يستند مسلسل «Outlander» أو «دخيلة»، وهو مسلسل دراما تاريخي، إلى سلسة روايات تحمل العنوان نفسه، من تأليف الكاتبة الأمريكية ديانا جابالدون. لكن على الرغم من خيوط الخيال التي استخدمتها المؤلفة في نسج الرواية، فإن جزءًا كبيرًا من القصة له جذور تاريخية حقيقية، بحسب التقرير الذي نشرته مجلة «هيستوري إكسترا» التابعة لـ«هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)».

تصحبنا الدكتورة مادلين بيلينج، وهي مؤرخة فنية في جامعة يورك، برفقة الدكتورة روزي وين، وهي زميلة أبحاث مؤسسة ويليام جرانت بالمتاحف الوطنية في أسكتلندا، لاستكشاف الأحداث الحقيقية التي تعود إلى القرن الثامن عشر، وكيف عرضها المسلسل على الشاشة في ثوب دراميّ مثير. 

ترتحل كاميرا المسلسل- الذي طبقت شهرته الآفاق – مع شخصياته من ساحات القتال في الحرب العالمية الثانية، إلى انتفاضات اليعاقبة في القرن الثامن عشر، وكارولينا الشمالية الاستعمارية عشية الثورة الأمريكية. 

واستنادًا إلى السلسلة التي ألفتها ديانا جابالدون، تسافر الدراما عبر الزمن بصحبة بطلة الرواية كلير (التي لعبت دورها الممثلة الأيرلندية كاترينا بالف) – في البداية بين أربعينات القرن العشرين إلى العقد نفسه من القرن الثامن عشر – لترسم بريشتها الخاصة أحداث التاريخ. 

لكن بعيدًا عن عامل الدقة يولي المسلسل اهتمامًا شديدًا بكيفية تعاملنا مع أحداث الماضي، وتشكيل صورته في مخيلتنا. من خلال الدمج بين الحقيقة والخيال، يستكشف المسلسل فرضيات كثيرة (أرأيتَ لو حدث كذا…) في التاريخ الأسكتلندي، من خلال استدعاء الأحداث الرئيسة، وإبراز الشخصيات التاريخية المعروفة. 

انتفاضة اليعاقبة

تبرز كلمة «اليعاقبة» بوضوح في المواسم الأولى من مسلسل «Outlander»، وهي تشير إلى الحركة التي ظهرت في بريطانيا العظى، وأيرلندا، في أعقاب خلع الملك «جيمس الثاني»، ملك إنجلترا وأيرلندا، الذي حكم أسكتلندا أيضًا تحت اسم «جيمس السابع»، في ما يسمى بـ«الثورة المجيدة» في 1688-1689.

عاش جيمس وأحفاده بمنفى دائم في أوروبا، معتمدين على الدعم المالي، وكرم الضيافة من القوى الأجنبية. وانتقل التاج إلى ماري، ابنة جيمس، وزوجها ويليام أمير أورانج؛ مما أدى في النهاية إلى خلافة مملكة هانوفر على العرش البريطاني في عام 1714، والإقصاء الكامل لعائلة ستيوارت.

تاريخ

منذ سنة واحدة
الملكة فيكتوريا من نسلها.. قصة الأسرة الألمانية التي حكمت بريطانيا 200 عام

احتشد أنصار المنفيين من عائلة ستيوارت تحت راية «اليعاقبة»، وهو اسم مشتق من «جاكوبس»، الاسم اللاتيني لـ«جيمس». وفي حين أن «اليعاقبة» كانت حركة دولية جذبت مؤيدين من ربوع بريطانيا وأوروبا، تركزت جهودها العسكرية لاستعادة ملك آل ستيوارت في أسكتلندا.

في مسلسل «Outlander» ترتحل البطلة – الممرضة الإنجليزية كلير – عبر الزمن لتجد نفسها في مرتفعات أسكتلندا عام 1743 وسط اليعاقبة. وعندما استقر بها المقام في القرن الثامن عشر، ترامت إلى أسماعها همهمات التأييد لابن الملك جيمس، جيمس فرانسيس إدوارد ستيوارت، وحفيده تشارلز إدوارد ستيوارت (المعروف في أسكتلندا باسم الأمير تشارلز بوني).

تستدعي كلير دروس التاريخ لتدرك أن قطار الزمن قد انطلق، وستبلغ الأحداث ذروتها في النهاية بهزيمة مدوية لليعاقبة على يد قوات الأمير الهانوفيري ويليام، دوق كمبرلاند، في معركة كولودن يوم 16 أبريل (نيسان) 1746. 

لكن مع علمها أن حركة اليعاقبة محكوم عليها بالفشل، شرعت كلير وزوجها – في القرن الثامن عشر جيمي فريزر (الذي جسد دوره الممثل الأسكتلندي سام هيفن) – في تغيير مجرى التاريخ، عبر جهودٍ منها: محاولة ثني الملك لويس الخامس عشر عن تقديم دعم مالي لحملة تشارلز إدوارد ستيوارت. 

صحيحٌ أن المسلسل صوَّر حركة اليعاقبة بعدسة مؤلفي القرن التاسع عشر، أمثال السير والتر سكوت، لكنه في الوقت ذاته استعرض المخاطر والطبيعة الانقسامية لقضية اليعاقبة في أسكتلندا خلال القرن الثامن عشر، واستكشف أيضًا الضغوط التي واجهها رؤساء عشائر المرتفعات فيما يتعلق بإعلان ولاءاتهم صراحة خلال الانتفاضة الأخيرة في 1745-1746.

هل فلورا ماكدونالد هي كلير فريزر الحقيقية؟

من الملك لويس الخامس عشر، مرورًا بالأمير تشارلز بوني، وليس انتهاء بجورج واشنطن، تشير قصة المسلسل إلى شخصيات تاريخية حقيقية. وفي حين أن سرد مسلسل «Outlander» لأحداث التاريخ يكون خياليًا في بعض الأحيان، إلا أن خطوط الحبكات الدرامية يتردد صداها في جنبات التجارب الشخصية لأفراد حقيقيين كانوا يعيشون في ذلك الماضي الذي تقع فيه الأحداث.

فلورا ماكدونالد واحدة من أبرز شخصيات تلك الفترة من التاريخ الأسكتلندي، تتشابه حياتها في عدد من الجوانب مع ما سردته المؤلفة في روايتها. على الرغم من دعم عائلتها للحكومة البريطانية في مواجهة انتفاضة اليعاقبة 1745-1746، ساعدت فلورا تشارلز إدوارد ستيوارت في الهروب من القبض عليه بعد هزيمة اليعاقبة في كولودن.

كانت فلورا تزور جزيرة بينبيكولا، الواقعة ضمن مجموعة جزر هبرديس الخارجية، عندما وصل ستيوارت إلى هناك مع حفنة من المؤيدين، تلاحقهم أذيال الهزيمة في المعركة، هربًا من قوات دوق كمبرلاند. مخاطرة بحياتها، دبرت فلورا تصاريح للمجموعة، وأبحرت مع تشارلز، متنكرة في زي خادمة تدعى بيتي بيرك، إلى جزيرة سكاي. 

قُبِضَ على فلورا في وقت لاحق، وسجنت في «برج لندن» (قلعة وقصر صاحبة الجلالة)؛ لدورها في هروب تشارلز، قبل إطلاق سراحها في نهاية المطاف بموجب قانون التعويض لعام 1747. بعد تحريرها من الأسر تزوجت نقيبًا في الجيش البريطاني يدعى ألان ماكدونالد، وهاجرا إلى ولاية كارولينا الشمالية، وهو المكان الذي استقر فيه جيمي وكلير فريزر في نهاية المطاف في حلقات لاحقة من المسلسل.

الرحلة إلى الأمريكتين

لم يكن غريبًا أن يسافر الأسكتلنديون إلى أمريكا في القرن الثامن عشر، وكانت نورث كارولينا وجهة شهيرة. شغل جابرييل جونستون، الأسكتلندي المولد، منصب حاكم الولاية من عام 1734 حتى عام 1752، مع وصول أول تدفق كبير للمهاجرين الأسكتلنديين في عام 1739. بحلول أوائل سبعينات القرن الثامن عشر، استقر أكثر من 4 آلاف رجل، وامرأة، وطفل أسكتلندي، على طول نهر كيب فير.

كما ظهر في مسلسل «Outlander»، كان عدد من الممتلكات الممنوحة للمستوطنين في ولاية كارولينا الشمالية يعتمد على العمل القسري الذي يقوم به أشخاص مستعبدون مجلوبون من أفريقيا وجزر الهند الغربية لإنتاج القطن والتبغ. بحلول نهاية القرن الثامن عشر سجل إحصاء سكان الولايات المتحدة 133 ألفًا و296 فردًا مستعبدًا في الولاية. وشهدت المنطقة أيضًا علاقة مضطربة بين المستوطنين البيض والقبائل الأمريكية الأصلية.

في عام 1763 أصدر جورج الثالث مرسومًا ملكيًا يقضي بمنع المستعمرين الأنجلو-أمريكيين من الاستقرار في الأراضي التي حصلوا عليها من الفرنسيين بعد حرب السنوات السبع، التي قاتل فيها البريطانيون ضد الفرنسيين وحلفائهم من الأمريكيين الأصليين.

أثار المرسوم انتقادات قوية من الأنجلو-أمريكيين الذين ضاقوا ذرعا بتحكُّم الملك البريطاني فيهم من بعيد. كما يظهر في مسلسل «Outlander» أنه سرعان ما أعقب السخط دعوات للثورة. 

مثل جيمي فريزر، كان زوج فلورا ماكدونالد، آلان ماكدونالد، مسؤولًا عن تشكيل ميليشيا محلية موالية لبريطانيا في عام 1775. بعد بضعة أشهر من حرب الاستقلال الأمريكية، قُبض عليه واقتيد أسيرًا. طُرِدَت فلورا من منزلها، وعادت مع زوجها في النهاية إلى أسكتلندا، حيث توفيت فلورا عام 1790.

مسلسل «Outlander» وتجسيد الماضي

يستعين مسلسل «Outlander» بالأسلحة والملابس والمعدات الطبية واللوحات لتجسيد التاريخ، لكن العمل الفني لا يهتم فقط بتصوير الماضي على الشاشة، بل يستعرض أيضًا المساحات والطرق التي نحكي بها تاريخنا، وفي هذا السياق تظهر المتاحف والمحفوظات في مختلف الأنحاء.

عندما تهرب كلير عقب الهزيمة في معركة كولودن، وتعود إلى القرن العشرين، تزور متحفًا خياليًا أقيم بالقرب من ساحة المعركة. وعندما تطالع المعروضات، التي رأت عددًا منها في رحلتها إلى القرن الثامن عشر، تشكو لزميلها الزائر من أن المتحف أساء تفسير الأحداث لتصوير الأمير تشارلز بوني على أنه بطل مأساوي ورومانسي.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد