التنافس بين أمريكا وإيران لمساعدة الحكومة العراقية لهزيمة تنظيم الدولة الإسلامية يصب بالتأكيد في مصلحة العراق.


في الوقت الذي يستحوذ فيه المشهد في سوريا على نصيب الأسد من المتابعة على مستوى العالم، وبعد أشهر من هدوء المعارك في العراق؛ يبدو أن العراق ستعود للصورة من جديد مع اشتعال الحرب ضد الدولة الإسلامية من جديد. في السابع من أكتوبر الماضي، بدأ كل من الجيش العراقي والشرطة المحلية ومقاتلون من قبائل داعمة، بالإضافة إلى دعم التحالف والهجوم الجوي العراقي؛ قاموا بمحاولة جادة لتطويق مدينة الرمادي – المدينة ذات الأغلبية السنية الواقعة غرب بغداد – في محاولة لاستعادتها بعدما سيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية منذ مايو الماضي. وكما أعلنت الإيكونوميست من قبل، فإن محاولة استعادة المدينة هذه المرة تبدو في اليد، مع قوة قوامها 10 آلاف مقاتل عراقي تهدف للسيطرة على جسر البو فراج الذي يعد مفتاحًا رئيسيًا لدخول المدينة، أمام 1000 مقاتل فقط من داعش وهم كل منْ تبقَّى داخل المدينة.

في 15 من أكتوبر الماضي، بدأ 5000 جندي عراقي مدعمين بقوة من الشرطة العراقية، بالإضافة إلى 10000 من المقاتلين الشيعة الذين تدعمهم إيران (المعروفين باسم قوات الحشد الشعبي) مع دعم جوي من التحالف، بدؤوا هجومًا عنيفًا من أجل استعادة مصفاة نفط (بيجي). بعد شهور طويلة من القتال، أخيرًا استطاعوا الانتصار في هذه المعركة بتدمير المصفاة الأكبر في العراق تمامًا، ولكن نظرًا لوقوعها بين بغداد ومدينة الموصل التي يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية، فإن السيطرة على هذه المنطقة تعد أمرًا حاسمًا جدًا في هذه المعركة. السيطرة على هذه الطريق سيجعل من الصعب جدا على الدولة الإسلامية تهديد مدينة تكريت التي استطاعت الحكومة استعادتها في إبريل الماضي، بالإضافة إلى أنه سيصعب تعزيز داعش سيطرتها في الأنبار.

التأخير لم يكن أمرًا مقلقًا على الإطلاق في العمليتين السابقتين، كان السبب الرئيسي فيه هو قيام الجيش بإعادة تنظيم صفوفه بعدما انهار جزآن أساسيان منه عندما استطاعت داعش غزو شمال وغرب العراق والسيطرة على الموصل، وهي ثاني أكبر مدينة عراقية (يصل تعداد سكانها إلى مليوني نسمة)، لذا فإن هذا التجديد على صعيد الجيش شمل عدة تكتيكات عسكرية جديدة أهمها هو تطبيق أكثر من هجوم قومي بالتزامن مع بعضهم البعض بالإضافة إلى التنسيق والعمل جنبًا إلى جنب مع قوات الحشد الشعبي وقوات الأمن العراقية التي تسيطر عليها الحكومة أيضًا، وهو ما يغير ما يحدث على الأرض إلى حد ما، حيث ركزت قوات الحشد الشعبي في الفترات السابقة جهودها على محافظة صلاح الدين شمال بغداد.

لعدد الضربات الجوية التي ينفذها التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية في كل من سوريا والعراق منذ عام 2014 وصولا إلى نهاية أكتوبر 2015.


تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى تحقيق انتصار ساحق في العراق دون أن يكون هناك أي فضل لإيران في الأمر، وهو ما يفسر تكثيف الضربات الجوية الأمريكية على محافظة الأنبار والتي وصل عددها – وفق ادعاءات البنتاجون – إلى ما يزيد عن 150 ضربة جوية في الأسابيع الثلاثة الماضية استهدف أغلبها مناطق قريبة من الرمادي.

مع التدخل الروسي القوي في العراق، أصبح الأمر مقلقًا جدًا للولايات المتحدة التي ترغب بالسيطرة على ما يحدث وأن تكون اللاعب الرئيسي في هذه المعركة، ما دفع أمريكا إلى إيفاد الجنرال جو دانفور – أحد كبار جنرالات البحرية الأمريكية – إلى العراق لتحذير وزير الدفاع العراقي من أن الدعم العسكري الأمريكي لن يستمر بهذه القوة إذا ما استمرت روسيا في ضرباتها الجوية من تلقاء نفسها دون تنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية.

تذكر أصدقاءك الحقيقيين

كانت هذه الرسالة بمثابة تنبيه لحكومة عبادي أن التحالف الذي تقوده أمريكا هو العدو الأهم والأقوى لتنظيم الدولة الإسلامية، لذا فإن ما يحتاج العبادي إليه هو انتصار سريع في الرمادي ليثبت للعراقيين أن اختياره لأمريكا هو الأمثل، حيث يرى الخبير الأمريكي باتريك مارتين من معهد دراسات الحرب بواشنطن أن سيطرة القوات المدعومة إيرانيًّا على بيجي سبب ضغطًا كبيرًا على العبادي بسبب خياره الأمريكي دائما.

يبدو أيضًا أن أمريكا تلقت رسالة استياء العراقيين، في الوقت ذاته يرى أوباما أن الأمر يحتاج إلى وقت للقضاء على داعش التي وصفها بـ”السرطان”. يعتقد أوباما أيضًا أن سيطرة الدولة الإسلامية على عدة مدن يصل مجموع سكانها إلى 10 ملايين نسمة، وعلى الرغم من أنها تحكمهم بالقوة، إلا أن أغلب هذه المناطق ذات أغلبية سنية، كما تقدم لهم الدولة الإسلامية بعض الخدمات بالإضافة إلى متطلبات الحياة الأساسية، وهو ما قد يجعل الكثير منهم يفضل سيطرة داعش على هذه المدن بدلًا من سيطرة الحكومة ذات الأغلبية الشيعية في بغداد والتي يعتقد الكثير منهم أنها تتجاهلهم وتهملهم.

على الجانب العسكري، على الرغم من استخدام داعش لعدة تكتيكات إرهابية – كالعمليات الانتحارية على سبيل المثال – إلا أن هذا الأمر ما هو إلا جزء بسيط من قدراتهم العسكرية الهائلة التي ربما أغفلها أوباما قبل بدء هذه الحرب.


الهدف الأول لأمريكا كان إبعاد الدولة الإسلامية عن المدن الشيعية الرئيسية مثل سامراء وكربلاء وكذلك حدود بغداد. وقد نجح هذا الهدف إلى حد بعيد. في الوقت ذاته، تبدو مناطق الحكم الذاتي التي يسيطر عليها الأكراد وحكومتهم الإقليمية في أربيل آمنة تمامًا، حيث أنشأ مقاتلو البيشمركة خطوطًا دفاعية قوية تمتد عبر أغلب أنحاء محافظة كركوك الغنية بالنفط.

هذه الانتصارات المتتالية التي أفقدت الدولة الإسلامية 15% من مناطق سيطرتها التي استطاعت اغتنامها في بداية هذا العام لم تتواصل بذات المعدل، حيث توقفت هذه الانتصارات مؤخرًا ما هدم حالة التفاؤل المبالغ فيها من الخبراء العسكريين الأمريكيين والحكومة العراقية، كان السبب الرئيسي لذلك هو انتصار داعش في الرمادي في مايو الماضي.

خريطة تظهر المدن التي تسيطر عليها الأطراف المختلفة في العراق


الكثير من التساهل مع إيران

لم يتوقف الأمر عند فشل أمريكا في دفع الحكومة العراقية للتعاون مع القبائل السنية في الأنبار فقط، ولكنها أيضًا خسرت الكثير من الشعبية أمام نظيرتها إيران التي قدمت مساعدات عسكرية أكثر سرعة وغير مشروطة من تلك التي يقدمها التحالف. يرجع البعض هذا الأمر إلى تخوف أوباما من أن يؤثر تحديه لإيران في هذه الحرب على المفاوضات النووية في طهران.

هذا الأمر يتغير حاليًا ولو تدريجيًا، ولكن دون تكثيف المساعدات العسكرية الأمريكية في الوقت الحالي واستمرار دعمها للأمن العراقي وزيادة الضربات الجوية، ربما يظل خطر قبول الوضع الراهن قائمًا، وهو ما يهدد وحدة العراق، وهو ما سيكون بالتأكيد مرضيًا لكل من إيران وتنظيم الدولة الإسلامية.

في الوقت الذي يتواجد فيه 3500 من المدربين العسكريين الأمريكيين في العراق، إلا أنهم يتمركزون في وحداتهم الخاصة بأمر من أوباما. في الوقت الذي تلاقي فيه الإستراتيجية الأمريكية لهزيمة داعش العديد من الانتقادات، يرى أنتوني كوردسمان من مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في واشنطن أن تكوين أو إعادة بناء بعض القوات من الخط الخلفي هو أمر سيكون مصيره الفشل الذريع، وأنه يجب أن فرق المستشارين في تكوين مجموعات قادرة على القتال حقًا.

جانب من إعلام الدولة الإسلامية


ما أحبط العراقيين أيضًا هي تلك القوانين التي وضعتها الولايات المتحدة لتقليل الخطر على المدنيين والتي أدت بشكل كبير إلى تقييد الكثير من الاشتباكات. أحمد علي – وهو محلل كردي عراقي – يرى أن تلك القواعد بدلًا من أن تكون فعالة ومساعدة، أدت إلى إعاقة تقدم القوات البرية. في حين يعتقد أنتوني كوردسمان أن الضربات الجوية بمستواها وكثافتها الحالية “ضعيفة” وأن ضربات أكثر شدة وشراسة ستعزز من الروح المعنوية للعراقيين، وأن تدمير الوحدات الأساسية للدولة الإسلامية في العراق وسوريا سيعطي القوات العراقية فرصة حقيقية لاستعادة قوتها وسيطرتها. كما صرح الجنرال دانفورد بأنه بدءًا من هذا الأسبوع ستكون هناك عمليات مشتركة بين القوات العراقية من ناحية والأمريكية من ناحية أخرى لضرب أهداف التنظيم جويًا وبريًا.

الكثير من الشكوك تدور حول مدى قدرة وإرادة أوباما على تحقيق النجاح في العراق، إلا أن ما تشهده الأيام الأخيرة يمثل تحولًا كبيرًا ويثبت سعيه الحثيث نحو ذلك. الدعم غير الحذر من التحالف سيدعم عبادي كثيرًا في الوقت الذي يحتاج فيه بشدة لهذا التدعيم، محاولة إقناع السنة أن الحكومة في بغداد تهتم لأمرهم وترغب في بقائهم كجزء أساسي من العراق هو السبيل الوحيدة للقضاء على تنظيم الدولة الإسلامية على المدى البعيد. العراق تعيش حالة من الفوضى تمامًا كسوريا، ولكن الأمر المختلف هنا هو أن الحل لا يبدو قريبًا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد