المذكرات الجديدة التي كتبها جاكي شان، نجم الكونج فو الأسطوري، تكشف عما احتاج بذله من جهود ليصبح واحدًا من أعظم أبناء هونج كونج.

نشرت مجلة «ذا نيو ريببلك» الأمريكية نصف الشهرية، التي تهتم بالسياسة والفنون، تقريرًا أعده المحرر ريو سبيث عرض فيه مذكرات جاكي شان التي صدرت مؤخرًا تحت عنوان «لا تتقدم في السن أبدًا Never Grow Up»، وكتبها شان بالمشاركة مع الناشر.

في مذكراته، يتحدث الفنان الذي ولد في هونج كونج عن حياته وصراعه مع الفقر والتهميش الاجتماعي حتى أصبح من أشهر فناني العالم وأكثرهم ثروة. ويكشف الكتاب عن جوانب خفية في حياة جاكي شان، ويوضح وجهة نظره التي تبدو غريبة في نظر البعض حول الاحتجاج والحرية وعلاقته بالصين وهونج كونج.

لا شك أن هناك العديد من الطرق لرواية قصة جاكي شان. إنه وريث تشارلي شابلن وباستر كيتون، صاحب الحركات الهزلية المتألقة، التي تترك المشاهدين في حالة من التعجب الضاحك. إنه أيضًا وريث بروس لي، فإذا كان بروس لي حطم الصور النمطية القديمة عن الرجل الآسيوي باعتباره ضعيفًا ورعديدًا، فقد أعاد جاكي شان اختراع هذه الصورة مرة أخرى، حين قدم عبر عشرات الأفلام شخصية متماسكة كانت شبه طفولية تقريبًا في بهجتها، معروفة بابتسامتها الغامزة بقدر ما هي معروفة بغضب لكماتها.

وقبل أن يجعله فيلم «Rumble in the Bronx» من إخراح عام 1995 اسمًا مألوفًا في أمريكا، كان صانع أفلام لا يشق له غبار، وكان تسلسله القتالي المفصل وحركاته المثيرة التي تستدعي أشباح الموت، هي أهداف لدراسة متفانية أعدها ستيفن سبيلبرج وجيمس كاميرون. كما ساعد شان في إدخال فنون القتال إلى التيار السينمائي السائد في هوليوود، بحيث أصبح كل بطل تقريبًا من أبطال أفلام الحركة والإثارة الأمريكيين، من جيسون بورن وحتى النمر الأسود، يفاخر الآن بوجود عناصر من الكاراتيه أو المصارعة اليابانية في قائمة مهاراتهم القتالية. واكتمل هذا الانتقال بشكل رمزي في فيلم «ماتريكس»، عندما يفتح كيانو ريفز عينيه، بعد أن قام بتنزيل برنامج قتال إلى دماغه، ويهمس باحترام، «أنا أعرف الكونج فو».

من ابن طباخ إلى أشهر فنان صيني

يوضح كاتب التقرير أن هذه الجوانب من أسطورة جاكي شان موجودة جميعها في مذكراته الجديدة، «لا تتقدم في السن أبدًا Never Grow Up»، باعتبارها خيوطًا لقصة خرافية للصعود من الفقر إلى الثراء الفاحش. وهو ابن طباخ وخادمة منزلية – أي «طفل خادم»، كما كان يطلق عليه بسخرية – ولكنه ارتفع من لا شيء تقريبًا ليصبح أشهر فنان صيني على وجه الأرض.

Embed from Getty Images

في مقدمة الكتاب، يتجسد انتصاره العالمي في حصوله على جائزة أوسكار لإنجازه مدى الحياة في عام 2016، وهي المرة الوحيدة على الإطلاق التي تمنح فيها الجائزة لسينمائي صيني. (يحمل غلاف الكتاب صورة له وهو يحمل التمثال الذهبي وعيناه مغلقتان كما لو كان يتلو صلاة). ومثل كل قصص الصعود من القاع إلى القمة – سواء كان «Daddy Warbucks» حيث ينقذ اليتيمة الصغيرة آني، أو المتشرد الهندي الذي يصبح مليونيرًا – تعد قصة شان في نهاية المطاف حكاية عن المكان الذي ولد وترعرع فيه وترك فيه أولى بصماته: وهي هونج كونج، التي تحولت على مدار حياته من آخر موقع هام للإمبراطورية البريطانية إلى مكان غامض على تخوم الصين الصاعدة.

ويقدم كتاب «لا تتقدم في السن أبدًا»، بطرق غير مقصودة في الغالب، طريقة أخرى لرواية قصة جاكي شان. إنها قصة تتعلق بالاستعمار والرأسمالية والأساطير التي نبنيها لتبرير العيش في ظل كليهما.

عندما ولد شان في عام 1954، كانت هونج كونج تتحول بسرعة إلى ملاذ للصينيين الذين يفرون من الحكم الشيوعي على البر الرئيسي. كانت الدولة-المدينة الصغيرة، التي تبلغ مساحتها الكلية 400 ميل مربع، تاريخيًا بمثابة موطئ قدم للتجار الأوروبيين الذين يسعون للوصول إلى السوق الصينية، كما تروي المؤرخة جان موريس في كتابها هونج كونج. غير أنه بعد تولى ماو وعصابته السيطرة على مقاليد الأمور في عام 1949، انتهت التجارة الغربية مع الصين وأصبحت هونج كونج محورًا لذاتها، ومركزًا لكل من القطاع المالي والصناعي، وتحولت في نهاية المطاف إلى رمز عظيم لقوة توليد الثروة في الرأسمالية على أعتاب أكثر الدول الشيوعية من حيث عدد السكان في العالم. وفي الوقت الذي كانت تعاني فيه الصين من المجاعة والاضطرابات السياسية والخطط الخمسية البائسة واحدة تلو الأخرى، صعد في سماء هونج كونج عدد لا نهاية له من ناطحات السحاب، التي بدت وكأنها تلقي بظلالها الممتدة الساخرة على جارتها العملاقة.

الفرار من الاضطهاد السياسي والبحث عن عمل

كان والدا جاكي شان، الفاران من الاضطهاد السياسي والباحثان عن عمل، من بين العمال المهاجرين الذين شكلوا العمود الفقري لاقتصاد هونج كونج في عقود ما بعد الحرب مباشرة. هبط آل شان على فيكتوريا بيك، وهو حي فخم تحتضنه التلال ويسكنه الأثرياء والدبلوماسيون الأجانب. (أصبح معروفًا الآن باعتباره موقعًا سياحيًّا، حيث يمكن للمرء أن يبدأ جولته لمشاهدة تضاريس هونج كونج الشهيرة من الأعلى، وهو بمثابة وعاء صاخب من الخرسانة والزجاج مقام على حافة المرفأ). كانت هونج كونج مهمة جدًا لآل شان؛ لدرجة أنهم ضمنوها في الاسم الذي أطلقوه على ابنهم الوحيد: شان كونج سانج، وهو ما يعني «ولد في هونج كونج».

«كان الناس في القنصلية يعاملوننا معاملة حسنة، ولكن منذ البداية، كنا في عالمين مختلفين».

كانت وطأة الحكم البريطاني خفيفة في هونج كونج، على الأقل مقارنة بمكان مثل نيودلهي، التي حملت إداريًا وثقافيًا البصمة العميقة للإمبراطورية. لكن شان كان على دراية بالديناميكيات العنصرية للاستعمار. إذ كان والداه يعملان في القنصلية الفرنسية، وكتب «باستثناء أنه ليس لدينا منزل رائع يطل على الشارع. كان منزلنا متهالكًا وصغيرًا وعالقًا في الخلف. كان الناس في القنصلية يعاملوننا معاملة حسنة، ولكن منذ البداية، كنا في عالمين مختلفين».

أصبح مفتونًا بفتاة تدعى صوفي، الابنة «الجميلة جدًا» للقنصل الفرنسي، وكان يتصدى للأولاد الذين يضايقونها، حتى أنه في مرحلة ما سحق ولدًا هو ابن لمسؤول فرنسي. وقام والد شان، الذي شعر بالرعب من أن يفقد وظيفته، بضرب شان الصغير بالحزام، وحبسه في سقيفة لساعات، ثم أجبره على الاعتذار للصبي وعائلته.

من الصعب تحديد مدى التأثير الذي أحدثته هذه التجارب على شان، لأن كل حلقة من هذه المذكرات، حتى الأكثر إثارة للشعور بالصدمة، تُروى بمرح شان الذي لا يعرف الكلل، والتي تظهر مع مضينا في الكتاب كما لو كانت آلية وقائية، وهي بمثابة درع من البهجة. هناك أيضًا إحساس عام بالنجاح الهائل الذي سيأتي، والذي يلقي وهجًا حتى على تلك اللحظات التي كان فيها شان في أصعب أوقاته، قابعًا إلى جانب أكياس القمامة في تلك السقيفة المعزولة. فكل محنة هي نقطة انطلاق للنجومية الفائقة التي ستضفي الشرعية على كل ما حدث من قبل، بدلًا من التمعن في الطرق التي يمكن أن تفسد بها حياة شخص ما لكونه فقيرًا وصينيًا في مدينة استعمارية في الخمسينيات من القرن الماضي.

10 سنوات من التدريب الإلزامي

تتجلى هذه النقطة العمياء بشكل خاص عندما يكتب جاكي شان عن تجربة التكوين الحاسمة في حياته: عندما كان في السابعة من عمره، أخرجه والداه من المدرسة وألحقاه بأكاديمية الصين للدراما، التي كانت تنتج فنانين لدور الأوبرا في بكين وغيرها من وسائل الترفيه الأخرى. وقّع آل شان، اللذان كانا سيغادران هونج كونج بعد ذلك بفترة قصيرة متوجهين للعمل في أستراليا، عقدًا مدته 10 سنوات مع الأكاديمية، ليسلما ابنهما لحياة من العبودية الملزمة.

لم يتلق أي تعليم تقريبًا، ولا حتى حول أساسيات القراءة والكتابة والحساب، وعندما أصبح غنيًا لأول مرة، واجه صعوبة في توقيع اسمه على إيصالات بطاقات الائتمان.

ويشير الكاتب إلى أن شان على مدى 10 سنوات كان يتدرب طوال اليوم، من الساعة الخامسة صباحًا حتى الساعة 11 مساءً، تتخللها استراحات لتناول الغداء والعشاء. وجنبًا إلى جنب مع الأولاد الآخرين، كان ينام على حصيرة رقيقة، مبسوطة على سجادة مغطاة بالعرق والبصاق والبول. وعندما كان يسيء التصرف؛ كان يُضرَب بالعصا. وعندما كان يمرض؛ يُطلَب منه أن يتحمل المرض ويستمر في التدريب على الكونج فو. لم يتلق أي تعليم تقريبًا، ولا حتى حول أساسيات القراءة والكتابة والحساب، وعندما أصبح غنيًا لأول مرة، واجه صعوبة في توقيع اسمه على إيصالات بطاقات الائتمان. (لذلك شارك في كتابة مذكراته مع الناشر). لقد كان، في الواقع، كتلة بشرية نشطة، يجري اقتيادها كلما احتاج إنتاج أوبرا بكين إلى مغنٍ أو راقص أو لاعب أكروبات. وعندما بدأ يبحث عن عمل في مجموعات أفلام في سن المراهقة، كان سيده يحصل على 90 في المئة من راتبه.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
كيف تحولت هونج كونج من جزيرة مهجورة إلى أحد أهم مراكز العمال في آسيا؟ 

كان شان عالقًا في الطبقة الدنيا الكبيرة لاقتصاد هونج كونج الكبير، والتي ما زالت حتى يومنا هذا مزدحمة بالعمال ذوي الرواتب المنخفضة من جميع أنحاء العالم الذين يعيشون مكدسين فوق بعضهم البعض في شقق كئيبة بحجم التوابيت. ومع ذلك، فإن الإحساس السائد في هذه المذكرات هو أن انعدام المساواة الواضحة في أكاديمية الدراما الصينية بشكل خاص وهونج كونج على نطاق أوسع كانت تتضاءل إلى جانب الفرص المذهلة التي أتاحها لشخص نكرة مثل شان كونج سانج. وهو يصف تلك السنوات العشر بأنها «عقد الظلام»، لكنه يضيف: «في تلك السنوات العشر أصبحت أنا جاكي شان».

يضيف الكاتب: بعبارة أخرى، فإن ما أقرؤه أنا على أنها قصة وحشية للاستغلال وسوء المعاملة يُقصد منها أن تكون حكاية ملهمة، وشهادة ليس فحسب على قوة تحمل شان الشخصية، بل أيضًا على تمسكه بأخلاقيات معينة. في الواقع، في حالة شان، فإن أسطورة الرجل الذي صنع نفسه بنفسه، والمبنية على العمل الشاق والتضحية، قد وصلت إلى أقصى درجاتها، لأن الشيء الذي يضحى به عن طيب خاطر مرارًا وتكرارًا، وعامًا بعد عام، هو جسده.

ساهمت أكاديمية الدراما الصينية بشكل أساسي في نجاح شان بثلاث طرق: سهلت له إقامة صداقات مدى الحياة مع زملائه الفنانين، مثل سامو هونج، الذي كان يساعده في الحصول على وظائف في الأيام الأولى، ثم شارك في التمثيل في بعض أفلامه الأكثر شهرة. كذلك أعدته الأكاديمية للقيام بالأعمال البهلوانية المثيرة ودربته على فنون القتال، التي كانت بطاقات الاتصال بالنسبة له في صناعة السينما في هونج كونج. وحولت جسده إلى أداة يمكنها تحمل مقادير هائلة من الألم.

الحركات المثيرة والقفزات

جاءت أحد التغيرات الأولى عندما طلب المخرج حركة محفوفة بالمخاطر – قفزة إلى الأسفل من شرفة عالية – دون وجود سلك ليتلقف الرجل إذا ما فشلت الحركة. ورفض منسق المشاهد السماح لأي من رجاله بأداء الحركة. عندئذ تطوع جاكي شان، وكسر ما كان بمثابة إضراب عمالي يتعلق بهذا الأمر. وسأله المنسق «ماذا دهاك؟ هل سئمت الحياة؟». لكن شان أنجز الحركة مرتين، ليرسخ سمعة باعتباره شخصًا جريئًا. وعندما بدأ يمثل في أفلامه الخاصة، أصبحت الحركات المثيرة الأصلية إحدى سماته المميزة، إلى جانب مظهره الكوميدي، وهو ما بلغ الذروة في فيلمه «Drunken Master» الذي أخرج في عام 1978.

Embed from Getty Images

يقول للقراء: «أنا دائمًا أؤدي الحركات المثيرة الخاصة بي، بغض النظر عن مدى خطورتها». ومع هذه الحركات جاءت العشرات من الإصابات، والتي كان يعرضها بعد ذلك على الجماهير بعد انتهاء الفيلم. وشملت هذه الإصابات سقوطًا كارثيًا أثناء تصوير «(Armour of God (1986» أوشك أن يودي بحياته.

كسور في الأنف والفك والكاحل والجمجمة

في مذكراته، يحكي جاكي شان بفخر أجزاء الجسم التي تحطمت خلال حياته المهنية: الأنف والفك والكاحل والجمجمة. ويكتب عن المتاعب التي تسبب فيها عمله «أحيانًا ما تتعرض ساقي للخلع أثناء استحمامي. أحتاج إلى مساعدي ليساعدني على إعادتها إلى مكانها ثانية». ويقدم شان هذا دليلًا على تفانيه في الحرفية. وهو أيضًا ما يجعله استثنائيًا، لا تألقه أو ابتسامته أو أي صفات أخرى، ولكنها رغبة شبه مازوخية تقريبًا في المخاطرة بحياته من أجل الكاميرا.

أصبحت تلك الأفلام البارزة، المليئة بالقفزات المستحيلة من قمم المباني وغيرها من أشكال التماس مع الموت، هي السمة المميزة لأفلامه، وهي مشاهد تعلق بالذاكرة أكثر من حبكة الفيلم أو الشخصيات. وبحلول الوقت الذي صور فيه رامبل في برونكس خلال التسعينيات، كانت غرائب ​​شان تمثل الإمكانيات الهائلة لما يمكن أن يفعله الإنسان على الشاشة، وسرعان ما يتم تجاوزه بواسطة الصور المنشأة بالكمبيوتر، ولكن عند قراءتها بوصفها قصة نجاح في هونج كونج، فإنه يترك الانطباع المؤسف أن الطريقة الوحيدة للنجاح في هذه المدينة هي أن تقتل نفسك حرفيًا تقريبًا بالإفراط في العمل.

إنه لأمر مخز أن شان غير قادر في كتابته على استحضار السحر البهيج لمشهد قتال جاكي شان. غالبًا ما يعمل المقاتلون في مساحة ضيقة بشكل غير مناسب، مع وجود عدد قليل من الدعائم التي إما أن يتغير وضعها أو يتم تحطيمها تمامًا، بحيث تتغير المساحة بطرق مفاجئة، كما لو كان هناك بعد غير متوقع للواقع يتكشف باستمرار أمام عينيك.

من العار أيضًا أن شان لا يقول الكثير عن أسلوبه في صناعة الأفلام في هونج كونج كما يظهرها، على سبيل المثال، ليست هي هونج التي يبرزها جون وو (الذي كان رائدًا في جمالية أفلام الحركة المثيرة التي قلدها كثيرًا كوينتن تارانتينو) أو وونج كار واي (جميع الزوايا الحادة والانعكاسات والإضاءة القاسية، حيث تكون حتى قطرات المطر براقة بفعل أضواء النيون). إنه شيء أكثر وضوحًا، وأكثر مباشرة، وحتى قبيحًا بعض الشيء: سماء رمادية حليبية، وتصميمات داخلية مكتبية باهتة، ومبان سكنية متماثلة بيضاء ترتفع من التلال الخضراء بموازاة السياج المنتظم. ينبع السحر الرئيسي لهذه الجمالية، مثل الصورة الصفراء، من العمر، إذ يعيد تاريخ هونج كونج إلى لحظة معينة في الثمانينيات وأوائل التسعينيات، عندما كانت في ذروتها وتتطلع إلى تسليمها إلى الصين في عام 1997 بقدر متساو من الأمل و الخوف.

القصة الحزينة عن حياته الناجحة للغاية

يُترك القارئ ليس مع عامل تذكير بعبقرية جاكي شان، بل بالقصة الحزينة عن حياته الناجحة للغاية. إنها قصة استعمارية قديمة، ساكن الأقاليم البسيط الذي أصبح دنيويًا، رغم أنه في حالة شان، لم يتطور بما يتجاوز كونه أصبح محدث نعمة مهرجًا، على حد وصف الكاتب.

Embed from Getty Images

يكتب عن ذلك بمعنوياته العالية المعتادة: «كيف يكون شعورك وأنت تنتقل من كونك مفلسًا تمامًا إلى كونك مليونيرًا، عمليًا بين عشية وضحاها؟ أن تنتقل من كونك خاسرًا غير متعلم إلى كونك نجمًا مشهورًا؟ كان أمرًا رائعًا!». إنه يشرب طوال الوقت. إنه يدمر السيارات باهظة الثمن ويشتري سيارات جديدة. وينفق الملايين من الدولارات على الساعات الفاخرة، ويطارد النساء الجميلات، ويرخص علامة جاكي شان لنبيذ أسترالي. بعد أن قام ببطولة فيلم «Rush Hour» مع كريس تاكر في عام 1998، أصبح نجمًا أصيلًا في أمريكا، حيث قام بإنتاج سلسلة من أفلام الحركة الكوميدية من منتصف العمر إلى الشيخوخة، مما جعله أكثر ثراءً وشهرة.

يتزوج ويرزق بطفل – يدعى جيسي، أي الأحرف الأولى من اسمه JC – لكنه لا يكاد يرى عائلته لأنه يعمل باستمرار. (ولديه أيضًا طفل خارج نطاق الزوجية على الرغم من أن هذا لا يستدعي سوى عقوبة مرتجلة). يصبح في أقصى حالات الإدراك عند مناقشة إدمانه للعمل. ويكتب «عندما كنت صغيرًا، نظر الناس إليّ باحتقار، وعندما كنت شابًا بالغًا، عشت في فقر. وعندما وجدت النجاح أخيرًا، كنت مدفوعًا بأن أقدم للعالم فيلمًا جيدًا تلو الآخر، كي أظهر للجميع ما استحقه». إنه غني بما يتجاوز أكثر أحلامه جموحًا، لكنه غير قادر على التخلص من الشاب المسكين الذي يسكن بداخله منذ صغره، وهو شخص يتحرق إلى العمل ويخشى الهاوية التي يمكن أن تنفتح عند قدميه في أي لحظة. وفقره هو الجرح الذي لا يندمل أبدًا.

وجهات نظر سياسية غريبة

ويتوقف الكاتب في عرضه للكتاب عند مواقف شان السياسية، ويلفت إلى أن تلك التجارب الأليمة التي مر بها في حياته لم تترجم إلى سياسة متعاطفة. فيما استوعبت الصين هونج كونج، وأصبحت مدن البر الرئيسي تنافس هونج كونج في الثروة والقوة، تمسكت المدينة بالسمة الوحيدة التي جعلتها بالفعل مستعمرة بريطانية، وهي أنها لم تكن ديمقراطية. ويبدو أن شان يرغب في إبقائها على هذا النحو، حيث يعتبر الحركة الديمقراطية في هونج كونج وصمة في شهرتها المبنية على التجارة والنظام الخالي من الاحتكاك. وشكا في عام 2012 من أن «هونج كونج أصبحت مدينة احتجاج. الناس يوبخون قادة الصين، أو أي شيء يحلو لهم، ويحتجون على كل شيء».

«يحتاج الشعب الصيني إلى السيطرة عليه، وإلا فإن الناس سيفعلون ما يريدون».

وفي عام 2009، قال: «لا أعرف ما إذا كان من الأفضل أن تكون هناك حرية من عدمها. مع الكثير من الحرية، يمكن أن يحدث الكثير من الفوضى. قد ينتهي الأمر كما هو الحال في تايوان». وأضاف: «يحتاج الشعب الصيني إلى السيطرة عليه، وإلا فإن الناس سيفعلون ما يريدون». في الواقع، فإن نموذج الصين الاستبدادي الرأسمالي، حيث يتطلع أكثر من مليار شخص إلى قضاء بعض الوقت في دور السينما، هو نموذج يناسب جاكي شان بشكل جيد للغاية. لقد نقل قاعدة عملياته إلى بكين وأصبح نوعًا ما من سفراء القوة الناعمة للحزب الشيوعي، وصنع أفلامًا ذات توجه قومي مع شركة إنتاج في البر الرئيسي.

وإذا كان شان يمثل يومًا ما يمكن لمواطن في هونج كونج أن يفعله مع قليل من الجسارة وقليل من الحظ، فإن مذكراته المتوثبة بلا كلل تقدم رسالة مختلفة: الحياة صعبة، لذلك يجب أن يكون المرء أكثر صلابة. إنها روح ربما كانت موجودة طوال الوقت. إن فليم «Police Story» الأول (1985)، وهو أحد أفضل أفلامه، يختتم بمشهد قتال ملحمي في متجر ضخم، ذلك الرمز المتغلغل للاقتصاد الاستهلاكي في هونج كونج. على خلفية من الملابس الراقية والمجوهرات والإلكترونيات، يقاتل شان مجموعة كاملة من الأشرار، حيث يقذفهم ليرتطموا بدمى عرض الملابس ويتدحرجون على السلالم المتحركة. هناك زجاج محطم في كل مكان حيث ترتطم الأجسام بنوافذ العرض وواجهات المحلات. عند نقطة ما، لسبب غير مفهوم، تظهر دراجة نارية، تتقدم لاختراق المزيد من ألواح الزجاج. وعندما يبدو أن رئيس العصابة على وشك الهروب، يقفز شان من أعلى طابق في المتجر إلى عمود عملاق مزين بالأضواء، وينزلق طوال الطريق الى أسفل في دوامة من الشرر الكهربائي. (في مذكراته يكشف أنه صرخ بعبارة «أنا أموت!» أثناء قفزه). يصطدم بالمزيد من الزجاج في الأسفل، وفي حركة واحدة غير متقطعة ينهض ويستمر في القتال.

يعلق الكاتب في نهاية عرضه قائلًا: يظل ذلك المشهد مذهلًا، إذ يجمع بين كل ما يحبه الجمهور عن جاكي شان: الحركات الرياضية، والأعمال الجسورة، وفعل الخير لكل إنسان. ولكن هناك شيء مقلق حول هذا الموضوع، أيضًا، هو: الطريقة التي يدمر بها شان هذا المركز التجاري ويدمر نفسه أيضًا. كان هناك دم على وجهه، على أي حال، وهذا الدم حقيقي.

دولي

منذ 9 شهور
احتجاجات هونج كونج ليست الأولى.. تاريخ التمرد ووقائع الثورة في الإقليم الصيني

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد