كما يعلم الكثيرون من قراء الملحق الأمني الأسبوعي لـ«ستراتفور»، فقد ركزنا خلال السنوات القليلة الماضية بشكل كبير جدًّا على تهديدات الجهاديين القاعديين (يقصد القواعد المؤيدة للجماعات الجهادية) الذين يمارسون نموذج الإرهاب المقاوم، بلا قيادة محددة، في وجه الغرب. واحدة من الأشياء التي كنت أحاول القيام بها في كتاباتي هو وضع هذا التهديد في منظوره الصحيح: إنه النوع الأكثر شيوعًا من التهديدات المحتمل حدوثها. ولكن في كثير من الأحيان، فإن النشطاء القاعديين غالبًا ما يكونون محدودين في قدراتهم الحرفية، هناك أفراد قليلون فقط هم الذين بوسعهم تنفيذ هجمات إرهابية مذهلة بمفردهم. وبسبب هذه الصعوبات، فإن المنظرين الجهاديين قد حثوا النشطاء القاعديين الذين يعيشون في الغرب على التركيز على شن هجمات بسيطة في حدود قدراتهم بدلًا من محاولة شن هجمات أكثر تعقيدًا. وقد علّم تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية الجهاديين القاعديين كيفية صناعة قنبلة «في مطبخ منزلك»، بينما يحث تنظيم «الدولة الإسلامية» هؤلاء على تنفيذ هجمات بالحجارة، والسكاكين، والسيارات، وأيديهم، أو السم أحيانًا.

وكما أشرت قبل بضعة أشهر، فإن هذا الأمر سوف يؤدي إلى ظهور المزيد من الخلايا القاعدية والتي يمكن الاستفادة من مهارات أكثر من شخص واحد في تخطيط وتنفيذ هجوم. ولكن حتى ذلك الحين، فإن معظم الخلايا القاعدية ما زالت تفتقر إلى هذا النوع من الحس الحرفي المتطور الذي يمكنهم من شن هجوم مذهل حقًّا.

ومع ذلك، فقد تكيف الجهاديون في وقت مبكر مع التكنولوجيا، وأنا أعتقد أنهم سوف يتحولون إلى التكنولوجيا من أجل معالجة مشكلة تدريب وتجهيز الخلايا القاعدية والمهاجمين المنفردين.

قيود الأمن والمسافات

كما يعرف أي شخص سبق له على الإطلاق أن حصل على أي دورة في المراسلات، فإن المواد المقروءة ليست في الحقيقة خيارًا جيدًا للتعلم من ناحية التفاعل الشخصي مع الأستاذ أو المدرب. هذا ينطبق بشكل خاص إذا كان الموضوع تقنيًّا إلى حد ما ويتطلب بعض الجودة أو إجادة بعض المهارات البدنية. على سبيل المثال، لا أحد منا يرغب في أن يخضع لعملية جراحية على يد جراح كل مؤهلاته أنه قد قرأ بعض الكتب، ولكنه لم يمسك بيده مشرطًا بعد. وينطبق المبدأ نفسه على العناصر التي يعتمد عليها الجهاز الإرهابي. الأمر يكاد يكون أقرب إلى المستحيل لإتقان مهارة يعتمد عليها الجهاز مثل المراقبة من خلال قراءة كتاب. لا أحد يتقن فن الدفاع عن النفس من خلال قراءة كتاب أو مشاهدة أفلام بروس لي، ولكن من الأسهل بكثير تعلم هذه المهارات عبر التدريب البدني أو الممارسة.

إحدى المهارات الأخرى صعبة الممارسة هي صناعة القنابل. بصفتي قد حضرت دورة تدريبية نظمت من قبل الحكومة الأمريكية حول في بناء العبوات الناسفة، يمكنني أن أخبركم مباشرة أنني لم أرغب في بناء قنبلة من عناصر بدائية اعتمادًا فقط على أساس تعليمات مكتوبة من مصدر مثل كتاب طبخ فوضوي. (مع الاعتبار أن بناء قنبلة من متفجرات تجارية أو مواد صنعها الجيش خصيصًا هو أمر أسهل بكثير وأكثر أمانًا من بناء قنبلة من الصفر تمامًا).


وقد حاولت الجماعات الجهادية مثل تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية تجاوز هذه المعضلة الحرفية عبر تقديم أدلة تعليمات مصورة لمكونات القنابل ولطريقة صناعة أنواع مختلفة منها. حتى إن المجموعة قد كرست مساحة خاصة من مجلتها «إنسباير» تحت عنوان «جهاد مفتوح المصدر» لتقديم هذه التعليمات خطوة بخطوة. وقد تم ربط هذه التعليمات بعدد من المؤامرات والهجمات الفاشلة، بما في ذلك تفجير ماراثون بوسطن في أبريل/ نيسان 2013. وقد نشر الجهاديون وغيرهم أيضًا أشرطة الفيديو التي تحتوي على تعليمات صنع القنابل على شبكة الإنترنت.

ومع ذلك، فإن العروض المصورة ومقاطع الفيديو «كيف تفعلها بنفسك» كفيلة فقط بتوفير الكم المناسب من المعلومات، ولكنها فقيرة في التفاعل الشخصي بين الطالب، والمعلم الرئيسي. في حالة التفاعل الشخصي، يمكن للمعلم شرح الطريقة الصحيحة لفعل الشيء والإجابة على أية أسئلة قد تراود الطالب أثناء العملية. وعلاوة على ذلك، يمكن للمعلم مشاهدة محاولات التلميذ لتقليد الطريقة والتدخل لإبداء التصحيحات اللازمة في الوقت المناسب أثناء العملية، وضمان أن يتم ذلك بشكل صحيح.

وبسبب المخاوف الأمنية، فإن البيئة الحالية هي ببساطة غير ملائمة لانتقال هذه القاعدة الضخمة من الجهاديين إلى أماكن مثل اليمن، حيث يمكن للمعلمين المتمرسين تلقينهم الحرفة الإرهابية. ولكني أعتقد أن التكنولوجيا يمكن أن تعوض عن هذا النقص.

سد الفجوة


استخدمت تقنيات الـ"فيديو كونفرس" في بث المعلومات رغمًا عن الحكومات

استخدمت تقنيات الـ”فيديو كونفرس” في بث المعلومات رغمًا عن الحكومات


في غير عوالم الإرهاب، يتم استخدام تكنولوجيا الاتصالات للتغلب على طغيان المسافة. يستخدم الأطباء الآن تطبيقات الفيديو عن بعد لتشخيص المرضى أو لاستعراض الأشعة السينية وغيرها من نتائج الاختبارات الطبية. هناك أيضًا ثورة ضخمة في مجال التعليم عبر الإنترنت من المدارس الابتدائية السيبرانية إلى الجامعات على الإنترنت. بإمكانك أيضًا أن تتلقى دروس الموسيقى والطبخ ودروسًا أخرى باستخدام خدمات المؤتمرات عن طريق الفيديو التي تقدم تجربة تعليمية تفاعلية.

وأنا أعتقد أن الجماعات الجهادية سوف تبدأ قريبًا في استخدام هذه الأدوات التكنولوجية ذاتها لإنشاء «جامعات الجهاد على الإنترنت»، إن لم تكن قد فعلت ذلك بالفعل. أتصور هذا بمثابة بيئة تعليمية تفاعلية على شبكة الإنترنت المظلمة حيث يمكن حشد الإرهابيين القاعديين عبر خطوط مشفرة عبر دائرة تلفزيونية مغلقة بشكل كبير. سيكون الأمر مماثلًا للمجلة «إنسباير». هذا النوع من القدرة يمكن أن يحدث فارقًا كبيرًا في بعض الحالات السابقة حيث كافح الجهاديون القاعديون من أجل صنع القنابل، مثل محاولة «نجيب الله زازي» لتفجير نظام مترو الأنفاق في نيويورك ومحاولة «فيصل شاهزاد» لتفجير تايمز سكوير.

إن عقد المؤتمرات عبر الفيديو يسمح للمدرب والتلميذ بتحقيق التفاعل بمعناه التقليدي بقدر أكبر بكثير، حيث يمكن لكلا الطرفين أن يرى ما يقوم به الطرف الآخر. هذا من شأنه أن يسمح للتلميذ بمشاهدة عمل المعلم وطرح الأسئلة، كما سيسمح للمعلم بمشاهدة وتصويب أخطاء الطالب في المقابل.

ولكن استخدام الجامعات الإرهابية على الإنترنت لن تقتصر فقط على الجهاديين. الماركسيون والفوضويون والجماعات المنادية بتفوق البيض وسائر الجماعات والمنظمات المتشددة الأخرى يمكنها بسهولة أن تعتمد على التكنولوجيا، كما اعتمدت بسرعة على الإنترنت في أعمال التجنيد والدعاية. ما وراء الإرهاب، أستطيع أن أتخيل المجرمين يستخدمون غرف دردشة الفيديو المشفرة لتعلم مجموعات واسعة من المهارات الإجرامية، من قرصنة ماكينات الصراف الآلي إلى فتح الأقفال. الابتكارات التكنولوجية يمكنها تحقيق الكثير من الأشياء الجيدة، لكنها قد لا تلبث طويلًا حتى يعيد المجرمون تطويعها لتلائم أغراض غير أخلاقية خاصة بهم وتوظيفها كأدوات للشر.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد