حاولت كل من إيران وإسرائيل بالتعاون تدمير المفاعل النووي العراقي «أوزيراك». وفي هذا الصدد كتب سيباستيان روبين، الحاصل على درجة الماجستير في حل النزاعات من جامعة جورجتاون، مقالة في مجلة «ذا ناشيونال إنترست». 

ويرصد روبين – وهو كاتب في الشؤون الأمنية والعسكرية في موقع وور إز بورينج – تطورات العلاقة بين تل أبيب وطهران من التعاون في ضرب المفاعل العراقي إلى العداء السافر الآن. 

والنقطة الأساسية التي يناقشها المقال هي: في حين أن غارة مفاعل أوزيراك عادة ما يتم الاستشهاد بها في الحجج التي تؤيد الضربات الوقائية المضادة للأسلحة النووية، فإن نجاح الغارة لا لبس فيه إلى حد ما.

الغارة الإيرانية

في فجر يوم 30 سبتمبر (أيلول) 1980، راحت أربع طائرات أمريكية من طراز فانتوم إف – 4 إي تأز وتحلق على ارتفاع منخفض وسط العراق، وكل واحدة منها محملة بصواريخ جو – جو وثلاثة آلاف رطل من القنابل.

يقول الباحث: إن الطائرات قبل الدخول إلى المجال الجوي العراقي، كانت قد التقت لتزويدها بالوقود جوًا بواسطة طائرة صهريج من طراز بوينج 707 ترافقها مقاتلتان متقدمتان من طراز إف – 14 تومكات، هذا النوع الذي خلد بعد ست سنوات في فيلم توب جان «Top Gun». وعلى سبيل استكمال أجواء فيلم «الأكشن» الذي تم إخراجه في الثمانينات، كانت مهمتها تحمل اسم «عملية السيف المحروق».

صعدت طائرات الفانتوم التي كانت تنطلق بسرعة لفترة وجيزة إلى ارتفاع أعلى لتظهر على الرادارات العراقية، قبل أن تنخفض ثانية بسرعة متراجعة للخلف، متوارية عن الأنظار، لكن بينما حافظت اثنتان من طائرات الفانتوم على مسارهما نحو بغداد، انحرفت الأخريان جنوبًا نحو الهدف الحقيقي: مفاعل أوزيراك النووي للماء الخفيف في العراق.

Embed from Getty Images

الغارة الجوية الأولى على مفاعل نووي

ووفقًا للمقالة المنشورة في مجلة «ناشيونال إنترست» كانت الطائرات تشن أول غارة جوية على مفاعل نووي، وأول ضربة جوية استباقية تحاول منع بلد من تطوير قدرات أسلحة نووية. في الواقع، حدث الهجوم الوحيد السابق على منشآت نووية خلال الحرب العالمية الثانية عندما نجحت قوات الكوماندوز البريطانية في تخريب منشآت أبحاث المياه الثقيلة النازية في النرويج.

يستطرد الكاتب ويقول إنه قبل تسعة أشهر من عملية «أوبرا» الإسرائيلية الشهيرة التي دمرت مفاعل أوزيراك، فإن طائرات الفانتوم التي حلقت باتجاه المفاعل النووي في عام 1980 كانت تابعة لسلاح الجو الإيراني.

وثق كل من توم كوبر وفارزاد بيشوب، بشكل متعمق، في مقالة رائعة لمجلة «أير إنثوسياست» في 2004، هذه الغارة الغامضة الجسيمة، والسياق الذي حدثت فيه.

إسرائيل وإيران حليفتان ضد العراق

يرصد المقال المفارقة الكامنة في أن إيران وإسرائيل كانتا حليفتين قبل الثورة الإيرانية، بل واصلت تل أبيب نقل أسلحة حيوية وأشكال أخرى من المساعدات الأمنية إلى طهران خلال الثمانينات على الرغم من خطاب آيات الله المتزايد في مناهضته لإسرائيل. كان هذا في جزء كبير منه بسبب قلقهما المشترك من الحشد العسكري في عراق صدام حسين.

في عام 1975، نجح العراق في التفاوض على صفقة بقيمة 300 مليون دولار (1.3 مليار دولار بقيمة 2019) مع فرنسا لبناء مفاعل من نوع أوزيريس لأبحاث المياه الخفيفة بقدرة 40 ميجاوات في العراق، وفقا للتسمية «أوزيراك». شمل هذا مفاعلين يحملان اسمي «تموز 1» و«تموز 2» يتم بناؤهما في مركز التويثة النووي جنوبي بغداد.

ويقول روبين: «إن مفاعل أوزيريس كان مصممًا للأغراض المدنية، ولكن كان لديه القدرة على أن يكون بمثابة نقطة انطلاق لقدرة الأسلحة النووية، على الرغم من أن الخبراء يختلفون حتى يومنا هذا حول مدى قرب القفزة إلى الأسلحة النووية. نجح حسين في الضغط على الفرنسيين لتسليم عشرات الكيلوجرامات من الوقود النووي المخصب بنسبة 93%، بينما حصل على كيلوجرامات من اليورانيوم من أمريكا الجنوبية ومصادر أخرى».

Embed from Getty Images

المفاعل النووي العراقي يثير قلق إسرائيل وإيران

هكذا أثار المفاعل النووي قلق إسرائيل – التي لا تزال حتى الآن الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تمتلك أسلحة نووية – وإيران، التي صدت غزو دبابات عراقية فاشل في عام 1975. وسعيًا لإحباط البرنامج، فجر عملاء إسرائيليون نواة نووية منتهية بالقرب من تولون بفرنسا، كما طعنوا أحد قادة البرنامج النووي، وهو العالم المصري يحيى المشد، حتى الموت في فندق باريسي في 14 يونيو (حزيران) 1980. هذه الإجراءات أرجأت بناء أوزيراك في منشأة قبة مكشوفة بدلًا عن مجمع صلب تحت الأرض، لكنها لم توقفه.

ويتابع المقال: في 22 سبتمبر 1980، قاد صدام العراق في غزو واسع النطاق لجنوب غرب إيران، على أمل الاستفادة من الفوضى السائدة في الجمهورية الإسلامية التي تأسست حديثًا. ستستمر الحرب الناتجة عن الغزو لمدة ثماني سنوات دامية بشكل استثنائي.

في هذا السياق، بدأ سلاح الجو الإيراني بالتخطيط لشن هجوم على أوزيراك في وقت مبكر من يونيو من ذلك العام، حسبما ورد بناء على طلب رئيس المخابرات العسكرية الإسرائيلية. كانت إسرائيل واحدة من الدول القليلة المستعدة لتزويد إيران بالأسلحة والمعلومات الاستخباراتية لقتال العراقيين، وبالتالي كان يُنظر إلى الغارة على أنها مصلحة مفيدة للطرفين.

ويرى الكاتب أن الأسطول الإيراني الكبير من مقاتلات إف – 4، وإف – 14 الأمريكية المتقدمة أثبت أنه ذو نفع هائل ضد القوات العراقية خلال السنوات الأولى من الحرب العراقية الإيرانية. وطائرات الفانتوم التي نشرتها إيران في الغارة جاءت من سرب المقاتلات الثالث والثلاثين المتمركز بالقرب من همدان في إيران.

الدفاعات الجوية العراقية كانت في غفوة

يكمل الكاتب: تعين على الطيارين الإيرانيين الذين كانوا يحلقون بقنابل إيرانية غير موجهة يبلغ وزنها 82.500 رطل، الانقضاض بين أنياب الدفاعات الجوية العراقية الهائلة، على الأقل، هائلة من الناحية النظرية. وكانت منشأة «التويثة» للأبحاث النووية محمية بعدة عشرات من مدافع الدفاع الجوي سريعة الطلقات من عيار 23 و57 ملم، ونظام أرض – جو – 6 سوفيتي الصنع وثلاثة أنظمة من طراز رولان 2 الفرنسي القصير المدى والموجه بالرادار.

ومع ذلك، يبدو أن الدفاعات العراقية قد أخذتها غفوة. أسقطت طائرات الفانتوم التمويهية قنابلها على محطة كهرباء عراقية، مما أدى إلى انقطاع الكهرباء في بغداد لمدة يومين وفقا لكوبر. في هذه الأثناء، توجه العنصر الرئيس إلى «التويثة» وأطلق جميع القنابل الاثني عشر في غضون ثوانٍ قبل أن يقفل عائدًا بسرعة البرق. ولا توجد تقارير عن نيران دفاعية عراقية، وفقًا لما يورده الكاتب.

وذكر بعض شهود العيان أنهم رأوا قنبلتين إيرانيتين تقفزان عن قبة المفاعل النووي. تسبب الهجوم في اندلاع حريق هائل (كما هو موضح في هذه الصورة الفرنسية)، وألحق أضرارًا بالأنابيب ومضخات التبريد ومنشآت المختبرات. وانسحب المئات من الفنيين الفرنسيين والإيطاليين من المنشأة بعد الغارة، رغم أن بعضهم عاد لاحقًا.

ومع ذلك، أشار تقرير لوكالة المخابرات المركزية إلى أن مصدرًا محجوبًا أكد أن «المباني الثانوية هي التي أُصيبت». كما تم تقييم الأمر على نطاق واسع (ولكن بالخطأ) في الغرب بأن الطيارين الإسرائيليين هم الذين قاموا بالغارة باستخدام طائرات إيرانية. 

تصوير الغارة وتقديم الصور لإسرائيل

يكمل الكاتب: في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) قامت طائرة استطلاع فانتوم إيرانية من طراز RF – 4 بالتحليق فوق المنشأة بسرعات تفوق سرعة الصوت، والتقطت صورًا لتقييم آثار الضربة. ووفقًا لكوبر وبيشوب، تم نقل الصور إلى في صندوق معدني إلى إسرائيل على متن طائرة 707 تُستخدم في نقل أسلحة إسرائيلية إلى طهران.

ساعدت هذه المعلومات الاستخباراتية، التي دعمتها بعثات الاستطلاع الجوي التي قامت بها طائرات فانتوم الإسرائيلية، جيش الدفاع الإسرائيلي في إعداد نسخة طبق الأصل كاملة للمنشأة استخدمت لتخطيط الضربة والتدريب عليها، وهو ما حدث في نهاية المطاف في 7 يونيو 1981. 

واخترقت ثماني طائرات إسرائيلية من طراز إف – 16 فايتنج فالكون، ترافقها ست طائرات من طراز إف – 15 إيجل، الأجواء السعودية، مستغلة فجوة في تغطية الرادار العراقي. في أقل من دقيقة دمرت طائرات فالكون مفاعل أوزيراك بقنابل مارك 84 الضخمة التي يبلغ وزنها ألفي رطل؛ مما أدى إلى مقتل تسعة عراقيين ومهندس فرنسي.

صدام ينتقم من إيران ويتجاهل إسرائيل

ويذكر الكاتب أنه بسبب عدم استعداده للانتقام مباشرة من إسرائيل، قام صدام بدلًا عن ذلك بدك منشأة الأبحاث النووية النووية الإيرانية في بوشهر. بين عامي 1984 و1987، قصفت الطائرات العراقية من طراز سوبر إتيندارد وسوخوي – 22 إم 4 ك بقصف المجمع خمس مرات؛ مما ألحق أضرارًا بالغة بالمنشأة، التي لم تكن تستخدم كثيرًا بسبب القيود المالية التي فرضتها الحرب.

في حين أن ضرب أوزيراك عادة ما يُستشهد به على أنه الأساس في الحجج المؤيدة للضربات الاستباقية المناهضة للأسلحة النووية، فإن نجاح الغارة لا لبس فيه إلى حد ما. وبينما أخرت الضربة الجهود العراقية للحصول على الأسلحة النووية لمدة عقد من الزمان، يزعم بعض الخبراء أن المفاعل النووي لم يكن قابلًا للتكيف بشكل كبير مع هذه الأغراض. في أعقاب الغارة، بدأ صدام برنامجًا نوويًا واسع النطاق يسعى بشكل مباشر إلى إنتاج أسلحة في منشآت صلبة تحت الأرض. لو لم يدخل في مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة بغزو الكويت في عام 1990، فربما أكتسب الديكتاتور العراقي قدرات أسلحة نووية أكثر قوة على المدى الطويل.

ويلفت الكاتب إلى أن هزيمة صدام في عام 1991، إلى جانب انهيار الاتحاد السوفيتي، أدت إلى وضع حد للتحالف السري بين إسرائيل وإيران. واتجهت طهران بشكل متزايد إلى دعمها للجماعات المعادية لإسرائيل لكسب النفوذ والتحالفات في العالم العربي، في حين أدركت إسرائيل الآن أن إيران هي الدولة الأكثر عداء المرجح أن تمتلك أسلحة نووية في المنطقة، وفقًا لما يذكره روبين.

ويختم المقال بالقول: من المفارقة أن إيران، التي كانت رائدة في الضربة الاستباقية التي استهدفت منشآت الأبحاث النووية لدولة أخرى بالتعاون مع إسرائيل، أصبح برنامج الأبحاث النووية الكبير لديها اليوم مهددًا بهجمات جوية وقائية من إسرائيل والولايات المتحدة. غير أن إيران تعلمت من ضربات أوزيراك، فجعلت برنامجها النووي البحثي منتشرًا في العديد من المنشآت تحت الأرض، ولا يتركز في منشأة واحدة فوق الأرض من شأنها أن تكون عرضة للهجوم.

مترجم: لم يكونوا أعداء دائمًا.. التاريخ غير المروي لتحالف إسرائيل مع شاه إيران

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد