قال أسامة مقدسي في مقال له على موقع «أيون»: «إن الاستعمار الأوروبي أفشل محاولات إقامة مجتمعات تعددية وأكثر عدلًا في العالم العربي منذ سقوط الدولة العثمانية».

وأوضح مقدسي أن الشرق العربي كان من بين آخر المناطق في العالم التي استعمرتها القوى الغربية، باسم تقرير المصير. تظهر صورة من عام 1920 الجنرال الاستعماري الفرنسي هنري جورو وتحيط به شخصيتان دينيتان. أحدهما بطريرك الكنيسة المارونية، وهي طائفة مسيحية كاثوليكية شرقية. والآخر مفتي بيروت السني المسلم. كان إعلان جورو عن دولة لبنان الكبير، الذي اقتُطع من أراضي الإمبراطورية العثمانية المهزومة بمثابة المناسبة. فبمباركة من بريطانيا، احتلت فرنسا سوريا قبل شهرين وأطاحت بالمملكة العربية السورية التي لم تدم طويلًا. زعمت فرنسا أن هدفها قيادة سكان لبنان نحو الحرية والاستقلال.

فصلت فرنسا دولة لبنان التي يهيمن عليها المسيحيون عن بقية سوريا، التي خضعت هي الأخرى للسيطرة الفرنسية الشاملة. كان يُزعم أن هذا الاستعمار يهدف إلى تحرير شعوب العالم العربي من طغيان الترك العثمانيين ومن الكراهية الطائفية القديمة. هكذا ظهر الجنرال جورو في الصورة ليس كقاتل للقبائل الأصلية الهمجية المفترضة؛ لم يكن هو هرنان كورتيس الحديث الذي أطاح بأزتيك مونتيزوما، ولا تجسيدًا فرنسيًا لأندرو جاكسون الذي دمر سيمنولز في فلوريدا. بل ظهر كصانع سلام، وحاكم صالح، بين ما زعم الأوروبيون أنها المجتمعات الشرقية المعادية.

زعم المستعمرون للعرب أنهم لن يسيروا على خطا الحكم الوحشي للملك ليوبولد ملك بلجيكا على الكونجو في أواخر القرن التاسع عشر – يشير مقدسي. بدلًا عن ذلك بعد الحرب العالمية الأولى أنشئ نظام من قبل عصبة الأمم الجديدة التي يهيمن عليها البريطانيون والفرنسيون لمساعدة الدول الضعيفة. كانت الدولتان اللبنانية والسورية الجديدتان اللتان تباركهما العصبة مستقلتين مؤقتًا، لكنهما تخضعان لوصاية أوروبية إلزامية.

بالاعتماد على التجربة البريطانية للحكم غير المباشر في أفريقيا، طورت القوى المنتصرة واجهة محلية لإخفاء يد المستعمر. ولعل الأهم من ذلك أن هذا الاستعمار ادعى أنه يحترم المثل العليا الجديدة للرئيس الأمريكي وودرو ويلسون، الأب المفترض لما يسمى بـ«حق تقرير المصير» للشعوب في جميع أنحاء العالم.

إعلان قيام دولة لبنان الكبرى في عام 1920

لقد شوه الاستعمار طبيعة الشرق الأوسط. فقد عبث بالجغرافيا السياسية في المنطقة من خلال إنشاء سلسلة من دول الشرق الأوسط الصغيرة والإمارات التي كانت ذات مرة تقف فيها سلطنة عثمانية كبيرة مترابطة. وأحدث نزاعًا جديدًا – وما زال لم يُحل – بين العرب واليهود في فلسطين. وقد حجب حقيقة أن التحول من الحكم الإمبراطوري العثماني إلى الحكم الوطني العربي ما بعد العثماني لم يكن طبيعيًا ولا مفر منه. توقف الاستعمار الأوروبي فجأة وأعاد تشكيل المسار الثقافي والسياسي العربي المعادي للطائفية والذي بدأ يتشكل خلال القرن الأخير من الحكم العثماني.

العثمانيون أول من طبقوا العلمانية

في الواقع لم يكن «رجل أوروبا المريض» يحتضر على الإطلاق في أوائل القرن العشرين – يكشف مقدسي. فالحقيقة هي أن القرن العثماني الأخير شهد عصرًا جديدًا من التعايش، في مقابل التنافس بين القوميات الإثنية والدينية والحرب والاضطهاد في ظل الهيمنة الغربية. والجزء العنيف من القصة معروف.

في القرن التاسع عشر تراجعت الإمبراطورية العثمانية في وجه العدوان الأوروبي المتواصل. كافحت الإمبراطورية للحفاظ على السيادة واستيعاب أفكار القرن التاسع عشر المتعلقة بالمساواة في المواطنة، لكنها تعثرت بسبب صعود حركات البلقان القومية الانفصالية التي حظيت بدعم من قوى أوروبية مختلفة. كان العثمانيون في حالة حرب تقريبًا طوال القرن التاسع عشر.

وفي مقابل محاولة العثمانيين الحفاظ على إمبراطوريتهم التي كانت في يوم من الأيام عظيمة، فقد استثمروا أيضًا في إصلاحها وإعادة صياغتها بكل طريقة تقريبًا، بدءًا من الجيش والسياسة إلى بنيانها ومجتمعها. تميزت الإمبراطورية منذ فترة طويلة بين المسلمين وغير المسلمين باسم الدفاع عن الإسلام. فعلى مر القرون قامت ببناء نظام إمبراطوري كرس الأسبقية العثمانية على كل المجموعات الأخرى.

في القرن التاسع عشر أعاد السلاطين العثمانيون إعادة تشكيل إمبراطوريتهم على أنها سلطنة مسلمة «حضارية» اعترفت بالمساواة بين جميع الرعايا بصرف النظر عن انتمائهم الديني. تبنى الرعايا المسلمون، والمسيحيون، واليهود، الطربوش الأحمر كعلامة على العثمانية الحديثة المشتركة. خلال عهد التنظيمات «1839 – 1876»، تبنت الإمبراطورية العثمانية رسميًا سياسة عدم التمييز بين المسلمين وغير المسلمين. اكتسبت فكرة المساواة في الإمبراطورية قوة القانون بإصدار الدستور العثماني لعام 1876، الذي أعلن المساواة بين جميع المواطنين العثمانيين.

وبغض النظر عن مقدار الإصلاحات العلمانية التي طبقها العثمانيون – يؤكد مقدسي – فقد طالبتها كل من بريطانيا، وفرنسا، والنمسا، وروسيا بالمزيد من التنازلات. ادعت كل قوة أوروبية حماية واحدة أو أخرى من الأقليات المسيحية أو غيرها من الأقليات، في حين كانت كل واحدة منها تطمح لاقتطاع جزء من الدولة العثمانية، وسعت كل منها بغيرة لإنكار نفوذ منافسيها في الشرق. جرت الإشارة إلى هذه المشاحنات الدبلوماسية في ذلك الوقت باسم «المسألة الشرقية».

لم يكن إلغاء الامتيازات الممنوحة للمسلمين على غير المسلمين في الإمبراطورية دون جدال، خاصة وأن القوى الأوروبية تدخلت باستمرار في الإمبراطورية على أسس طائفية. على سبيل المثال، ألغى العثمانيون ضريبة الجزية التي تعود إلى القرون الوسطى على غير المسلمين، لكنهم تعهدوا لأوروبا في عام 1856 باحترام «امتيازات الكنائس المسيحية وحصاناتها الروحية»؛ وبينما أعفوا غير المسلمين من الخدمة العسكرية مقابل ضريبة، فقد جندوا رعايا مسلمين للقتال في حروب لا نهاية لها؛ وفتحوا الأسواق العثمانية أمام تدفق البضائع الأوروبية وتقبلوا التبشير الغربي لغير المسلمين في الإمبراطورية.

في عام 1860 اندلعت أعمال شغب معادية للمسيحيين في دمشق – يواصل مقدسي حديثه. فقام بعض المسلمين بنهب الكنائس وترويع المسيحيين. أدانت الصحف في لندن وباريس والمجتمعات التبشيرية ما اعتبروه تعصبًا «محمديًا». وأرسل الإمبراطور الفرنسي نابليون الثالث جيشًا فرنسيًا إلى الشرق، بزعم مساعدة السلطان على استعادة النظام في أقاليمه العربية. شكلت القوى الأوروبية لجنة للتحقيق في مجازر عام 1860.

ومع ذلك لم تشكل أي لجنة للتحقيق في اضطهاد الولايات المتحدة للمنحدرين من أصل أفريقي، أو إبادة الهنود الحمر، أو عقود الإرهاب الاستعماري الفرنسي في الجزائر، أو القمع البريطاني للانتفاضة المعادية للاستعمار في الهند في عام 1857.

على الرغم من أن المراقبين الغربيين أشاروا إليها باعتبارها مشكلة غير غربية وحتى إسلامية، إلا أن مذابح عام 1860 عكست صراعًا عالميًا للتوفيق بين المساواة والتنوع والسيادة الذي تجلى في جميع أنحاء العالم في سياقات مختلفة تمامًا. لذا في حين أن العثمانيين كانوا يواجهون أزمة حقيقية حول كيفية الحفاظ على قبضتهم على السكان غير المتجانسين متعددي الأعراق والأديان، كانت الولايات المتحدة تخوض الحرب الأكثر دموية في العالم الغربي في القرن 19 على العبودية والعنصرية والمواطنة.

وقعت أعمال الشغب في دمشق بعد وصول آخر دفعة غير قانونية من الأفارقة المستعبدين من سفينة شراعية كلوتيلدا على ساحل ألاباما.

كانت أعمال الشغب المناهضة للمسيحيين في عام 1860 في دمشق فظيعة، لكنها لم تعكس سوى جانب واحد من الإمبراطورية العثمانية المعاصرة. ما لم يكن ملحوظًا هن أن العديد من العثمانين تبنوا العلمنة والتحديث. شكلت الإمبراطورية مختبرًا حيويًا للتعايش الحديث بين المسلمين وغيرهم لم يكن له مثيل في أي مكان آخر في العالم. وقد تجلى ذلك في مدن المشرق العربي من القاهرة إلى بيروت إلى بغداد، فقد كان العرب من جميع الديانات يتقاسمون لغة مشتركة ولم يظهروا ميلًا للانفصال سياسيًا عن الإمبراطورية العثمانية.

بعد أحداث 1860 – يقول مقدسي – فتح المسيحي بطرس البستاني مدرسة «وطنية» في بيروت. وفي الوقت الذي كان فيه المبشرون الأمريكيون في بلاد الشام ما زالوا يرفضون فكرة التعليم العلماني الحقيقي، كانت مدرسة البستاني معادية للطائفية وتحترم الاختلاف الديني. خلال حقبة عانى فيها الأفارقة والآسيويون واليهود على يد الروس والأوروبيين والأمريكيين، شجع العثمانيون – أو لم يقفوا في طريق – افتتاح مدارس «وطنية» شاملة وبلديات ومجلات وصحف ومسارح.

وجرى بناء جيش جديد باسم الوحدة الوطنية والسيادة. كل هذه الإصلاحات أصبحت أكثر إلحاحًا بسبب الهزائم العسكرية العثمانية المتعاقبة ضد روسيا وفي البلقان، ومقاومة السلطان العثماني عبد الحميد الثاني للتغيير الدستوري. في عام 1908، خلعت الثورة التركية الشابة السلطان ووعدت بفترة دستورية جديدة من الحرية والإخاء العثمانيين بين مختلف العناصر التركية، والأرمنية، والألبانية، واليهودية، والعربية، وليس مجرد غياب التمييز.

المسلمون والمسيحيون واليهود يد واحدة

كانت معظم الإصلاحات العلمانية شكلية. فقد جرى تنفيذها على نحو غير متساو وتدريجي عبر الإمبراطورية. ومع ذلك في أعقاب أحداث عام 1860 اعتقد العديد من المسلمين، والمسيحيين، واليهود العرب في المشرق أنهم كانوا يشاركون في «النهضة» التي يمكن التعبير عنها في مختلف الجوانب العثمانية، والعربية، والدينية، والعلمانية، والسياسية، والثقافية. لقد فهموا بشكل جماعي أنهم يتجهون إلى مستقبل أكثر إشراقًا، وبالتأكيد أكثر علمية، وأكثر «حضارية».

من مصر إلى العراق، كان يهيمن على هذه النهضة رجال حضريون ومتعلمون يعتقدون أنهم يتحدثون عن «دولهم». لقد كانت النهضة في مهدها، وليست هدفًا بارزًا أو حتى مشروعًا اجتماعيًا أو سياسيًا. لم يوافق نجوم النهضة بالضرورة على الحدود الدقيقة لأمتهم العثمانية المشتركة أكثر من موافقة الأمريكيين آنذاك – أو الآن – على ما يشكل الأمريكيين المثاليين أو الممثلين.

كان التوازن بين الإصلاحات العثمانية وحتمية الحفاظ على سيادة فعالة أمرًا معقدًا. لقد أضفت «المسألة الشرقية» بعدًا سياسيًا على مستقبل المجتمعات غير المسلمة – التي سميت «الأقليات» – لأنها أصبحت في وقت واحد أهدافًا للعزلة الأوروبية وذرائع للعدوان السياسي والعسكري ضد العثمانيين. أدى ظهور القوميات الإثنية الدينية في البلقان إلى تفاقم المشكلة – يؤكد مقدسي – عندما طلب القوميون المسيحيون، والصرب، والمقدون، والبلغاريون، الدعم الروسي أو النمساوي أو البريطاني سعيًا إلى الانفصال عن السيطرة العثمانية.

بدورهم اعتبر الزعماء العثمانيون أن السكان المسلمين الناطقين باللغة التركية هم جوهر إمبراطوريتهم. في الربع الأخير من القرن التاسع عشر سعى الثوار الأرمن لمحاكاة القوميين المسيحيين في البلقان. وناشدوا الدعم الأوروبي لتحقيق الحكم الذاتي. فردت الدولة العثمانية عليهم بالاضطهاد.

لقد وعدت الحداثة العثمانية بمستقبل سيادي متعدد الأعراق والأديان وعالم بلا أقليات. في البلقان والأناضول تغلبت حتمية السيادة بوضوح على الالتزام بالوحدة، وبينما كان المسيحيون في البلقان يعارضون بشدة المسلمين وسط تصادم القوميات الإثنية والدينية، كان المسيحيون العرب، والمسلمون، واليهود في المشرق أكثر تناغمًا.

بيروت في أوائل القرن العشرين، المصدر: مكتبة الكونجرس

أحد الاختلافات الرئيسة كان غياب النزعة الانفصالية في المشرق – يشير مقدسي – فعلى الرغم من احتلال بريطانيا لمصر في عام 1882، إلا أن الحكم العثماني صمد في بقية الشرق. ساعدت اللغة العربية المشتركة المسيحيين واليهود العرب على لعب أدوار مهمة في الصحافة والجمعيات والمسرحيات المهنية والنسائية العربية. على سبيل المثال: تأسست صحيفة الأهرام المصرية الرائدة، على يد مهاجر مسيحي سوري. كما أنه لم يكن من المناسب أن ينادي الصحافي اليهودي إستير مويال بهوية «عربية شرقية». تلاشت حالة الاغتراب والتدمير التدريجيين للجالية المسيحية الأرمنية في الأناضول في نفس الوقت الذي تعايش فيه المسيحيون واليهود العرب مع إخوانهم المسلمين في مدن مثل: بيروت، وحيفا، وحلب، وبغداد، وكذلك في القاهرة، والإسكندرية التي تحتلهما بريطانيا.

تفجر المصائب بسقوط الدولة العثمانية

انتهى العصر العثماني بكارثة الحرب العالمية الأولى – يضيف مقدسي – أدار الحكام الأتراك العثمانيون في زمن الحرب ظهرهم عن روح الوحدة العثمانية وانحازوا للقومية التركية. فباسم البقاء على قيد الحياة، بدأ هؤلاء العثمانيون سياسات الإبادة الجماعية ضد الأرمن. كما قتلوا أولئك الذين اعتبروهم خونة عرب في بيروت ودمشق. وفي الوقت الذي دمرت فيه المجاعة جبل لبنان، تراجعت القوات العثمانية أمام الغزو العسكري البريطاني لفلسطين. فسقطت القدس في 1917. وبعد مرور ما يقرب من عام استسلمت الإمبراطورية بشكل مخيف.

عندما اجتمع الحلفاء المنتصرون في باريس عام 1919 لتقرير مستقبل الإمبراطورية العثمانية المهزومة، تجاهل المنتصرون التراث الوحدوي للإمبراطورية العثمانية. وبدلًا عن ذلك، قاموا بإثارة عيوب الإمبراطورية الواضحة بغرض تقسيمها. في عام 1919، بارك الرئيس ويلسون تقسيم الإمبراطورية العثمانية. أدى الغزو اليوناني لإزمير إلى اندلاع حرب دامية أدت في النهاية إلى انتصار تركيا الجديدة بقيادة مصطفى كمال، والمعروف لاحقًا باسم أتاتورك.

لقد تبنت تركيا الجديدة العلمانية بقوة، لكنها كانت أيضًا صارمة في رفضها لتراثها العثماني الوحدوي. في عام 1923 أبرمت تركيا اتفاقية مع اليونان للإخلاء القسري لأكثر من مليون يوناني من تركيا الجديدة. في المقابل طردت اليونان مئات الآلاف من المسلمين الناطقين باليونانية. ثم قامت الجمهورية التركية الجديدة بقمع الأكراد المعارضين.

في غضون ذلك قرر الحلفاء مستقبل المشرق العربي. ففي أوائل عام 1915 تعهدت بريطانيا بدعم طموحات الهاشميين العرب الواسعة في قيام مملكة عربية مستقلة في معظم أنحاء الشرق العربي مقابل ثورتهم ضد الحكم العثماني. وفي عام 1916، وافقت بريطانيا وفرنسا سرًا على تقسيم المقاطعات العربية للإمبراطورية العثمانية بينهما في اتفاقية «سايكس بيكو». وفي عام 1917 بضغط من الجماعات الصهيونية تعهدت الحكومة البريطانية بدعم إنشاء «وطن قومي» يهودي في فلسطين كان يغلب عليه العرب في تكوينه الديموغرافي والاجتماعي واللغوي.

ولزيادة الطين بلة – يؤكد مقدسي – ففي مؤتمر باريس للسلام في عام 1919، منعت بريطانيا وفرنسا القوميين العرب والمصريين من عرض مطالباتهم بالاستقلال مباشرة. لكنهم سمحوا للأمير الهاشمي فيصل، نجل الشريف حسين، بمناشدة الحلفاء بالوفاء بتعهداتهم في زمن الحرب تجاه والده. كما سمحوا للصهاينة الأوروبيين بتقديم رؤيتهم لاستعمار فلسطين وتحويلها إلى دولة يهودية يقودها مستوطنون من شرق ووسط أوروبا.

وسمعوا من هوارد بليس، ابن مبشر أمريكي ورئيس الكلية البروتستانتية السورية «الجامعة الأمريكية في بيروت حاليا» بالتحدث نيابة عن سكان سوريا. كان حساسًا للمزاج السياسي في المقاطعات السابقة للإمبراطورية العثمانية، وأوصى بإجراء تحقيق نزيه لتقصي الحقائق في الشرق الأوسط لتوثيق التطلعات السياسية لسكانها بتقرير المصير. شعر الفرنسيون والبريطانيون بالرعب من فكرة وجود لجنة محايدة، لأنه لم يكن لدى أي منهم أي نية لمنح الاستقلال للعرب. كان ويلسون نفسه هو المحاور الرئيس بين الأشكال القديمة والجديدة للاستعمار. لقد كان متعاطفًا مع المؤسسة التبشيرية الأمريكية.

مصطفى كمال أتاتورك

عُرف القسم الأمريكي الناشئ في اللجنة المشتركة بين الحلفاء عام 1919 الخاصة بالولايات في تركيا باسم لجنة كينج – كرين على اسم الأمريكيين اللذين قاداها. على عكس اللجنة الدولية التي تأسست عام 1860 في الإمبراطورية العثمانية، استطلعت هذه اللجنة بالفعل آراء الأشخاص في المنطقة – وجمعت العديد من البرقيات والرسائل من سكان الأقاليم العثمانية السابقة، وعقدت المئات من الاجتماعات معهم. لم يكن كينج ولا كرين معاديين للاستعمار بأي معنى ثوري، لكنهما أيضًا اعتقدا حقًا أنه من المهم أن تسجل بدقة رغبات الشعوب الأصلية في المنطقة. ويبدو أنهما أخذا التزام ويلسون بتقرير المصير أمرًا بديهيًا.

بعد جولة شاقة عبر فلسطين ولبنان وسوريا في 1919 – يقول مقدسي – توصل كينج وكرين إلى العديد من الاستنتاجات الجريئة فيما يتعلق بالشرق العربي. لقد أدركا أن معظم سكان المنطقة يتحدثون لغة مشتركة ويتقاسمون ثقافة وحدوية غنية. واعترفا بأن الرغبة السياسية لمعظم السكان الأصليين هي الاستقلال. وأوصيا بإنشاء دولة سورية واحدة تضم فلسطين ولبنان بموجب تفويض أمريكي، مع حماية قوية للأقليات.

والأهم من ذلك أنهما قالا إنه إذا أُخذ مبدأ ويلسون لتقرير المصير على محمل الجد، يجب وقف مشروع الصهيونية الاستعمارية في فلسطين. كتبا يقولان: «إن القرارات التي تتطلب الجيوش لتنفيذها ضرورية في بعض الأحيان»، لكنها بالتأكيد ليست مبررًا للظلم. وفيما يتعلق بالادعاء الأولي، الذي غالبًا ما يقدمه ممثلون صهيونيون، بأن لهم حقًا في فلسطين، استنادًا إلى احتلالهم المنطقة قبل ألفي عام، فلا يمكن النظر إليه بجدية.

قدم المفوضان تقريرهما النهائي إلى الرئيس ويلسون في أواخر 1919 – يضيف مقدسي – ولكن جرى تجاهل توصياتهما. لكن تنبؤاتهم عن فلسطين أثبتت صدقها. رفضت الولايات المتحدة أي تفسير معادي للاستعمار لتقرير المصير، لأن ويلسون نفسه لم يؤمن قط بفكرة أن جميع الشعوب متساوية أو تستحق السيادة. فشرعت بريطانيا وفرنسا في تقسيم المنطقة كما لو لم يتم إرسال لجنة كينج كرين. كان وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور صريحًا في هذه النقطة. وقال إن سكان سوريا «قد يختارون بحرية، لكن الأمر معلق بخيار هوبسون في نهاية المطاف». كانت فرنسا ستحكم سوريا ولبنان. وكانت بريطانيا ستفتح فلسطين أمام الصهيونية.

وبغض النظر عن زعم الاستعمار رغبته في ضمان حق تقرير المصير، فإن أنصاره الغربيين كانوا يعرفون أن هذا كذب. ومع ذلك لا تكمن المأساة الحقيقية في الخداع، ولكن في الانقسامات التي تفاقمت، وتسبب بها في هذا الخداع. وما تزال عواقب هذا الاستعمار يتردد صداها حتى اليوم.

امتلك 5% من نفط العراق طوال 40 عامًا.. من هو التاجر التركي كالوست كولبنكيان؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد