترامب قد أبدت القليل من الاهتمام بالسلطنة، فإن وجود إشارة واضحة لدعم عمان من شأنه أن يقلل من احتمالات زعزعة الاستقرار التي تشكلها الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية. فمن شأن التوغل الإقليمي أو الانتفاضة الداخلية أن يجلب اضطرابات إضافية إلى منطقة مضطربة، مما قد يجذب إيران ويعقد الجهود الأمريكية للانسحاب من الشرق الأوسط. وبالنسبة لإدارة تدعي أنها تسعى إلى إنهاء حرب لا نهاية لها في المنطقة، فهذا سيناريو ينبغي لواشنطن أن تتجنبه.

دولي

منذ 8 شهور
قابوس يحكم حتى بعد وفاته.. لماذا لن تتأثر عُمان بالسلطان الجديد؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد