قال عمر رحمن في تحليل نشرته مجلة «فورين بوليسي» إن حكومة محمود عباس غير المنتخبة وغير الشرعية أصبحت تلجأ إلى العنف على نحو متزايد، لكن سخاء واشنطن يبقيها في السلطة.

وأوضح رحمن أنه في فجر 24 يونيو (حزيران)، اعتُقل نزار بنات، أحد أشد منتقدي السلطة الفلسطينية، من منزله في مدينة الخليل بالضفة الغربية. وبحسب أسرته، داهم أكثر من 20 ضابطًا أمنيًّا في السلطة الفلسطينية المنزل وضربوا بنات بشدة بالهراوات المعدنية وأعقاب البنادق أمام زوجته وأطفاله الصغار قبل احتجازه. وبعد أقل من ثلاث ساعات، أعلنت وفاته.

سلطة مُتآكلة

أشعلت الحادثة عاصفة من السخط الشعبي على السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس، مع مظاهرات كبيرة في الشوارع في الخليل ورام الله – مقر السلطة الفلسطينية – للمطالبة بإطاحته. وردت قوات الأمن على الاحتجاجات بمزيد من العنف لكنها لم تتمكن من تهدئة الاستياء المتصاعد من السلطة التي يقودها عباس.

Embed from Getty Images

يشير رحمن إلى أن اعتقال بنات وقتله لم يكن حادثة منعزلة. كان الراحل هدفًا ثابتًا للسلطة الفلسطينية لانتقاده إخفاقات قيادتها المتكررة، لكن وفاته تأتي وسط حملة قمع أوسع للمعارضة في جميع أنحاء الضفة الغربية بدأت في أواخر أبريل (نيسان). قبل أيام من مقتل بنات، اعتقل مسؤولو الأمن ناشطًا حقوقيًّا بارزًا آخر من الخليل، عيسى عمرو، بحجة أنه أهان مسؤولين حكوميين – نوع التهمة «الأورويلية» الشائعة في الدول البوليسية.

يبدو أن موجة القمع جاءت ردًّا على التآكل السريع في الدعم للسلطة الفلسطينية، ولحركة فتح التي تهيمن على مؤسساتها، ولعباس البالغ من العمر 85 عامًا الذي يترأسها. وبينما شعبيته آخذة في الانخفاض لسنوات، فإن القرار الأخير الذي اتخذه عباس بإلغاء الانتخابات البرلمانية المرتقبة والتي كان من المقرر إجراؤها في 22 مايو (أيار) – وهي الأولى منذ 15 عامًا والتي ترشح بنات فيها – فضلًا عن ضعف السلطة الفلسطينية في مواجهة عمليات التهجير الإسرائيلي القسري للعائلات الفلسطينية من منازلهم في القدس الشرقية واقتحام الحرم القدسي خلال شهر رمضان المبارك – إلى تراجع شعبية السلطة الفلسطينية إلى مستويات غير مسبوقة.

يستعرض الكاتب نتائج استطلاع حديث أجري في يونيو أظهر أن 14% فقط من الفلسطينيين يؤيدون قيادة فتح وهو سقوط مذهل للفصيل الذي قاد الحركة الوطنية الفلسطينية منذ الستينيات. ويوضح الكاتب أنه على النقيض من ذلك، ارتفعت شعبية حركة حماس الإسلامية المسلحة في استطلاعات الرأي بعد أن معركة غزة الأخيرة، دفاعًا عن القدس ضد العدوان الإسرائيلي.

Embed from Getty Images

ومع ذلك، فإن نزعة الاستبداد في الأراضي الفلسطينية المحتلة في تصاعد منذ سنوات. إنها نتاج، ليس فقط لنخبة سياسية تخدم مصالحها الذاتية وفاسدة، ولكن أيضًا هي نتاج سياسة أمريكية مناهضة للديمقراطية تعمل بمثابة حصن لقيادة عباس الاستبدادية وأجندة سياسية إسرائيلية أغلقت الباب أمام الاستقلال الفلسطيني، وحولت السلطة الفلسطينية من حكومة دولة إلى مقاول فرعي للاحتلال، مهمته مراقبة المراكز السكانية الفلسطينية، ومنع أي تحد للحكم الإسرائيلي. بمرور الوقت، مع انحسار احتمالات قيام دولة فلسطينية بالكامل، أصبحت السلطة الفلسطينية بلا حول ولا قوة، وابتعدت عن مهمتها الوطنية، لتندمج تدريجيًّا في نظام إسرائيل للسيطرة الدائمة على الفلسطينيين.

إما فتح وإما حماس.. الثنائية القاصرة

أجرت السلطة الفلسطينية انتخابات ديمقراطية آخر مرة في عام 2006. ويشير الكاتب إلى أنه في ذلك الوقت أدى الانتصار غير المتوقع لحركة حماس – التي فازت بـ74 مقعدًا من أصل 132 مقعدًا – إلى قيام إسرائيل والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بقطع العلاقات مع السلطة الفلسطينية على الفور، مما شكل ضغوطًا هائلة على عباس لقلب نتائج الانتخابات. أدى ذلك في النهاية إلى مواجهة قصيرة ولكنها دموية مزقت النظام السياسي الفلسطيني إداريًّا بين السلطة الفلسطينية بقيادة فتح في الضفة الغربية، وحركة حماس في قطاع غزة. منذ ذلك الحين، تمكنت مجموعة صغيرة بقيادة عباس من احتكار السلطة المؤسسية وصنع القرار، وحل البرلمان، والتلاعب بالقضاء لخدمة مصالحها.

فلسطين

منذ 7 شهور
السلطة الفلسطينية التائهة في واشنطن.. من المعونة الأمريكية إلى القيود الإسرائيلية

في الوقت نفسه، واصل رعاة السلطة الفلسطينية الغربيون دعمها وتمويل وتدريب قواتها الأمنية على الرغم من النزعة الاستبدادية المتزايدة، وانتهاكات حقوق الإنسان الموثقة. علاوة على ذلك، ومن أجل منع حماس من دخول السلطة الفلسطينية من جديد، فقد قام هؤلاء الرعاة ضمنيًّا بإفشال إعادة توحيد النظام السياسي وتجديده الديمقراطي. ومع ذلك، فإن النظر إلى السياسة الفلسطينية من خلال هذه الثنائية – إما فتح وإما حماس – يتجاهل المشهد السياسي الأوسع الذي تشكلت فيه 30 قائمة حزبية جديدة وتأهلت لخوض انتخابات 22 مايو، بما يتضمن الفلسطينيين الشباب، الذين جرى إقصاؤهم من الساحة السياسية طوال حياتهم.

وبالتالي، مع مرور الوقت، يبتعد المسؤولون الفلسطينيون الذين لا يزالون في السلطة إلى ما هو أبعد من التفويض الانتخابي. ومع عدم وجود تقدم نحو حل تفاوضي للنزاع مع إسرائيل وعدم وجود إستراتيجية لتحرير الفلسطينيين من الاحتلال العسكري الإسرائيلي، فإن ادعاءهم الشرعية لم يعد له أي أساس للموافقة الشعبية. من أجل التمسك بالسلطة، أصبح عباس وحلفاؤه يعتمدون تدريجيًّا على القمع السياسي، ويوجهون القدرات القسرية للسلطة الفلسطينية ليس فقط على أعضاء معسكر حماس المنافس، ولكن ضد أي معارضة من الجمهور. في استطلاع للرأي أجري في مارس (آذار)، قال 53% من الفلسطينيين في الضفة الغربية إنهم يشعرون بأنهم لا يستطيعون انتقاد الحكومة دون خوف.

ومع ذلك – يستدرك رحمن – من المستحيل تجاهل الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة والغرب في السماح باستمرار هذه الاتجاهات غير الديمقراطية. في ظل عدم وجود عملية سلام فعالة، فإن دعمهم المستمر للسلطة الفلسطينية مدفوع أساسًا بالرغبة في الحفاظ على الاستقرار وضمان الأمن الإسرائيلي، دون قلق كبير على التكلفة التي يتحملها الشعب الفلسطيني فيما يتعلق بأمنه الإنساني وحريته الأساسية. وعلى الرغم من انهيار اتفاقيات أوسلو وأنها لم تعد تخدم الهدف الأعلى المتمثل في تسهيل اتفاقية السلام، فإن التنسيق الأمني للسلطة الفلسطينية مع الجيش الإسرائيلي ظل شرطًا للدعم الغربي المستمر. وقد خلق هذا مناخًا من الإفلات من العقاب للسلطة الفلسطينية في تعاملها مع شعبها.

إسرائيل هي المستفيد الوحيد من سلطة عباس

علاوة على ذلك، يعمل التنسيق الأمني للسلطة الفلسطينية لصالح الإسرائيليين فقط، بينما يواجه الفلسطينيون العاديون هجمات يومية من المستوطنين اليهود والجيش الإسرائيلي، حيث تُحرق حقولهم وبساتينهم، وتُغتصب أراضيهم من أجل المزيد من المستوطنات، وتُهدم منازلهم بالجرافات – بدون وجود أحد لحمايتهم. لم تعد السلطة الفلسطينية معنية بحماية شعبها من هذه الهجمات، ولكنها أصبحت جزءًا لا يتجزأ من الجهود المبذولة لقمعها.

من الجدير بالذكر أن مقر إقامة بنات في الخليل يقع في منطقة ج، وهي منطقة خاضعة للسيطرة الإسرائيلية الأمنية والإدارية الكاملة، مما يعني أن السلطة الفلسطينية كان عليها أن تحصل على إذن الجيش الإسرائيلي لدخول منزل بنات وأن إسرائيل تعرف أن التهديد الوحيد الذي يمثله هذا العداء هو نشاطه ضد الفساد – وليس لأنه يمثل تهديدًا أمنيًّا لإسرائيل.

Embed from Getty Images

لقد دفع هذا النموذج الأمني العديد من الفلسطينيين للنظر إلى السلطة الفلسطينية على أنها مقاول فرعي للاحتلال الإسرائيلي وليست وسيلة للحكم الذاتي. إن قمع الناشطين مثل بنات، واغتياله في نهاية المطاف، يخدم المصلحة الضيقة للسلطة الفلسطينية المتمثلة في إبقاء المعارضة في مأزق، ومنع أي تحدٍّ محتمل لسيطرة قادتها الحاليين على السلطة. ومع ذلك – يواصل رحمن كلامه – فإنه يخدم أيضًا المصلحة الأوسع لإسرائيل من خلال الحفاظ على نواة قيادة في الجانب الفلسطيني على استعداد لمواصلة لعب دور المقاول من الباطن، ربما إلى أجل غير مسمى.

أصبح هذا التصور واضحًا بشكل خاص مع تضاؤل فرص قيام دولة فلسطينية مستقلة واكتساب الدعوات داخل إسرائيل لضم الضفة الغربية زخمًا. وبالفعل، فإن سياسات إسرائيل المتمثلة في تقويض إمكانية إقامة دولة فلسطينية مع تعزيز سيطرتها على الضفة الغربية لها تأثير عميق في السلطة الفلسطينية؛ مما يجعلها تتجاهل تدريجيًّا تفويضها الأصلي المتمثل في إقامة دولة، وتركز فقط على ما يضمن استمرار وجودها ودعمها الخارجي: العمل أداةَ فرض للوضع الراهن.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 3 شهور
«المونيتور»: كيف تصدى الفلسطينيون لمحاولة استيطانية جديدة في شمال الضفة الغربية؟

لكن بدون شرعية شعبية أو أفق سياسي، ربما تكون السلطة الفلسطينية في الواقع تتخذ خطوة إلى الأمام. تمامًا كما كان لقادة حكومات البانتوستان في جنوب أفريقيا – الدول الصغيرة التي جرى تصنيفها على أنها أوطان عرقية للسود في جنوب أفريقيا خلال حقبة الفصل العنصري – علاقات أمنية عميقة مع نظام الفصل العنصري وساعدوا في تقييد حركة السود وفرض سياسات تمييزية، فإن السلطة الفلسطينية مع تراجع احتمالات قيام دولة مستقلة، تخلت عن مهمتها القومية وأصبحت بشكل فعال جهازًا في الهيكل الإداري الأكبر لدولة الفصل العنصري الإسرائيلية.

تجدر الإشارة إلى أن الحملة الأخيرة التي شنتها السلطة الفلسطينية تعكس موجة الاعتقالات الإسرائيلية ضد مواطنيها العرب الفلسطينيين في أعقاب المظاهرات التي هزت البلاد في أبريل ومايو، والتي اعتُقل فيها الآلاف. يقول رحمن إنه في ذلك الوقت وصف متحدث باسم الشرطة الإسرائيلية حملة الاعتقالات بأنها عملية «لاستعادة الردع»، وهو تصور غريب عند وصف علاقة الدولة بمواطنيها. وبالمثل، فإن اعتقالات السلطة الفلسطينية تهدف إلى ترهيب الناشطين وردع الانتقاد والاضطراب من الداخل.

على هذا النحو، يجب النظر إلى مقتل بنات على أنه جزء من الجهود المتهورة التي تبذلها قيادة السلطة الفلسطينية لسحق المعارضة والتمسك بالسلطة، حيث تتواطأ حكومة الولايات المتحدة وإسرائيل من خلال التمويل والتدريب والتنسيق مع السلطة الفلسطينية لخدمة المصالح الأمريكية والإسرائيلية. وما لم تتغير هذه الديناميكيات، فمن المرجح أن تتعمق ديكتاتورية السلطة الفلسطينية على حساب الشعب الفلسطيني.

لكن صعود النظام الفردي للهيمنة العرقية في إسرائيل، ودور السلطة الفلسطينية داخله، يشكلان تهديدًا أكبر لأمن الفلسطينيين وحقوقهم الأساسية الذين يعيشون تحت سيطرتها.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد