من هو الضابط هانس أوستر؟ لماذا أراد ضابط المخابرات هذا وضع حدٍّ لحكم هتلر؟ وهل وجد أحدًا يساعده في الدولة النازية؟ القصة الكاملة يوردها الكاتب «بروك سي ستودارد» في مجلة «ناشيونال إنترست»، فهل وفّق هذا الضابط في مساعيه؟ وكيف خاطر بحياته مراتٍ عدّة؟

هتلر يغزو

نصر يتلوه نصر كُتِبَ في سجلّ أدولف هتلر أواخر الثلاثينات: إعادة تسليح راينلاند عام 1936، ودمج النمسا في الرايخ عام 1938، والاستحواذ على سوديتينلاند من تشيكوسلوفاكيا عام 1938، تبِعه السيطرة على أغلب الجزء المتبقي من تشيكوسلوفاكيا بعد ستة أشهر، ومن ثم غزو بولندا في سبتمبر (أيلول) 1939. وضعت هذه النجاحات المذهلة هتلر في موضع تبجيل في عيون الملايين من الألمان، وأجبرت جنرالات الجيش الألماني على التواضع، خصوصًا مع اعتقاد عددٍ منهم سابقًا أن طيش هتلر وجبروته سيجلبان هزيمة عسكرية ساحقة إلى ألمانيا.

بعد وقتٍ قصير من الانتصار في بولندا، ظن بعض جنرالات الجيش أن هتلر أصبح الآن راضيًا عن نطاق سيطرته واستحواذاته الإقليمية، ولا بدّ أنه سيقبل بنوعٍ من تسوية الخلافات مع بريطانيا وفرنسا (حلفاء بولندا المتأخرين). استدعى الفوهرر نخبة من كبار القادة؛ ظنّ عدد لا يُستهان به منهم أنه استدعاء لأجل التسريح، لكن ولصدمتِهم أخبرهم هتلر أنه مصمم على شن هجومٍ ضد فرنسا وبريطانيا، وبأسرعِ وقتٍ ممكن.

فيديو مفرط في التبسيط لمرحلة ما قبل الحرب العالمية الثانية، وتحرّكات هتلر العسكرية.

«تايم»: هل كان هتلر عدوًا للمرأة؟ أحد رجاله المقربين يتحدث عن موقفه من النساء

المعارضة الألمانية للحكم النازي

لم تكن ألمانيا خالية من المعارضة تمامًا آنذاك، كان من بين المعارضين بعض جنرالات الجيش، وفقًا للكاتب –بما في ذلك القائد الأعلى للجيش فالتر فون براوخيتش، ورئيس الأركان العامة للجيش فرانز هالدر- بالإضافة إلى رجالٍ بمراتب أقل في المخابرات العسكرية، فضلًا عن المدنيين والسياسيين. بعضهم كان معارضًا قديمًا للحكم النازي على ألمانيا، والبعض الآخر أصبح معارضًا لاحقًا. تآمروا لإطاحة القيادة النازية، ولا سيما حينما تطورت قضية سوديتينلاند (السوديت) إلى أزمة. فقد اعتقدوا أن أفضل فرصة لهم لإطاحة القادة النازيين انبثقت مع إلقاء النازيين بألمانيا إلى حرب أوروبية عامة.

لم يكتفِ هتلر بما حققه من انتصارات عسكرية من قبل، ولم تردعه احتمالية حدوث حرب أوروبية

كان هتلر مستعدًا للمخاطرة باحتمالية حدوث هذه الحرب من خلال غزو تشيكوسلوفاكيا عبر السوديت، فما كان على المتآمرين إلا أن يتربّصوا اللحظة المناسبة؛ إذ بدا هتلر مجنونًا كفاية ليفعل ذلك. لكن باللحظة الحرجة تلك افتعل نيڤيل تشامبرلين مهادنةً استرضاءً لهتلر عبر منح السوديت لألمانيا. وبذلك انهارت المؤامرة.

أتاحت الاستعدادات لغزو بولندا فرصةً أخرى للتمرد، لكن الانقلاب لم يفلح أبدًا، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى اعتقاد الجنرالات بأن الحرب ضد بولندا ستكون وجيزة ومحدودة.

Embed from Getty Images

هتلر يتفقد حصنًا خرسانيًّا أثناء زيارته سوديتينلاند (السوديت) في تشيكوسلوفاكيا السابقة.

الكولونيل هانس أوستر

ظهرت فرصةٌ أخرى فجأة، إذ ساد اعتقادٌ لدى بعض كبار جنرالات الجيش أن الهجوم على الغرب (أي ضد فرنسا وبريطانيا، على الرغم من احتماليةّ أن يمتدّ إلى هولندا وبلجيكا) لن ينتهي إلا بهزيمةٍ ساحقةٍ لبلدهم. يذكر الكاتب أنه في البداية الكولونيل هانس أوستر من «أبفير» (الاستخبارات العسكرية للقوات المسلحة) تفحّص حال الجنرالات الذين اعتبرهم مائلين للتمرّد، لكنه لم يجد أكثرَ من دعمٍ فاترٍ في أحسن الأحوال.

بخلافِ الفرصة التي سنحت أثناء أزمة السوديت، لم تعد القوات الألمانية الرئيسية في برلين حيث يمكن استغلالها في الانقلاب، بل أصبحت في مناطق المعارك القائمة والمحتملة على حدّ سواء. علاوة على ذلك، أصبحت ألمانيا الآن في حالة حرب ويقع على عاتق الجنرال –وكل جنديّ- واجب خدمة بلاده، بغض النظر عن مدى سوء القيادة المدنية.

لم ييأس أوستر رغم كل شيء. فقد استشعرَ أنه في حالةِ التقدم نحو غزو الغرب –ما يُدعى بالعملية الصفراء- والتسبب في كارثة لألمانيا، سيرحّب الرجال العسكريون بالانقلاب وكذلك الشعب الألماني؛ ما يؤدي إلى إلقاء النازيين خارج السلطة. يمكن بعدها أن تتفاوض الحكومة الألمانية الجديدة مع أعداء البلد، وتتجنب حربًا كارثية. في رأي أوستر، الطريقة المثلى لإفشال الغزو النازي تتمثل في إعطاء خطط الغزو للحلفاء الغربيين.

كان هانس أوستر من أهم أقطاب المعارضة الألمانية، سرّب خطط الغزو للحلفاء الغربيين، واشترك بمؤامرةٍ لإحداث انقلاب.

تغيّر في الميل والأفكار

كره أوستر النظام النازي منذ أمدٍ بعيد. يورد الكاتب مسيرة هانس أوستر المهنية، إذ كان ضابطًا في الجيش، وابن قسيسٍ ساكسوني، من مواليد عام 1887. تقلّد وسام «الصليب الحديدي» من الدرجة الأولى والثانية خلال الحرب العالمية الأولى، حين كان يخدم في الوحدة المدفعية للجيش (يمنح هذا الوسام لأعمال الشجاعة والمناورات العسكرية في مواجهة العدو)، بالإضافة إلى وسام صليب الفرسان المرصّع بالسيوف. انضم إلى هيئة الأركان العامة الإمبراطورية في 1917، ومثل الكثير من طبقة الضباط، نكبته الهزيمة الألمانية عام 1918 معتبرًا إياها غير مبررة.

عدّ أوستر جمهورية فايمار (الجمهورية الناشئة في ألمانيا بعد الهزيمة تلك) ضعيفةً وآيلة للانحطاط، لكن مع استمرارِه ضابطًا في الجيش المخفّض كثيرًا بعد الهدنة، قد خدمه بإخلاص. يُقال إن أوستر رحّب بدايةً بالحكومة النازية لاستئنافها بعض مبادئ الحكم الإمبراطوري القديم، وإعادتها الجيش وألمانيا موضعَ فخرٍ من جديد. في وقته الخاص، كان أوستر يحب ركوب الخيل وعزف التشيلو (من الملفت للنظر أن عددًا لا يُستهان به من المقاومين للنازية كانوا موهوبين موسيقيًّا).

في عام 1933، قبل أوستر وظيفة في «أبفير». في عام 1934، انقلب ضد النازيين عندما قتلت قوات إس إس النازية الخاصة صديقه الحميم ورئيس أبفير السابق اللواء «فرديناند فون بغيدو» أثناء حملة التطهير ضد المنظمة المناوئة للبوليس النازي. في السنوات اللاحقة، ساعد أوستر على التجنيد بهدف إحداث انقلابٍ عسكري تحت قيادة الجنرال «لودفيغ بيك» رئيس هيئة الأركان العامة للجيش حتى استقالته في عام 1938، ليتحول منصبة إلى هالدر.

Embed from Getty Images

قتل البوليس النازي صديق أوستر الحميم ورئيس أبفير السابق اللواء فرديناند فون بغيدو.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد