تمضي الانتخابات البولندية المقبلة حثيثًا لتكون مهزلة، ويجب على واشنطن أن تتعلم من أخطاء وارسو قبل شهر نوفمبر (تشرين الثاني)، موعد إجراء الانتخابات الرئاسية الأمريكية.

نشرت مجلة «فورين بوليسي» تحليلًا عن الانتخابات البولندية المقرر إجراؤها أواخر هذا الأسبوع،لكن هناك خطرًا كبيرًا ألا يكون الاقتراع حُرًا أو نزيهًا. 

ويعد التصويت أثناء الجائحة عملية صعبة، على نحو ما أظهرته الدول الـ 52 التي قررت بالفعل تأجيل الانتخابات الوطنية أو المحلية بسبب فيروس كورونا المُستجد. وتعتبر بولندا واحدة من الدول القليلة التي تمضي قدمًا في إجراء انتخاباتها، وفي ظل مزيج من التحديات اللوجستية المرعبة والمحاولات السافرة من جانب الحزب الحاكم لتحويل الوضع لما يحقق مصلحته الخاصة؛ تتآكل الثقة على نحو خطير في العملية الانتخابية.

تشريع جديد يحقق التمكين السياسي

يشير التحليل إلى أنه في 6 أبريل (نيسان) الماضي، أي قبل شهر من موعد الانتخابات المقررة، قام حزب القانون والعدالة الحاكم (PiS) بتقديم تشريع (جبرًا) إلى مجلس النواب البولندي، البرلمان (الغرفة السياسية الأدنى)، المعروف باللغة البولندية بـ (سيم Sejm)، لإقرار التصويت البريدي على مستوى البلاد.

وخلافًا للولايات المتحدة، حيث تزعّم الديمقراطيون عملية توسيع الاقتراع الغيابي (تمكين الشخص الذي لا يستطيع الحضور إلى مراكز الاقتراع الرسمية أن يدلي بصوته غيابيًا)، تولى الحزب الحاكم في بولندا الدفاع عن التصويت عن بُعد باعتباره فرصته الوحيدة لإجراء الانتخابات في الوقت المحدد. وتم تمرير مشروع القانون في وقت متأخر من الليل وسط مخاوف كبيرة بشأن محتواه، وفي تحدٍ لقرار واضح من المحكمة الدستورية يحظر إجراء تغييرات على القوانين الانتخابية قبل أقل من ستة أشهر من التصويت.

Embed from Getty Images

بولنديون يحملون لافتات لمعارضة تمرير قانون التصويت عبر البريد 

وقرر حزب القانون والعدالة الحاكم المُضِيّ قُدُمًا؛ لأن حليفه المخلص، الرئيس الحالي أندجي دودا، كان يبلي بلاء حسنًا في ما يتعلق بتصويت الناخبين. ويحتاج الحزب إلى دودا في منصبه لإنهاء ما يسميه «إعادة بناء الدولة»، والذي ركز في المقام الأول على إخضاع المؤسسات المستقلة لسيطرته.

وأوقف مجلس الشيوخ (الغرفة السياسية الأعلى)، حيث تتمتع المعارضة بأغلبية ضئيلة للغاية، تبني مشروع قانون التصويت البريدي، مستفيدًا من التفويض المُخوَّل له قانونًا بمناقشة هذا الإجراء خلال 30 يومًا. لكن الحكومة تجاهلت الإجراءات وأمرت سلطات الدولة والحكومات المحلية بنقل بيانات تحديد هوية الناخبين إلى هيئة البريد البولندية والبدء في إعداد بطاقات الاقتراع وطباعتها.

وفي ظل عدم وجود قانون فعلي ساري المفعول، لا تزال البلاد تتأهب لإجراء اقتراع بالحضور في 10 مايو (آيار). وإذا وافق مجلس النواب البولندي على مشروع القانون في اليوم الأخير من فترة المراجعة الممنوحة لمجلس الشيوخ، فلن يكون أمام السلطات سوى أربعة أيام لإبلاغ المواطنين رسميًا بالإجراءات التي جرى تغييرها. ويذكرنا ارتباك اللحظة الأخيرة، وتدخل المحكمة في الأمر، بالتصويت الأولي الذي جرى في شهر أبريل الماضي في ولاية ويسكونسن الأمريكية.

تصويت بريدي بلا خبرة مسبقة

وتعلق المجلة على التصويت البريدي المرتقب قائلة: بصرف النظر عن الصعوبات القانونية، هناك عقبات لوجستية هائلة. فبولندا تفتقر إلى الخبرة في التصويت البريدي واسع النطاق. وسيتعين على هيئة البريد أن تسلم على نحو آمن وسريع أكثر من 30 مليون خطاب (بطاقة) في خضم جائحة فيروس كورونا المُستجد، ويتعين على السلطات التأكد من أن الصناديق المُرتجعة التي يودع فيها الناخبون بطاقات الاقتراع مؤمنة ضد أي عبث أو تلاعب بها.

وفي ظل غياب رقابة كافية، يمكن أن يفتح ذلك الباب أمام التزوير، مثل إفساد بطاقات الاقتراع، بالإضافة إلى مشكلات أخرى، من بينها التصويت العائلي، وفيه يقوم أحد أفراد العائلة بتسليم أصوات الجميع، مما يسمح لهم بالضغط على الآخرين للتصويت بطريقة معينة. وبدا بالفعل أن بعض طرود الاقتراع اختفت، وشوهدت أوراق الاقتراع متناثرة على أحد الأرصفة في وارسو، مما أثار تساؤلات حول تأمين التصويت وقدرة البريد البولندي على إدارته.

علاوة على ذلك، من المرجح أن يُحرَم المواطنون الذين لا يقيمون حاليًا في عنوانهم الدائم، بما في ذلك الطلاب والمغتربين، من حق التصويت، وليس من الواضح ما الذي سيحدث لعشرات الآلاف من الأشخاص الخاضعين للحجر الصحي المنزلي.

دعوات لمقاطعة الانتخابات

يلفت التحليل إلى أن القانون المعلق سوف ينقل السلطة على القضايا الفنية الجوهرية، مثل ما يجب اتخاذه حيال بطاقات الاقتراع غير المختومة أو الكتابة بخط اليد غير المقروء، من اختصاص اللجنة الانتخابية الوطنية غير الحزبية إلى وزارة حكومية. وفي الوقت نفسه، فإن المعارضة غير قادرة على القيام بحملات انتخابية بسبب القيود المتعلقة بالصحة وإجراءات السلامة، بينما يحصل الرئيس دودا على بث مجاني وتغطية مُناسبة من هيئة البث العامة. وقد أدى ذلك إلى دعوات لمقاطعة الانتخابات. وأعلنت مالجورزاتا كيداوا-بلونسكا من منصة الوسط المدني، التي كانت في المركز الثاني (وفق استطلاعات الرأي) حتى شهر مارس (آذار)، أنها لن تشارك في الانتخابات.

Embed from Getty Images

الرئيس البولندي أندجي دودا

ويرى التقرير أن بمقدور الحكومة أن تنزع فتيل الأزمة في أي وقت عن طريق إعلان حالة الطوارئ، بما يتماشى مع دستور البلاد ومع القيود المفروضة المتعلقة بفيروس كورونا المُستجد، الأمر الذي سيؤدي إلى تأخير الانتخابات تلقائيًا 90 يومًا بعد انتهاء حالة الطوارئ. وحتى القانون المقترح المتعلق بالتصويت البريدي يسمح بتأجيل قصير لمدة أسبوع أو أسبوعين.

لكن حالة عدم اليقين الجارية تخلق انطباعًا، كما قال مراقبو الانتخابات الدوليون، بأن «القانون الانتخابي هو ببساطة أداة في أيدي الأقوياء». ولكل هذه الأسباب، فإن المواطنين غير راضين عن نهج الحكومة.

وبحسب استطلاع حديث، يريد 80% من البولنديين تأجيل الانتخابات. ومع ذلك، فإن حزب القانون والعدالة الحاكم يمضي قدمًا (في خططه) لأنه يخشى من أن فيروس كورونا المُستجد والانكماش الاقتصادي المحتمل، والذي سيكون أول ركود في بولندا منذ أوائل التسعينات، سيؤثر سلبًا على شعبيته. لكن نهج (الحكومة) العدواني قد يضر بالحزب على المدى الطويل، وقد دفع التحالف الحاكم بالفعل إلى حافة الانهيار.

دروس من النموذج البولندي لديمقراطيات العالم

يخلص التحليل إلى أنه مهما كانت النتيجة، فإن تجربة بولندا تقدم دروسًا قيّمة للولايات المتحدة والديمقراطيات الأخرى التي تخطط لإجراء انتخابات هذا العام.

أولًا، يجب أن يسعى المسؤولون المنتخبون الذين يؤمنون بالديمقراطية جاهدين إلى إبقاء السياسة الحزبية خارج الإدارة الانتخابية، وغرس ثقة عامة واسعة في نزاهة التصويت قبل الوصول ليوم الانتخابات بوقت طويل. ولتحقيق ذلك، سيحتاج المسؤولون والمشرعون الأمريكيون من كلا الحزبين إلى العمل معًا لتحقيق هذا الهدف استعدادًا للانتخابات المقررة في شهر نوفمبر المقبل. وعليهم أن يقرروا بمنتهى الوضوح دعمهم لقدرة النظام الديمقراطي على تحقيق نتائج نزيهة وشرعية، ومن المُستحسن للغاية أن يكون ذلك من خلال بيانات مشتركة عبر القنوات الحزبية، وعليهم أن يعارضوا أي ادعاءات لا أساس لها من الصحة تناقض هذا الدعم بغض النظر عن الانتماء الحزبي.

ثانيًا، يتطلب التصويت البريدي الآمن والناجح إعدادًا مستفيضًا. وما زال أمام الولايات المتحدة ستة أشهر حتى إجراء الانتخابات العامة، وهو وقت أطول بكثير مما كان لدى بولندا، لكن المهمة التي أمامها هائلة. وتحتاج العديد من الولايات إلى توسيع القواعد لتسمح بالاقتراع البريدي أو الغيابي على نطاق واسع، ويجب دعم هيئة البريد الأمريكية، ومجالس الانتخابات المحلية لتعزيز تعاملهما مع بطاقات الاقتراع.

بالإضافة إلى ذلك، سيكون من الضروري توفير معدات الحماية الشخصية المناسبة وغيرها من الاشتراطات الصحية اللازمة لمواقع الاقتراع لتبقى مفتوحة كخيار لأولئك الذين لا يستطيعون أو يختارون عدم التصويت بالبريد. وينبغي أن يشارك الكونجرس لمساعدة الولايات على تبادل الخبرات بينهم وتزويدها بالموارد اللازمة.

دولي

منذ شهر
«بلومبرج»: أول انتخابات في زمن كورونا.. دروس للعالم من كوريا الجنوبية

وأخيرًا، على الطرفين (الحزبين) أن يتعهدا باحترام نتائج الانتخابات والامتناع عن أي خطاب يشير إلى عكس ذلك. ففي شهر أكتوبر (تشرين الأول) عام 2016، صرح المرشح آنذاك دونالد ترامب أنه قد لا يقبل بنتائج الانتخابات إذا اعتقد أنها قد تكون مزورة، على الرغم من الأدلة القوية على نزاهة الانتخابات الأمريكية والحد الأدنى من التزوير فيها. ومن شأن تصريحات مماثلة من أي من الجانبين في البيئة الأكثر استقطابًا اليوم أن تقوض الثقة العامة في الانتخابات ويمكن أن يكون لها تأثير طويل المدى على قدرة المنتصر على الحكم بفعالية. وإذا كان ضروريًا الاحتكام إلى أي قرارات قضائية لحسم النتيجة، فيجب على كلا الجانبين احترامها.

وتخلُص مجلة فورين بوليسي المهتمة بالتحليلات السياسية إلى أن إجراء انتخابات حرة ونزيهة أمر ممكن خلال الجائحة. لكنها تتطلب إعدادًا فنيًا مُضنيًا، والأهم من ذلك، إجماعًا سياسيًا على الإجراءات الأساسية، وتوافر قيمة ضمان مشاركة جميع الناخبين الذين يحق لهم التصويت. إن الانتخابات هي أساس الديمقراطية الوطيد. ويجب ألا يقوضها شيء، سواء فيروس كورونا المُستجد أو العلل الأكثر استدامة (التي لا تنتهي) الخاصة بالاستقطاب الحزبي.

أعد التقرير زليك كساكي، مدير أبحاث منطقتي أوروبا وأوراسيا في منظمة «فريدوم هاوس» غير الربحية، بالتعاون مع ساره ريبوتشي، نائب رئيس البحث والتحليل في المنظمة نفسها، التي تمولها الحكومة الأمريكية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد