نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية مقالة افتتاحية تطرقت فيها إلى مشكلتي ثقب الأوزون والتغيُّرِ المناخي، وكيف نجح العالم في إيجاد حلٍّ للمشكلة الأولى، بينما يتلكأ في حل المشكلة الثانية؛ على الرغم من أن الأدوات ذاتها التي أصلحت ثقب الأوزون – العلم والابتكار والعمل الدولي – يمكن أن تعالج التغيُرَ المناخي.

في بداية الافتتاحية، ذكرت هيئة تحرير «نيويورك تايمز» أنه «منذ ما يقرب من 50 عامًا، توصًّل ثلاثة كيميائيين هم: ماريو مولينا، وشيروود رولاند، وباول كروتس، إلى أدلةٍ على أن مركَّبات الكلوروفلوروكربون، وهي مواد كيميائية يُرمز إليها بالرمز «CFCs» وتنبعث من بخاخات الهباء الجوي (جزيئات عالقة في الهواء)، كانت تُضْعِف طبقة الأوزون؛ التي تعمل حاجزًا طبيعيًّا بين الأرض وأشعة الشمس؛ لحماية البشر، والحيوانات، والنباتات من الإشعاعات الضارة».

وتابعت الافتتاحية أن «هذا الاكتشاف كان خبرًا مثيرًا هزّ الرأي العام، وانخفضت مبيعات الأيروسول انخفاضًا كبيرًا، على الرغم من معارضة الشركات الكيميائية التي صنعت مركبات الكلوروفلوروكربون، وأضاف الكونجرس في عام 1977م، مهمة حماية طبقة الأوزون إلى مهام وكالة حماية البيئة الأمريكية؛ بموجب قانون الهواء النظيف، ولم يمضِ وقتٌ طويلٌ بعد ذلك، حتى قررت الوكالة أن المُركبات، التي استُخدِمت في ذلك الحين على نطاق واسع في الثلاجات ومكيفات الهواء، وبعض العمليات الصناعية، تشكل تهديدًا للغلاف الجوي أكبر مما كان يُعتقد في البداية، وبعد فترة وجيزة، بدأ الضغط يتصاعد من أجل التخلص التدريجي من مركبات الكلوروفلوروكربون في الولايات المتحدة، وإبرام معاهدة دولية لإيجاد بدائل لهذه المركبات».

اتفاقية ثقب الأوزون التاريخية

ولفتت الافتتاحية إلى أن التحرُّك العالمي أصبح أكثر إلحاحًا في عام 1985م، عندما اكتشف فريق علمي بريطاني ثقبًا في طبقة الأوزون فوق القارة القطبية الجنوبية (أنتاركتيكا)، أعقبه تأكيد من العلماء في وكالة ناسا على وجود صلة بين الثقب ومركبات الكلوروفلوروكربون (CFCs).

ومع انضمام بقية دول العالم، وحتى الهيئات الصناعية، إلى الجهود المبذولة، جرى التوصل إلى بروتوكول مونتريال لعام 1987م، وهو عبارة عن اتفاقية تاريخية تحظر استخدام مركبات الكلوروفلوروكربون وغيرها من المواد الكيميائية التي يُعتَقد أنها مسؤولة عن نضوب طبقة الأوزون.

Embed from Getty Images

هل كانت تلك نهاية القصة؟ ليس بالضبط؛ إذ تبين – دون شك – أن بدائل مركبات الكلوروفلوروكربون الصديقة للأوزون، والمعروفة باسم مركبات الهيدروفلوروكربون، ليست صديقة للمناخ. لذلك اجتمع المُوقِّعون على معاهدة مونتريال مرةً أخرى عام 2016، في العاصمة الرواندية كيجالي، واتفقوا على تعديل البروتوكول الأصلي للتخلص التدريجي من مركبات الهيدروفلوروكربون (HFCs)، وإيجاد بدائل صديقة أكثر للغلاف الجوي.

وأشارت هيئة تحرير الصحيفة الأمريكية إلى أن «خلاصة القول تتمثل في أن العالم، الذي يواجه تهديدين خطيرين للغلاف الجوي الهش الذي يحمي الأرض، شهد استجابتين عالميتين؛ أسفرتا عن نتائج إيجابية؛ ذلك أن طبقة الأوزون تلتئم، ويجدر بنا أن نتذكر ذلك بينما نكافح بيأسٍ في كثير من الأحيان؛ لإيجاد أرضية مشتركة في المعركة ضد التغير المناخي».

ومقارنةً بالتعقيدات المتشعبة للاحتباس الحراري، يُعد التعامل مع مسألة نضوب الأوزون أمرًا بسيطًا نسبيًّا في واقع الأمر؛ لكن النقطة الأساسية هي أنه وقع بالفعل، ويجدر بنا التساؤل عن سبب عدم استجابة العالم لذلك بعزم مماثل لتعامله مع غازات الاحتباس الحراري الرئيسية مثل ثاني أكسيد الكربون؛ والتي عرفنا الكثير عنها منذ فترة طويلة.

«الإنسان سبب عدم الاستقرار»

وتابعت الافتتاحية أنه «في عام 1965، وبعد حصوله على تقرير من لجنته الاستشارية العلمية، طلب الرئيس الأمريكي ليندون جونسون من الكونجرس تمرير قانون للحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وبعد مرور أربع سنوات، وفي مذكرة إلى السياسي والمحامي الأمريكي جون إرليتشمان، حذر مستشار الشؤون الداخلية للرئيس نيكسون، دانييل باتريك موينيهان، الذي أصبح بعد ذلك مساعدًا للرئيس  في السياسة الداخلية، من أن «الإنسان بدأ في جلب عدم الاستقرار» إلى الغلاف الجوي «من خلال حرق الوقود الأحفوري».

وقال موينيهان إنه «من الواضح أن الاحترار الجوي يمثل مشكلةً، وعلى وجه الخصوص؛ ربما تكون مشكلةً من الطراز الذي يمكن أن يستحوذ على مخيلة الأشخاص الذين لا يهتمون عادةً بمشروعات التغيير المرتبطة بفكرة نهاية العالم»، وأوضح موينيهان أنه من الوارد بذلك؛ تخيُّل «جهودٍ بشريةٍ هائلةٍ؛ لمواجهة ارتفاع ثاني أكسيد الكربون (على سبيل المثال، التوقف عن حرق الوقود الأحفوري)».

لم تسفر المعرفة العلمية عن تحركات على قدر هذا التحدي، وكان أحد أسباب ذلك؛ هو عدم وجود ضرر بيئي واضح، حتى وقت قريب.

وفي وقت لاحق، جاءت شهادة جيمس هانسن، عالم وكالة ناسا، المثيرة أمام الكونجرس في يونيو (حزيران) 1988م؛ والتي ربطت بين ظاهرة ارتفاع درجة حرارة الكرة الأرضية والأنشطة البشرية، ارتباطًا يقينيًا بنسبة 99%؛ وهو التأكيد الذي أثار القضية على صدر الصفحة الأولى لصحيفة «نيويورك تايمز»، وحفَّز أيضًا الجهود الدؤوبة التي بذلها مدافعون مثل آل جور؛ لتوضيح العلاقة بين ارتفاع درجات الحرارة، وزيادة تصنيع الوقود الأحفوري، واستخدامه منذ بداية الثورة الصناعية.

واستدركت هيئة التحرير قائلة: «ومع ذلك؛ لم تسفر المعرفة العلمية عن تحركات على قدر هذا التحدي، وكان أحد أسباب ذلك هو عدم وجود ضرر بيئي واضح حتى وقتٍ قريبٍ، يهدد رفاهية الفرد، ويثير الشعور بالحاجة المُلِّحة؛ التي تلهم الجمهور وتدفعه للمطالبة باستجابات تنظيمية، وأدى احتمال وقوع وفيات ناجمة عن السرطان بالآلاف، وحتى بالملايين؛ إلى توقيع بروتوكول مونتريال، وأدى اشتعال النيران في نهر كوياهوجا، ونمو طحالب عملاقة في البحيرات والأنهار، والتلوث واسع النطاق في إمدادات المياه البلدية؛ إلى سن قانون المياه النظيفة عام 1972م».

وفي الوقت ذاته، ساعد الضباب الدخاني المزعج داخل المدن – وهو سيئ جدًّا لدرجة أنك تستطيع تذوقه تقريبًا – بالإضافة إلى زيادة أمراض الجهاز التنفسي، وموت الأشجار أو وضعها على طريق الفناء، والمجاري المائية والبحيرات؛ ساعدت كلُّها في التغلب على التلكؤ السياسي والصناعي وإجراء تعديلات تاريخية في عام 1990م، على قانون الهواء النظيف ونظامه المبتكر للحد من انبعاثات الغازات الدفيئة، وتقليلها من أجل السيطرة على الملوثات الأرضية.

البيئة

منذ سنة واحدة
مترجم: كيف سيقضي التغير المناخي على الرأسمالية في العالم؟

أين الحلول؟

وأردف التقرير أنه «على النقيض من ذلك، ظل يُنظَر إلى السيطرة على التغيّر المناخي لفترةٍ طويلةٍ على أنها بعيدةَ المنال، وهو أمر يجب على الأجيال القادمة أن تقلق بشأنه؛ فيما أظهرت استطلاعات الرأي أن هذه القضية تأتي في مرتبة متدنية في قائمة اهتمامات المشاركين في الاستطلاعات».

بالإضافة إلى ذلك؛ لم تكن هناك حلول تكنولوجية سريعة نسبيًّا لانبعاثات الكربون، كما كان بالنسبة لمركبات الفلوروكربون، وكما كان بالنسبة للملوثات التي عالجتها تعديلات قانون الهواء النظيف لعام 1990م؛ مثل أجهزة التنظيف في محطات توليد الطاقة، والمحولات الحفازة، والوقود الأنظف للسيارات والشاحنات الخفيفة.

Embed from Getty Images

وتضيف الافتتاحية: تتطلب مشكلة الاحتباس الحراري مجموعة كاملة من الحلول؛ بعضها ضخم، كما أدرك ذلك موينيهان منذ نصف قرن؛ بإعداد بدائل خالية من الكربون لإنتاج الكهرباء، وأسطول مركبات كهربائية بالكامل، ووضع حد لإزالة الغابات، وممارسات زراعية صديقة للمناخ، وتغييرات غذائية واسعة النطاق، وربما تقنيات متقدمة لسحب ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي. وإعادة تصور الاقتصاد العالمي تعني محاولة تحويل سفينة كبيرة جدًّا عن مسارها، ناهيك عن حشد التأييد العالمي.

وتابعت هيئة التحرير أنه «على الرغم من تحذيرات الصناعة التي تتوقع الانهيار الاقتصادي، واجهت الجهود المبذولة لحماية طبقة الأوزون وتنظيف المياه والهواء في البلاد حملة إنكار وتضليل شنتها شركة إكسون موبيل، وشركات الوقود الأحفوري الكبيرة الأخرى – تلك الشركات التي تعلم جيدًا ما الذي تفعله منتجاتهم في الغلاف الجوي – لإرباك الرأي العام حول قضية التغير المناخي وإعاقة المحاولات الجادة لمعالجته».

ولم يكن حشد المعرفة العلمية الزائفة هي السبب الوحيد وراء إخفاق تشريع الكونجرس الذي يهدف إلى الحد من تلوث الكربون. وعندما اكتشف بيل كلينتون وآل جور ذلك بعد التوقيع على بروتوكول كيوتو في عام 1997، لم يكن هناك الكثير من الحماسة لدى أي من الجانبين للتوقيع على معاهدة تتطلب بالأساس من أمريكا والدول الصناعية الأخرى تحمل العبء الأكبر في هذا الصدد، مع تخفيف الكثير من العبء عن كاهل دول تتسبب في انبعاثات ضخمة، من بينها الصين والهند. ومع ذلك، لعبت البَلْبَلة التي أثارتها المؤسسات الصناعية بلا هوادة دورًا كبيرًا، لا سيما بين الجمهوريين من حزب الشاي.

هل هناك أمل؟

وتساءلت هيئة تحرير «نيويورك تايمز»: «هل هناك أسباب تدعونا الآن إلى الأمل في اتخاذ إجراءات جادة؟ نعم؛ فهناك مجموعة من التقارير المخيفة صدرت عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ في العام الماضي، وأكدت ضرورة التحرك العاجل قبل أن تخرج الأمور عن السيطرة، وشددت على أهمية التعامل مع مشكلة إزالة الغابات وغيرها من الممارسات الضارة لاستخدام الأراضي، وتناولت أيضًا مشكلة الشعاب المرجانية التي تَنْفُق، وارتفاع منسوب مياه البحر. بالإضافة إلى سلسلة من الكوارث الطبيعية، من بينها حرائق الغابات والأعاصير الكارثية، وأيضًا الانخفاض الحاد في تكلفة إنتاج الطاقة الخالية من الكربون مثل طاقة الرياح والطاقة الشمسية، فضلًا عن المخاوف التي أعلنها جميع المتنافسين للحصول على ترشيح الحزب الديمقراطي للرئاسة، والجهود التي أعلنها المسؤولون الحكوميون والمحليون، لملء فراغ القيادة العالمية الذي خلفه الرئيس ترامب».

وفي ختام الافتتاحية، أوضحت هيئة تحرير «نيويورك تايمز» أن ما يصفه ديفيد دونيجر، خبير المناخ في مجلس الدفاع عن الموارد الطبيعية، بأنها «ضربة مزدوجة من المعرفة العلمية التي لا يمكن دحضها، والتجربة التي لا تقبل الجدل»، أسهم في رفع وعي الجمهور بوضوح، ومنح القضية دفعة قوية على الصعيد السياسي. وإلى جانب كل هذا، يجب إضافة تجربة مونتريال وكيجالي، والكارثة التي لم تحدث بعد».

إنفوجرافيك

منذ سنة واحدة
هذه الأطعمة الشهيرة والحيوانات ستختفي بعد 80 عامًا

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد