نشر موقع شبكة «بلومبيرج» في قسمه السياسي، تقريرًا أعده الصحافي المصري أحمد فتيحة، يستعرض فيه تباين تأثر قطاعات الأعمال في مصر بعد قرار البنك المركزي المصري بتعويم الجنيه بشكل كامل في مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

ويقول فتيحة في مقدمة تقريره، أنه بعد تعويم العملة المصرية: «أصبحت الحياة في القاهرة سهلة أكثر إذا كنت أحد المضاربين بالأسهم، ولكنها أصعب كثيرًا إذا كنت تبيع الفاكهة».

وينقل التقرير مخاوف مصطفى نجاتي مدير مبيعات المؤسسات في شركة «أرقام كابيتال» حيث شعر أن مجاله بدأ في الانهيار. فالمستثمرين فروا من مصر بعد ثورة يناير (كانون الثاني) 2011، كما ساعد التحكم الصارم في أسعار صرف العملات في إبعادهم، لكن نجاتي يقول أنه منذ أربعة أشهر وبعد إعلان البنك المركزي تعويم الجنيه: «الآن أصبح كل أنواع العملاء يتقربون إلى عملنا، وكم هو مذهل التغيير الذي حدث».

اقرأ أيضًا: كل ما تريد معرفته عن التعويم الكلي للجنيه المصري

أما على الجهة المقابلة للنيل التي يمكن رؤيتها من نافذة مكتب نجاتي، حيث حي «إمبابة» الذي تسكنه الطبقة العاملة، يوجد جميل حسن الذي يملك «فَرشة» لبيع الفاكهة والخضروات، والذي تغيرت الأحوال بالنسبة له أيضًا، ولكن إلى الأسوأ. فبعد أن فقد الجنيه نصف قيمته، ارتفع التضخم بنسبة تصل إلى 30%، وينقل فتيحة على لسان جميل قوله: «الناس معادتش بتشتري 3 أو 5 كيلو فاكهة وخضار، بقوا يشتروا بس اللي يكفي اليوم. أنا اتعودت على الأسعار اللي بترتفع بس اللي بيحصل دلوقتي جنون».

جميل حسن بائع خضار وفاكهة في منطقة إمبابة بالقاهرة – بلومبيرج

ويشير التقرير إلى أن المصريين وتعدادهم وصل إلى حوالي 92 مليون نسمة، بالكاد يهتم أحدهم بأسعار الأسهم، فيما يهتمون جميعهم بأسعار الطعام. وبينما أطاحت الثورات الشعبية برئيسين في ست سنوات فقط، فإن برنامج إصلاح يعتمد على تعويم العملة يمثل خطرًا سياسيًا كبيرًا. وكانت الحكومة قالت أن خطوة تحرير سعر العملة هو الدواء المُر لاقتصاد مريض، ويتساءل فتيحة: «هل سيصبر الشعب حتى يجدِ الدواء نفعه؟».

ويضيف: «يحث الرئيس عبد الفتاح السيسي الشعب على النظر إلى المدى البعيد، ويبدو أن الرئيس وقائد الجيش السابق يكسب ثقة العامة على رغم شكوكهم بسبب ما يعيشونه. فالشوارع الآن هادئة في معظمها، والبرلمان مطيع، والإعلام قلّما ينتقد حكمه».

كما يشير فتيحة إلى التناقض الواضح في استقبال الشعب لجهود الإصلاح الاقتصادي بين الماضي واليوم، ففي عام 1977 قرر الرئيس الراحل أنور السادات تخفيض الدعم الحكومي على السلع الغذائية، وأجبرته الانتفاضة الشعبية على التراجع عن قراره بعد يومين فقط.

ومع استمرار عدم الاستقرار لسنوات بعد سقوط مبارك في 2011، تجنبت الحكومات المتعاقبة –على رغم نقص النقد- اللجوء إلى الاقتراض من صندوق النقد الدولي، قلقين من رد الفعل الشعبي، لكن الموقف حُسم بتوقيع مصر على قرض بقيمة 12 مليار دولار من الصندوق في نوفمبر «تشرين الثاني» الماضي، وذلك بعد أسبوع واحد من قرار تحرير الجنيه، ورفع أسعار المحروقات، ما جعل تلك القرارات تظهر وكأنها شروط الصندوق للموافقة على القرض.

وينقل فتيحة عن ياسر الشيمي زميل المعهد الأوروبي للعلاقات الدولية، رؤيته بأن الإنهاك واليأس هما ما يبقيان المصريين في هدوء إلى الآن، مضيفًا أن الشعب تحمل سنوات من الاضطرابات الاجتماعية والسياسية، بينما تقضي حكومة السيسي على منصات العمل السياسي، حيث سُجن آلاف النشطاء، وحُظرت جماعات المعارضة بما فيها الإخوان المسلمين.

إن ما تقوم به الحكومة المصرية لا يؤدي إلى التغيير المستمر، فالوضع الحالي أشبه
بـ«حَلة الضغط»، فربما تزيح الحكومة الغطاء قبل فوات الأوان، ولكن إلى الآن
فإن الخطة هي إغلاق الغطاء بإحكام.

وبحسب التقرير، فإن الشيمي يرى أن ما تقوم به الحكومة لا يؤدي إلى التغيير المستمر، واصفًا الوضع الحالي بـ«حَلة الضغط، فربما تزيح الحكومة الغطاء قبل فوات الأوان، ولكن إلى الآن فإن الخطة هي إغلاق الغطاء بإحكام».

أما سوق المال فهي لا تشعر بالضغط ذاته، ويلفت فتيحة إلى أن الأجانب يستفيدون من ضعف العملة لرفع الدين المصري، والذي يسدد حوالي 20%. وسجلت الأسهم ارتفاعًا كبيرًا في يناير (كانون الثاني) الماضي، حتى وإن كان ذلك بالعملة المحلية. ويتدفق المستثمرين الأجانب إلى القاهرة، عائدين من أوروبا وأمريكا والخليج العربي، ويجتمعون مع مصرفيين رسميين ومحليين.

وقد يبشر ذلك بالنمو المرتقب، لكنه لا يشرح الصورة بشكل كامل، وينقل التقرير ما كتبه زياد بهاء الدين النائب السابق لرئيس الوزراء، في عمود نشر في صحيفة «الشروق» اليومية المحلية، بعد اجتماعه مع بعض من هؤلاء المستثمرين الأجانب، حيث قال: «المشكلة فيما تقدم أن الواقع الاقتصادى الذي يعيشه الناس ويعانون منه كل يوم مختلف تمامًا عن هذه الرؤية المتفائلة»، مضيفًا: «ليست المشكلة أن يكون للاقتصاد وجهان أو أكثر بحسب موقع كل واحد ومصلحته، فهذا من طبائع الأمور. ولكن الخطير أن تتسع الفجوة بينهما إلى هذا الحد».

قلب الموازين

وينقل التقرير عن الاقتصاديين رؤيتهم، حيث سيثير تحرير العملة مع دعم صندوق النقد الدولي ارتفاعًا في الاستثمارات الأجنبية المباشرة، ويعزز الوظائف والصادرات. كما يقول نجاتي، المضارب في الأسهم، بأن سوق البورصة يظل هو أيضًا في مرحلة اختبار، ويشير إلى أن لديه عملاء يفكرون حاليًا في رفع المبالغ المالية التي يضاربون بها، ما يعزز استمرار الانتعاش، لكنهم قلقين أيضًا حيال الوضع السياسي، قائلًا: «إن ما يقلق المستثمرين بشكل رئيسي هو خطر الاضطراب الاجتماعي، حيث يجب ألّا يستهان بهذا العامل، فهو قد يقلب موازين كل ما يحدث الآن».

ويشير فتيحة إلى أن خطابات السيسي غالبًا ما تضمنت التعبير عن ذلك القلق لدى المستثمرين، ففي ديسمبر «كانون الأول» الماضي طلب من الشعب الصبر لمدة ستة أشهر حينها «سيكون الأمر أفضل كثيرًا» بحسب وصفه، وفي يناير «كانون الثاني» وعد المصريين بأنهم لن يظلوا «رهينة» السوق الحر، وبأن الجنيه المصري سيستعيد قيمته العادلة. فيما يقول فتيحة: «في الحقيقة، فإن انتعاش فبراير «شباط» الماضي لم يدم والعملة ظلت قريبة من المستوى المتدني الذي كانت عليه بعد قرار التعويم، حيث بلغ سعر صرف الجنيه مقابل الدولار الأمريكي يوم الخميس الماضي حوالي 18.3».

وبينما يصف فتيحة بأن حملة السيسي القمعية على المعارضة السياسية كانت بلا رحمة، لكنه يرى أن السيسي يصبح على استعداد لتغيير المسار كليًا فيما يتعلق بخططه الاقتصادية إذا ما ظهرت إشارات للمعارضة. ففي مطلع الشهر الجاري تراجعت الحكومة فورًا عن مقترح يعبث بالدعم على الخبز، إثر تجمهر المواطنين أمام عدد من المخابز، مع أن ذلك التدبير لن يؤثر سوى على فئة أقلية من المصريين، بحسب ما يرى معد التقرير.

لا تجرؤ على انتقاد الرئيس

ومع إعلان المسؤولين وصول معدلات التضخم قريبًا إلى ذروتها، فإن وزارة المالية تخطط لتخفيف المعاناة، عن طريق رفع الحد الأقصى للضرائب، وعرض خصومات للأفراد ذوي الدخل المنخفض، مع توسيع قاعدة الإعانات المالية ليستهدف الـ20% الأفقر من المواطنين.

ويقول التقرير: «بالطبع لا توجد ضمانات بأن برنامج قرض صندوق النقد سيعيد إحياء الاقتصاد المصري على المدى الطويل، وحتى إذا حقق ذلك، فلا توجد ضمانات لاستمرار هذا الانتعاش». وينقل التقرير ما ورد في مقال بهاء الدين حيث قال: « لقد جربنا فى السنوات السابقة على الثورة الاعتماد على النمو الاقتصادي المتسارع في غياب سياسة اجتماعية مصاحبة له، ومناخ سياسى منفتح»، ويتساءل: «هل يلزم تكرار ذات الخطأ مرة أخرى؟».

ويعود فتيحة معد التقرير إلى «فَرشة» جميل حسن بائع الخضار، حيث يرى أن من بين زبائنه من لا يأخذ وعود الرئيس السيسي على محمل الجد، ولكن شعبيته تبدو صامدة. واستعرض الصحافي موقفًا من إحدى المتسوقات لدى حسن أثناء تعبئتها الكيس بثمرات اليوسفي، حيث سألها البائع عن رأيها في الرئيس، فأجابت ضاحكة: «متجرؤش تقول عنه حاجة وحشه».

ثم وبعد أن اكتشفت سعر مشترواتها، يقول فتيحة أن حماسها فتُر قليلًا، قائلة: «الحاجات غالية أه، لكن السيسي برضو حبيب قلبي».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد