نشر معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام مقالًا للدكتور ديلان أودريسكول، الباحث ببرنامج الحكم والمجتمع بالمعهد، يتحدث عن حالة محافظة كركوك العراقية، وسوقها الذي له مكانة كبيرة بين سكان المدينة، واللغات الثلاث الموجودة في هذه المحافظة، وتأثيرها الذي انعكس على التفاعلات بين رواد السوق من الرجال والنساء.

استهل أودريسكول مقاله بقوله: منذ انتهاء الإمبراطورية العثمانية وقيام دولة العراق، اندلع الصراع في كركوك بشأن السيطرة السياسية والمادية على المحافظة، واحتدم فقط منذ غزو العراق بقيادة الولايات المتحدة عام 2003 (انظر الشكل 1). ونتيجة لذلك، تنافس السياسيون الأكراد، والعرب، والتركمان على السلطة، مع قليل من مؤشرات التوافق. وعلى الرغم من فشل النخب في إظهار الرغبة في الوصول إلى اتفاق، فقد تركز جزء كبير من اهتمام بناة السلام والجهات المانحة على مفاوضات النخبة، بينما تم تجاهل الجانب المحلي لبناء السلام.

واستشهد أودريسكول ببحثٍ استقصائي شمل 511 من أصحاب المحال التجارية والعملاء في سوق كركوك الرئيس، وهو أحدث أوراق السياسة العامة الصادرة عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام بعنوان «بناء السلام اليومي في كركوك، العراق: قدرة التدخلات ذات التركيز المحلي»، يوفر فهمًا لكيفية تنفيذ أعمال السلام والصراع على الصعيد اليومي وتوقيت تنفيذ هذه الأعمال والمنوطين بها، كما يقدم البحث توصيات السياسة العامة للتدخلات التي ستتناول الجانب المحلي لعملية بناء السلام. 

ويسلط المقال الضوء على بعض المجالات الرئيسة التي توفر فرصة أمام تدخلات بناء السلام للتأثير على التغيير الحقيقي في الحياة اليومية لمواطني كركوك. وتكمن الأهمية في أن عملية بناء السلام المحلي يمكنها توفير قاعدة أفضل لتسوية سياسية رفيعة المستوى، حيث تعتبر كركوك «عراق صغيرة»، ويمكن أن يساهم بناء السلام في كركوك في بناء السلام في البلد الأوسع نطاقًا.

الشكل 1: الموقع الجغرافي السياسي لكركوك، واحتياطيات الهيدروكربونات، وخطوط الأنابيب. المصدر: موقع معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام.

الاستثمار في التدريب على اللغة المحلية

أوضح الكاتب أن اللغة المستخدمة في التعاملات اليومية هي أحد الجوانب الرئيسية للديناميات المحلية في كركوك. وتلعب اللغة دورًا محوريًا في التعاملات بين المجتمعات، ومع وجود ثلاث لغات مختلفة (العربية، والكردية، والتركمانية في المدينة)، تشكل إجادة لغات متعددة عاملًا مهما في كركوك (انظر الشكل 2). 

وتُظهر دراسة سوق كركوك وجود  علاقة مباشرة بين القدرة على التحدث بلغات المجموعات العرقية – الطائفية الأخرى وزيادة التفاعل الاجتماعي عبر المجموعات. وعلى الرغم من قدرة غالبية الأكراد والتركمان على التحدث بلغة واحدة على الأقل من لغات كركوك، إلا أن إجادة اللغات الثلاث – اللازمة لتحسين علاقات المجتمع – غير متوفرة. 

ويستطيع غالبية العرب السنة تحدُّث اللغة العربية فقط، وهو ما يشكل عاملًا مهمًا في عزلتهم، وتمتعهم بامتيازات أقل فيما يتعلق بالطريقة التي يمكنهم بها شغل مساحة في السوق. علاوة على ذلك هناك بُعد إضافي لهذا الوضع الذي يجعل نساء العرب السنة أكثر الفئات عزلة في كركوك عبر عدد من الأسواق، بالنظر إلى التفاعل مع المجموعات الأخرى والتواصل الاجتماعي في السوق.

الشكل 2: اللغة التي يستخدمها العملاء. ملحوظة: يمكن أن يقدم المشاركون أكثر من إجابة. المصدر: موقع معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام.

وتابع الكاتب: نظرًا لأن القدرة على التحدث باللغات المحلية المختلفة يشكل أهمية للتفاعل بين المجموعات، فهناك إمكانية لتركيز التدخلات على برامج وخدمات تعليم لغة المجتمع؛ مثل البرامج الموجودة في كوسوفو للألبان والصرب. وينبغي إيلاء مزيد من الاهتمام للعرب السنة، خاصة نساء العرب السنة؛ نظرًا لأن ضعف إجادتهن للغات الأخرى يعزلهن على عدد من الأصعدة داخل المجتمع. 

ونظرًا لأهمية بناء القدرات اللغوية للشباب في كركوك، يمكن للتدخلات أيضًا التركيز على تطوير منهج متعدد اللغات في المدارس، على غرار المنهج الموجود في مدينة برتشكو في البوسنة والهرسك. وسوف يُمَكِّن التدريس باللغات الثلاث الطلابَ من التواصل بشكل أفضل مع المجموعات العرقية – الطائفية الأخرى في سن مبكر، كما سيقدم فهمًا للثقافات المختلفة، وسوف يسفر ذلك عن الحد من الصراع وبناء الثقة الاجتماعية.

خلق وتحسين مساحات اجتماعية للتفاعل

يُظهر هذا البحث، على حسب تعبير الكاتب، أن الهوية العرقية – الطائفية تؤثر بالكاد إما في اختيار العملاء للمحال التجارية أو مفاوضات أصحاب المحال التجارية على السعر؛ مما يعني أن هناك مساحة حقيقية للتفاعلات بين المجتمعات في السوق. وتُظهر التفاعلات غير المقيدة نسبيًا بين المجموعات العرقية – الطائفية المختلفة أن السوق موقع جيد يتم من خلاله التركيز على بناء علاقات بين المجتمعات والعمل على تحقيق الوئام الاجتماعي. 

ومع ذلك فمع بناء المزيد من الأسواق المجاورة العرقية – الطائفية المتماثلة ومراكز التسوق الكبرى في كركوك، فإن الاهتمام بتحسين السوق الأساسي – ماديًا وكمكان للتفاعل الاجتماعي عبر خطوط التقسيم العرقية – الطائفية، يشكل ضرورة من أجل الإبقاء على جذوره التاريخية العرقية – الطائفية المتعددة، وتحسينه كموقع للسلام اليومي المحتمل. 

ويُعد السوق أحد الأماكن القليلة في كركوك التي تتفاعل فيها جميع المجتمعات، ومن المهم الإبقاء على مثل هذا المكان. ويحتاج السوق إلى استثمارات من الجهات الدولية لترميمه وتحديثه، مع العمل على جعله أسهل استخدامًا، ومكانًا يبعث على البهجة. ومن أجل التأكد من بقاء السوق موقعًا للتفاعل، فمن الضروري تحسين المساحات الاجتماعية وزيادتها، خاصة وأن هذه الدراسة تُظهر أهمية التفاعل الاجتماعي.

يُعد السوق، كما يضيف الكاتب، مكانًا قيمًا للتواصل الاجتماعي بين المجموعات، حيث يتواصل غالبية الناس مع أشخاص آخرين من جميع المجموعات، وذلك ما يؤكده هذا البحث. ومع ذلك أظهرت نتائج الدراسات الاستقصائية قلة تواصل النساء في السوق، وعلى الرغم من شعور الغالبية منهن بالارتياح بالتجول في جنبات السوق، فإن أقلية منهن فقط تشعرن بالارتياح بالتواصل الاجتماعي في هذا المكان. 

علاوة على ذلك، تشعر أكثر من ثلث النساء بعدم الأمان في السوق (انظر الشكل 3) وتشعر غالبيتهن أنهن يُعامَلن على نحوٍ غير متساوٍ. وهذا يُظهر الجانب القائم على نوع الجنس لهذا المكان، ويشير إلى أن هناك مجالا لتحسين كيفية شعور النساء باستخدام مساحتهن في السوق للاستفادة منها في التفاعل بين المجتمعات؛ وهو عامل متصل أيضًا بمجموعات مهمشة أخرى.

الشكل 3: شعور العملاء من الذكور والإناث بالأمان في السوق. المصدر: موقع معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام.

التركيز على التعليم الذي يُعلي قيمة المساواة بين الجنسين

أوضح الكاتب أن خلق مساحات اجتماعية من أجل النساء فقط يمكن أن يساعد في تشجيع التفاعل بين النساء من مختلف المجموعات العرقية – الطائفية اللاتي تتواصلن اجتماعيًا في الوقت الحالي بصورة أقل بكثير من الرجال في السوق. ونظرًا لعدم شعور النساء بالتعامل على قدم المساواة في السوق – وهذا له تأثير مباشر على كيفية استخدام هذه المساحة – فمن المهم أن يكون هناك تركيز على التعليم الذي يعلي قيمة المساواة بين الجنسين في كلٍ من السوق وفي المجتمع الأوسع نطاقًا. 

ولمًا كانت النساء مقيدات على وجه الخصوص في مدى شعورهن بالحرية في شغل مساحة ما، ومدى شعورهن بالأمان داخلها؛ فإن تشجيع المزيد من النساء على الاضطلاع بدور صاحب متجر، وتقديم المساعدة التي تُمكّن النساء من إنشاء أعمال تجارية، يمكن أن يوفر مساحات تُشعِرهن بقدر أكبر من المساواة بين الجنسين. 

ومع ذلك، فمن المهم حدوث ذلك بالتزامن مع التعليم الذي يُعلي قيمة المساواة بين الجنسين في السوق، حتى لا تتعرض صاحبات المحال التجارية من النساء لأي تجاوز. ومن أجل تحسين سلامة (وتصور سلامة) النساء، والمساواة بين الجنسين، وكيف يمكن أن تشغل النساء هذه المساحة؛ فمن المهم أن تقوم الجهات الفاعلة المشاركة في التدريب المتعلق بنوع الجنس للشرطة والبرامج بزيادة عدد ضباط الشرطة من النساء في العراق، بالتركيز على كركوك. ولا يمكن أن يتم ذلك إلا بدعم من مجلس محافظة كركوك، الذي يعكف أيضًا على تطوير بروتوكولات تراعي الجانب الفوارق بين الجنسين داخل الشرطة والنظام القضائي الأوسع نطاقًا، وسوف تكون هناك تداعيات حقيقية مترتبة على الفشل في تحقيق ذلك.

فهم الامتياز في  الديناميات المجتمعية

أشار الكاتب إلى أنه على الرغم من التغيرات الجذرية التي حدثت في كركوك منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2017، عندما أخذت الحكومة المركزية زمام السيطرة على القيادة والأمن في المنطقة من الأكراد، إلا أن المشاركين في الدراسة الاستقصائية لا يزالون ينظرون إلى الأكراد باعتبارهم يملكون التأثير الأكبر في كلٍ من السوق والمجتمع الأوسع نطاقًا. وتجدر الإشارة إلى أن هذا الامتياز يتغير مع مرور الوقت، وعلى الرغم من أن الامتياز الكردي يتضاءل ببطء، فإن العوامل الأخرى كالانتخابات الوشيكة لحاكم كردي والعودة المحتملة للقوات الكردية ستزيد مرة أخرى من الامتياز الكردي. 

ويلفت المقال إلى أهمية الامتياز  في مكان مثل كركوك، حيث تلعب الواسطة – استخدام العلاقات في إنجاز الأمور – دورًا هامًا في المجتمع. علاوة على ذلك، فهذا له تأثير مباشر على كيفية استخدام الأكراد لهذه المساحة، خاصة فيما يتعلق بأعمال الصراع اليومي. 

وسلط المشاركون في هذا البحث الضوء على أن الملابس الدالة على الهوية لها تأثير ملحوظ على التوترات المتزايدة على الصعيد اليومي، خاصة عندما تحدث تزامنًا مع عوامل أخرى مثل السلوك القومي المتزايد في العطلات الوطنية. والأكراد هم الأكثر عرضة لارتداء ملابس دالة على الهوية أثناء العطلات الوطنية، والأكثر عرضة للاحتفال بهذه العطلات بشكل علني. 

ولهذا السبب، يُلاحظ أن توترات المجتمع تزداد في السوق في العطلات المتصلة مباشرة بالأكراد، مثل يوم الزي الكردي أو عيد النوروز (السنة الكردية الجديدة). وهذا لا يعني أن الملابس الدالة على الهوية والعطلات الوطنية سلبية بطبيعتها، بل أن ثمة حاجة إلى تركيز الاهتمام على تقليل احتمالية أن تكون محركًا للصراع. 

ويؤثر الامتياز الكردي، المتصل بالتأثير، على ديناميات تفاعلات السوق بأساليب أخرى أيضًا. على سبيل المثال، فإن الأكراد هم الشريطة الأقل احتمالية أن يتجنبوا الموضوعات التي تتسبب في نشوب صراع، والأكثر احتمالية لمناقشة الموضوعات المثيرة للجدل (انظر الشكل 4) (طبقًا للدراسة الاستقصائية، كان مناقشة الوضع السياسي في المدينة هو الأخطر). 

بالإضافة إلى ذلك، أشار  هذا البحث إلى أن الأكراد يشعرون بحرية أكبر في كيفية استخدام مساحتهم في السوق، وهم أكثر احتمالية لمواجهة شخص يرون أنه أساء إليهم. علاوة على ذلك، على الرغم من أن النساء أقل عرضة لمواجهة شخص يسيء إليهن، إلا أن نساء الأكراد هن الأكثر عرضة لذلك من رجال العرب السنة والتركمان. ومع ذلك، من المهم التأكيد على أن غالبية الأكراد لا يزالون يقومون بأفعال لتفادي الصراعات. بيد أن تأثير هذا الامتياز على كيفية شغل الناس لهذه المساحة، والانخراط في ممارسات الصراع اليومي، بدلًا عن ممارسات السلام اليومي، هو مجال يحتاج إلى إيلائه اهتمامًا في كركوك.

الشكل 4: اختيارات المحادثة المرجحة للعملاء أثناء الحديث مع أناس من مجموعات مختلفة. المصدر: موقع معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام.

خاتمة

اختتم الكاتب مقاله بالتأكيد على أن «خلق مساحات اجتماعية أفضل، وتطوير منهج مدرسي جديد، وتحسين القدرات اللغوية؛ ستساعد جميعها في تحسين التفاعلات بين المجموعات العرقية – الطائفية. ومع ذلك، يشدد على ضرورة الحوار الأوسع نطاقًا، والبرامج التعليمية؛ حتى يفهم الناس مختلف الثقافات الموجودة في كركوك، ويدركوا كيف أن أفعالهم الفردية يمكن أن تتسبب في اندلاع صراع. ويشير هذا البحث إلى أن هناك إمكانية حقيقية لكي تسهم التدخلات ذات التركيز المحلي بدورٍ في بناء السلام على الصعيد المحلي واليومي في كركوك».

«وول ستريت جورنال»: بعد سقوط كركوك.. كردستان العراق يخسر الرهان على الاستقلال

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد