يميل السياسيون الفلسطينيون عادةً إلى تجاهل انتهاء المدة المقررة لبقائهم في مناصبهم. يسري هذا بالأخص على الحركتين الرئيسيتين: حركة فتح العلمانية اسمًا، والتي تُدير المناطق الواقعة تحت السيطرة الفلسطينية في الضفة الغربية، وحركة حماس الإسلامية، والتي تُسيطر على قطاع غزة.

لكن يبدو أن السياسة الفلسطينية على وشك أن تشهد العديد من التحوّلات في الفترة القادمة، مع انتخاب «يحيى سنوار» قائدًا مستقبليًّا لحركة حماس في غزة، وتصعيد «محمود العالول» ليُصبح أول نائبٍ للرئيس في تاريخ حركة فتح. كيف ستغيّر هذه الدماء الجديدة من السياسة الفلسطينية؟ هذا ما يتعرّض له تقرير «جرانت راملي» بمجلة «فورين أفّيرز».

عبقرية «عباس»

لأعوام، طالب الحُلفاء والخصوم «محمود عباس»، رئيس السُلطة الوطنية الفلسطينية، وقائد حركة فتح، بتعيين نائبٍ له، والبدء في التخطيط لانتقالٍ مستقرٍ للسلطة، إلا أنّ عباس البالغ من العمر 81 عامًا لطالما رفض اتخاذ تلك الخطوة.

قضى عبّاس فترته الرئاسية (المُنتهية الآن) في ترسيخ قبضته على السلطة، وإقصاء خصومه وإضعافهم، بحيث لا يشكّلون أي خطرٍ على مقعده. يذكّر «راملي» بمؤتمرٍ لحركة فتح في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، عندما انتشرت الشائعات عن انشقاقاتٍ داخلية في حركة فتح قبل المؤتمر. وكانت ردة فعل عباس أن منع الساعين إلى الانشقاق من حضور الاجتماع، واستخدم الانتخابات الداخلية للحركة في «تطهيرها» من خصومه.

تصعيد «محمود العالول» البالغ من العمر 66 عامًا إلى منصب نائب رئيس حركة فتح يعكس عبقرية تكتيكية من جانب عباس، وفقًا للتقرير. العالول من أعضاء فتح، ومُحاربي جناحها العسكري القُدامى، وكان مسؤولًا عن خطف ستة جنودٍ إسرائيليين في لبنان. في التسعينات، عمل العالول محافظًا بالضفة الغربية، وهو يشغل الآن منصب مفوض التعبئة والتنظيم في حركة فتح –منصبٌ يضطلع بتنظيم النشاطات الشعبية للحركة– كما يُنظّم التظاهرات ضد إسرائيل، وتكرّر مديحه لـ«المقاومة» المسلّحة للاحتلال.

عبقرية عبّاس تكمُن في أن العالول تاريخه يسمح بتوليه رئاسة الحركة فيما بعد، لكن يعوزه النفوذ اللازم لتحدّي سلطة عباس مباشرة. بالإضافة إلى ذلك، تصعيد العالول يُقصي المرشّحين الآخرين لتولي رئاسة الحركة. الأول هو «مروان البرغوثي»، والذي يقضي أحكامًا عدّة بالسجن في السجون الإسرائيلية لتنظيمه عددًا من الهجمات «الإرهابية» خلال الانتفاضة الثانية، لكنّه يُمارس نشاطه السياسي من داخل السجن، والثاني هو «جبريل رجوب»، والذي خدم في القوات الأمنية الفلسطينية بالضفة الغربية. كلاهما عضوٌ بلجنة فتح المركزية. وفي حين هاجمت زوجة البرغوثي قادة فتح لعدم اختيارهم زوجها نائبًا لعباس، كان رجوب أكثر حِنكة، والتقط صورة مع العالول إظهارًا لموافقته، لكن مُغادرة عبّاس قد تُشعل المنافسة بين الثلاثة، وأي طامحٍ آخر في مقعد السلطة، منافسة من المُمكن أن تتسم بالعنف.

حماس

على الجانب الآخر، شهدت حماس تغيّرات موازية تمثّلت في النتائج الجزئية لانتخاباتها الداخلية السرية في غزة، والتي أُعلنت في منتصف فبراير (شباط). يقول جرانت: «إن كان أحدٌ يستطيع جعل حركة حماس أكثر تطرّفًا مما هي عليه، فهو يحيى سنوار».

سنوار من مُحاربي «كتائب القسام»، الجناح العسكري لحماس، وقضى 20 عامًا في السجن عقابًا على تنسيق عددٍ من الأنشطة الإرهابية. جاء إطلاق سراحه في 2011 جُزءًا من مُقايضة أكثر من ألف سجين فلسطيني بالجُندي «جلعاد شاليط» الأسير لدى حماس، وأصبح لاحقًا ممثل الجناح العسكري في المكتب السياسي للحركة. تشدّد سنوار دفع به إلى الاعتراض على شروط استبدال السُجناء الذي حرّره من السجن، ويُقال إنّه قد قتل العشرات من مسلحي حماس لتعاونهم مع إسرائيل.

لأعوام، اتسّمت العلاقة بين الجناحين العسكري، والسياسي لحماس بالانقسام، وزاد من حدّة هذا الانقسام الخلافات بين قادة الحركة في غزة، وقادتها في المنفى. ولطالما حاز الجناح السياسي الأفضلية، إلا أنّ كتائب القسّام بدأت في الأعوام الأخيرة تنفّذ عملياتٍ متزايدة دون انتظار موافقة الجناح السياسي. عندما اختطف أعضاء القسّام ثلاثة مراهقين إسرائيليين في 2014، أنكر مشعل في البداية مُشاركة حماس، قبل أن يعترف بأنّ القسام لم تُبلغه قبل تنفيذ العملية.

يحلّ سنوار مستقبلًا محل «إسماعيل هنية»، قائد الحركة الحالي في قطاع غزة. ومن المُحتمل أن يُستبدل هنية بـ«خالد مشعل»، رئيس المكتب السياسي للحركة. صعود سنوار من المُحتمل أن يكون إشارة إلى اقتراب التغلّب الكامل للجناح العسكري على السياسي، كما يرفع من احتمالية صدامٍ آخر بين حماس، وإسرائيل. ورغم أن تقديرات مسؤولين بالجيش الإسرائيلي تُشير إلى أن أهل غزة لا طاقة لهم بجولةٍ جديدة من العنف، فإن حماس قد أعادت تجهيز ترسانتها إلى مستويات ما قبل حرب 2014، وتتحكّم حاليًا بخمسة عشر نفقًا على الأقل إلى الداخل الإسرائيلي، استعدادٌ عسكري كان سنوار المسؤول عنه، بصفته ممثل القسّام في الجناح السياسي.

تُضخّ تلك الدماء الجديدة في الحياة السياسية الفلسطينية في لحظةٍ قابلة للاشتعال، مع إدارة ترامب الجديدة في الولايات المتّحدة، وتراجع احتمالات الوصول إلى اتفاقية سلامٍ مُثمرة. عبّاس على وجه الخصوص في موقفٍ صعب، إذ تتعرّض حكومته لاتهاماتٍ من أعضاء الحركتين بالخيانة، والعمالة، وتضييع الوقت، بينما الإسرائيليون يُوسّعون مستوطناتهم، اتّهامٌ وجّهه له مؤخرًا «محمود الزهار» من حماس. وبدون أفقٍ لحلٍّ دبلوماسيّ في الضفة الغربية، أو تحسّنات إنسانية في غزة، ربّما يلجأ الأعضاء الأكثر عُنفًا في الحركتين إلى تقديم حلولهم البديلة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد