رسمت الحرب العالمية الثانية نهاية النازية الألمانية، لكن الحرب لم تكن سهلة على الإطلاق. في هذا التقرير تناقش الصحافية جينا ديمورو إحدى خطط هتلر لقلب دفة الحرب، وهي عملية «جريف».

في مواجهة أخيرة ضد قوات الحلفاء في جميع أنحاء بلجيكا، دبَّر هتلر عمليةً خاصة في غاية السرية، حتى أن العديد من المسؤولين الألمان ظلوا على جهلٍ بها حتى يوم بدء تنفيذها. تضمنت المؤامرة، التي يطلق عليها عملية جريف، تنكُّر جنود ألمان في زي قوات التحالف، حتى يعبروا خطوط الحلفاء ويدمروها.

لو أنها تبدو خطةً في غاية الجنون، فهذا ليس صحيحًا، فقد نجحت العملية في زيادة الذعر والارتباك في أراضي التحالف، لكنها لم تعزز مجهودات هتلر الأخيرة في معركة الثغرة، على حد وصف الكاتبة.

مترجم: الحرب العالمية الأولى لم تكن الأعنف.. 6 من أكثر المعارك دموية في التاريخ

وقوف هتلر الأخير

ترى جينا أنه على الرغم من أن نجاح عملية إنزال النورماندي سَمَحَ للحلفاء بتأسيس معسكرٍ لهم في أوروبا، لم يكن الوضع في القارة آمنًا. وتقول إن إحدى المشكلات الرئيسة هي أن الإمدادات يمكن أن تعبر فقط عبر قناة نورماندي، وكلما توغل البريطانيون والأمريكيون، ضعفت خطوط إمداداتهم. في الوقت نفسه، عبر نهر الراين، دبَّر هتلر موقفًا مفاجئًا أخيرًا.

وتذكر أن هتلر قد عزم على جمع ما يكفي من قواته من أوروبا الغربية لشن هجوم مضاد كبير ضد قوات الحلفاء ضعيفة الانتشار في منطقة الأردين، جنوبيّ شرق بلجيكا. كان هدفه الأساسي تقسيم خطوط التحالف وإعادة السيطرة على مدينة أنتويرب البلجيكية ومينائها الحيوي، وأراد بداية الاستيلاء على جسور نهر الميز، ومن ثم تدميرها.

وبحسب الكاتبة، كان أمل الخطة الوحيد يكمن في النجاح بأخذ البريطانيين والأمريكيين على حين غرة، لذا جرى التكتم على خطة هتلر، حتى أن العديد من المسؤولين الألمان ظلوا على جهل بها حتى يوم تنفيذها.

Embed from Getty Images

حتى المسؤولين الذين علموا بشأنها كانوا متشككين في فرصة نجاحها، ووفقًا للكاتبة، فقد علَّقوا بغموض: «لم تكن فرصة نجاح الهجوم كله تتجاوز أكثر من 10%». ومع ذلك، لم يكن هتلر ليترك الأمور للصدفة، فلديه الشجاعة فقط على تمهيد الصعاب لصالحه.

تروي الكاتبة أنه في أكتوبر (تشرين الأول) عام 1944، استدعى هتلر المقدم في وحدات النخبة النازية (إس إس) أوتو سكورزيني، وأطلعه على ما أسماه الفوهرر «العملية الأهم في حياتك». كان سكورزيني بالفعل ذا سمعة سيئة بين ضباط الجيش الألماني، واعتبروه «نموذجًا للنازي الخبيث» و«الكلب القذر حقًا».

تعتقد جينا أنه ربما لهذا السبب كلَّفه هتلر بتدريب مجموعات صغيرة من ضباط القوات الخاصة الألمان، لإرسالهم إلى خطوط التحالف الخلفية مرتدين زيًا أمريكيًا، لبثِّ الفوضى قبل الغزو المخطط لجسور نهر الميز. وتقول: «إن سكورزيني كان مناسبًا بالفعل لهذه المهمة، مشيرةً إلى أنه لم يكن لديه هواجس من انتهاك الاتفاقيات الدولية، فضلًا عن المخاطرة بحياة رجاله».

وترى جينا أن إرسال الجنود المتخفين لخطوط العدو الخلفية قد تجاوَزَ حدود الحرب التقليدية، لذا عندما أرسل سكورزيني أوامر يطالب قادة معسكر الأسرى بتجريد المسجونين الأمريكيين من ملابسهم في منتصف الشتاء، رفض العديد منهم، متذرعين بانتهاك ذلك لاتفاقية جنيف، بحسب ما ترويه الكاتبة.

نصت الاتفاقية على أن الجنود إذا أُسِروا خلف خطوط العدو مرتدين ملابس العدو، تسقط حقوقهم كأسرى حرب ويمكن إعدامهم على الفور، لكن جينا تُبرِّر أن هتلر قد مَنَحَ سكورزيني صلاحيات غير محدودة للعملية، لأن الأخير يفعل أيَّ شيءٍ لنيل «آخر فرصة باقية لإنهاء الحرب بشكل جيد»، حسبما وَرَدَ في المقال.

تروي الكاتبة أن الجنود الألمان القادرين على التحدث بالإنجليزية سرعان ما بدأوا في تلقي أوامر خفيَّة لتقديم تقارير إلى معسكر تدريب خاص بـ«خدمات الترجمة». استُجوِبوا بالإنجليزية فور وصولهم من ضباطٍ نازيين، قبل التوقيع على تعهد بالسرية، يقضي بأن «خرق الأمر يعرضهم لعقاب الموت». شكَّل هؤلاء الجنود فرقة «البانزر 150» السرية للغاية، التي تمركزت في معسكر جرافنفور شديد الحراسة.

تشير جينا إلى أن هدف عملية جريف، رسميًا، كان تدمير الجسور ومخازن الذخيرة ومستودعات الوقود في أراضي التحالف، بينما تمرر العملية في الوقت نفسه أوامر وهمية لأي وحدات أمريكية يصادفها الجنود الألمان، فغيروا لافتات الطرق، وأزالوا تحذيرات حقول الألغام، وأغلقوا الطرق بتحذيرات وهمية.

وبحسب المقال، يُتوقَّع أن الضباط المشاركين أضعفوا الاتصالات الأمريكية بقطع الأسلاك الهاتفية ومحطات الراديو. وتذكر جينا أنه، مع ذلك، لم تنجح عملية جريف إلا في بعضٍ هذه الأهداف.

تدريب الألمان ليتصرفوا كأمريكيين

تعتقد جينا أن الحلفاء سمعوا عن خطة «سرية للغاية»، لكنهم تجاهلوها بحجة أنها معلومات خاطئة.

وبحسب ما روت، خضع المشاركون في عملية جريف، في هذه الأثناء، لتدريبات مكثفة واستثنائية في جرافنفور، بالإضافة إلى تدريب مقاتلين لمواقع الالتحام والتدمير، وقضى الضباط ساعتين على الأقل يوميًا في تحسين لغتهم الإنجليزية، ومشاهدة الأفلام ونشرات الأخبار لإجادة اللهجة الأمريكية والتقاط التعابير والألفاظ العامية. تطلّب الأمر السرية التامة، وأعدم جنديٌّ بسبب خطابٍ كتبهُ لعائلته فيه الكثير من المعلومات عن العملية.

Embed from Getty Images

تقول جينا إن هؤلاء الضباط كانوا يتعلَّمون التصرف بالعادات الأمريكية التي تُخفي انتماءهم. وتُعدِّد في مقالها الفروق الثقافية بين تعلُّم كيفية تناول الطعام بالشوكة، والسكين، وتدخين السجائر، وإلقاء التحية، وتناول الأطعمة على الطريقة الأمريكية، وتقول إنهم كانوا يتلقون أوامرهم بالإنجليزية، وإن سرية المهمة دفعتهم للتكتُّم عما يتدرَّبون لأجله.

ظنَّ الكثير منهم أنهم يتحوَّلون إلى أمريكيين، لكن كان لدى سكورزيني المزيد من التعليمات الصارمة، فكتب: «بعد أسبوعين كانت النتيجة مرعبة».

من بين 2500 جندي جرى تجنيده، فقط 400 كانوا يتحدثون العامية الإنجليزية، و10 منهم فقط يجيدونها. أعرب سكورزيني عن أسفه بأنهم «لن يستطيعوا خداع أمريكي واحد، ولو كان أصمًا».

اقتصرت الفرقة – بحسب جينا – على 1500 خوذة أمريكية وبنادق وذخيرة، وكان الكثير من إمدادات الزي العسكري بريطانية أو بولندية أو روسية أو ملطخة بالدماء أو عليها علامات أسرى حرب. حصل سكورزيني فقط على دبابتين أمريكيتين، وكانت بقية المعدات ألمانية. اعترف سكورزيني أن «القوات الأمريكية صغيرة السن، التي ستراهم من بعيد جدًا في الليل وحدها التي ستُخدع».

على الرغم من ذلك، في 16 ديسمبر (كانون الأول) 1944، شنَّ الألمان هجومهم شديد الإحكام، وأُخِذَ الحلفاء على حين غرة. وتروي جينا أن أمل هتلر كان فقط أن يتمكَّن الألمان من التوغُّل في خطوط العدو. واجهت فرقتان أمريكيتان عديمتا الخبرة وغير مجهزتين هجومًا من أكثر من ربع مليون جندي ألماني. ساد الذعر والفوضى؛ إذ حاول كبار ضباط التحالف – بيأس – تشكيل خطة دفاعية. مع ذلك، ضعفت الخطوط الأمريكية، لكنها لم تنكسر، وخلقت «ثغرًا» وهو ما تسمَّت به المعركة؛ معركة الثغرة.

تستطرد جينا أن في اليوم التالي للمعركة، أوقفت الشرطة العسكرية الأمريكية سيارة تقل أربعة جنود بالقرب من جسر، وطلبوا تراخيصهم. تحدث الجنود بالإنجليزية مع لهجة أمريكية، وكانوا يرتدون زيًا أمريكيًا، لكنهم عجزوا عن تقديم الأوراق الصحيحة.

وتتابِع وصف الموقف بأن الضباط المرتابون فتَّشوا السيارة، فاكتشفوا أسلحة مخبأة، ومتفجرات وشارات عليها صليب. أثناء الاستجواب، ادعى أحد ضباط عملية جريف أنهم أمريكيون أُرسلوا بأوامر بـ«التسلل إلى باريس وخطف الجنرال آيزنهاور وغيره من كبار الضباط». ارتابت القوات الأمريكية لهذا الأمر وأصيبت بالذعر.

فوضى خلف خطوط العدو

تقول جينا: إن اكتشاف الجنود المتورطين في عملية جريف «أثار ذعرًا مفرطًا». وعزمت استخبارات الأمريكيين على عدم تحمل أي مخاطر أخرى. ازداد حراس الجنرال آيزنهاور حتى أنه «وجد نفسه سجينًا تقريبًا»، وأقيمت حواجز على كل الطرق تقريبًا، ووُجِّهَت تعليماتٌ للجنود الأمريكيين بـ«استجواب السائق؛ لأنه إذا كان ألمانيًا، سيكون أقلهم تحدثًا وفهمًا للإنجليزية».

Embed from Getty Images

سرعان ما وضع الجنود الأمريكيون المتطرفون أسئلة أمنية، مع إجابات هزلية دون قصد. دُرِّب المشاركون في عملية جريف جيدًا على العامية الأمريكية، حتى أن جنود نقاط التفتيش خُدِعوا بإجاباتٍ اعتقدوا أن الأمريكيين فقط من يعرفونها.

شملت الأسئلة أسماء عواصم الولايات ونجوم البيسبول والسينما، على الرغم من تراوحها بين «ما اسم سيناترا الأول؟» و«ما اسم كلب الرئيس؟». وتقول جينا إن هذه الأسئلة قد فشلت في مساعدة الجنود البريطانيين، الذين وجدوا أنفسهم فجأة يواجهون صعوبات شديدة.

تروي الكاتبة أنه عندما وجد ضابط الاستطلاع ديفيد نيفين نفسه في مواجهة جندي يسأله «من فاز بالسلسلة العالمية عام 1940؟» كان كل ما استطاع الإجابة به «ليس لدي أدنى فكرة». لم يكن المسؤولون الأمريكيون، حتى الكبار منهم، محصنون من الأخطاء أيضًا. أُلقِيَ القبض على العميد بروس كلارك لنصف ساعة بعد أن أجاب خطأً حول أشبال شيكاغو وهتف الحارس الثائر: «فقط الألمان يرتكبون خطأ مثل ذلك!».

أثر عملية جريف

تعتقد جينا أنه رغم نجاح عملية جريف بالفعل في بث الفوضى بين الأمريكيين، إلا أنها فشلت في تحقيق هدفها الأساسي. قدم الأمريكيون مقاومة شرسة غير متوقعة، ولم يستطع جنود القوات الخاصة تدمير أي جسر ولا خطوط الاتصالات، وكان أي ألماني يُضبط مرتديًا زيًا أمريكيًا يرسل من فوره إلى فرق الإعدامات.

كانت قيادة الحلفاء العليا شرسة، خاصةً في تعاملها مع الأسرى، وأُمر الجنود الأمريكيون «ألّا ينزعوا زيهم الأمريكي تحت أي ظرف»، وعندما ناشد 16 من المسجونين المحكوم عليهم بالإعدام الجنرال برادلي، رفض.

رجعت فرقة بانزر 150 عن هجوم آردن بنهاية ديسمبر وبداية يناير (كانون الثاني) عام 1945، وكان الأمريكيون قد سحقوا آخر هجوم ألماني كبير في الحرب، فشلت عملية جريف في فعل أكثر من مجرد إرباك القوات الأمريكية لفترة من الوقت.

تعرف إلى ابن أخ هتلر الذي حارب ضده لأنه لم يمنحه وظيفة مناسبة

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
s