ربما تخلو محاكمة عمر البشير من تهمٍ خطيرة يستحق أن توجه إليه، إلا أن الانتفاضة السودانية أطلقت العنان لطاقة سياسية هائلة، لم تستطع التحديات المتوالية أن تبددها حتى الآن؛ بحسب ما كتبت نسرين مالك في مقال نشرته صحيفة الجارديان البريطانية.

استهلت نسرين مقالها بالإشادة بالثورة السودانية الفتيّة، التي أطاحت بالرئيس السوداني عمر البشير في 11 أبريل (نيسان) بعد ما يقرب من 30 عامًا في الحكم، وألحقت به نائبه الأول، أحمد عوض بن عوف، بعد 24 ساعة فقط.

حتى يوم 3 يونيو (حزيران)، الذي سالت فيه دماء المتظاهرين المسالمين فجرًا على أيدي قوات الجيش وميليشيا الجنجويد، لم يكن كافيًا لوقف الثورة، ولا كسر تصميمها على تشكيل حكومة مدنية. صحيحٌ أن تذكر المذبحة يستدعي الحزن، لكن صمود الثورة حتى اللحظة يحيي الأمل، حسبما يشير المقال ضمنيًا.

عند هذه النقطة، وجد قادة الاحتجاج أنفسهم أمام خيارين: إما مواصلة حرب الاستنزاف ضد حكومة مبرمجة على القتل أولًا، ثم لوم الضحية في وقت لاحق، وإما وقف سفك الدماء، والتوقيع على اتفاق، ثم الصلاة من أجل إقناع الجيش بتسليم السلطة ببطء، وكأنه طفل عنيد يتمسك بلعبة. واختار المتظاهرون الخيار الثاني.

كل هذه الأحداث تصلح لتكون ذكريات سنوية، يحييها السودانيون حسبما تشير الكاتبة، مثلها مثل محاكمة البشير التي من المقرر انعقادها بموازاة توقيع اتفاق بين المجلس العسكري الانتقالي والقادة المدنيين بحضور شخصيات أجنبية.

Embed from Getty Images

ويعزو المقال تواضع التغطية الإعلامية التي تنالها محاكمة البشير إلى ما وقع خلال الأشهر الماضية الحافلة بالأحداث، والتي اتضح خلالها أن الإطاحة بالبشير لم تكن سوى البداية. في ذلك الوقت، بدت الإطاحة بالبشير وكأنها ستؤدي إلى تداعيات هائلة، لكنها بالكاد أثّرت في المجمع الأمني-العسكري المحيط بالرئيس السابق.

وأضافت: عندما أذيعت أخبار الإطاحة بالرئيس، لم يتوقع كثيرون أن وجود البشير في السجن ومثوله للمحاكمة سيُختزلان إلى مجرد سطرٍ في حاشية كتاب الثورة. لكن مرة أخرى، تبين أن البشير لم يذهب حقيقةً، بل استُبدِل فقط، وحل مكانه من كانوا يقفون في الظل خلفه، وهم يرتدون الآن ثوب المجلس العسكري.

محاكمة البشير غير المبشرة

حُقَّ للسوادنيين أن يشعروا بالاستياء من هذا الوضع؛ ذلك أن سجن البشير ليس تدبيرًا عقابيًا بقدر ما هو وسيلة لحفظ ماء الوجه، على حد وصف نسرين مالك التي تستشهد بعدم وجود صور للبشير كتلك التي تُظهِر مبارك وأبناءه خلف القضبان، بل يظهر في صورته الوحيدة حليق الوجه أنيق الملبس محاطًا بحراس الأمن وأفراد الحاشية مسرعي الخطا.

ويشير المقال أيضًا إلى إطلاق سراح البشير عندما توفيت والدته لحضور جنازتها. وكان الموكب الذي رافقه حينها ينافس مواكبه عندما كان في السلطة بل ويفوقها. أما التهم التي يواجهها فمجرد لفتة روتينية إلى أن محاكمةً تجري هنا.

وتضيف الكاتبة مستهجنة: «بعد 30 عامًا من المذابح العرقية، والتعذيب والإعدام خارج نطاق القضاء، وُجهت إلى البشير تهمة واحدة بالفساد على أساس حفنة نقود عثر عليها في منزله عندما اعتقل».

سقوط «حليف الجميع».. قوى عربية ودولية تضررت من الإطاحة بالبشير

لم تكن هذه محاولة ذكية لاصطياد البشير بموجب الإجراءات الفنية، على غرار الأسلوب الذي اتبعته مصلحة الضرائب مع آل كابوني، بل امتداد للعفو عنه، كما تقول نسرين مالك.

وترى الكاتبة أن محاكمة البشير على هذا النحو لا تبشر بخير، معيدة للأذهان المفارقة الكامنة وراء تبرئة حسني مبارك في مصر من جميع التهم الموجهة إليه، في حين لقي خليفته المنتخب ديمقراطيًا، محمد مرسي، حتفه نتيجة سوء المعاملة في حبسه الانفرادي.

استراحة «الثورة»

تقر نسرين بصحة أن ظلال الربيع العربي تلوح في الأفق، لكنها تستدرك بأنه عندما تترسخ أقدام الأنظمة على هذا النحو، وعندما يكتمل الاستيلاء على الدولة، لا توجد نتيجة واضحة وسريعة، حتى كلمة الثورة ذاتها قد لا تنطبق على الوضع القائم، والاحتمال الأكثر ترجيحًا هو تآكل تدريجي تعقُبُه إعادة بناء.

وتضيف أنه على الرغم من أن الأرواح التي فاضت إلى بارئها تطارد الاتفاق بين المدنيين والمجلس العسكري، هناك بالفعل شعور بأن نوافذ التغيير السياسي بدأت تُشرَع، حتى لو كانت البوابة الرئيسية للقصر الرئاسي لا تزال مغلقة في الوقت الحالي.

وقبل إقالة البشير، لم تكن هناك تقريبًا السياسة على هذا النحو، لكن بعد ذلك، وعلى الرغم من أن موقع الاعتصام قد احترق، لم تتبدد تلك الطاقة، بل انتشرت فقط عبر حركة في الشوارع أثبتت قدرتها على التجميع وإعادة التجميع بالتواصل الشفوي المباشر حتى لو كانت شبكة الإنترنت مقطوعة.

يمكن العثور على هذه الطاقة في قلب الأحياء السكنية، حيث يسحب أثاث المنزل غير المتطابق إلى الشارع، وتنصب المنصات المؤقتة، وتركب أجهزة الصوت، كي يتمكن الناشطون من التحدث.

Embed from Getty Images

ويمكن العثور علي هذه الطاقة أيضًا على شبكة الإنترنت، حيث يُنعى شهداء الاحتجاجات، ويمكن العثور عليها عند الأفراد الذين يهتفون «مدنية»، محافظين على مطلب تشكيل حكومة الشعب، في وجوه القادة العسكريين وحراس أمنهم، بينما يشقون طريقهم في أنحاء الخرطوم.

ويخلُص مقال الجارديان إلى أن الحكومة العسكرية أمامها الآن خياران فقط: إما السير في المسار المصري والحكم بطريقة وحشية مطلقة، والنوم بعين واحدة وإبقاء الأخرى مفتوحة طوال الوقت في دولة بوليسية، تطاردها لعنة انعدام الأمن، وإما التوصل لحل وسط.

عندما كان البشير في السلطة، وكلما قُبِض على أحد وزرائه متلبسًا بالإهمال أو الفساد ووجد نفسه مضطرًا إلى الاستقالة، كان مولعًا بتذكير الناس دائمًا بحقيقة أن حاشيته لن تواجه أي عقاب حقيقي؛ فكان يصف الاستقالات بأنها «راحة مجاهِد»، ثم يعيد تعيين الوزراء ببساطة ليمارسوا فسادهم في موقع آخر.

الخبر الجيد الذي تختم به نسرين مالك مقالها أنه يمكن قول الشيء ذاته عن الانتفاضة السودانية: إنها تستريح حتى تستدعى مرة أخرى. لقد تغيرت هتافات الثورة من «السقوط فقط» إلى «شهداؤنا لم يموتوا، بل يعيشون مع الثوار».

لماذا نجح الوسيط الإثيوبي فيما فشلت فيه القاهرة وجوبا؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد