دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، ووضعت الحرب أوزارها، لكن المظالم التي أشعلت تلك الاضطرابات لم تُحَل بعد.

كتبت ريبيكا كولارد، وهي صحافية مستقلة تعيش في لبنان وتكتب في عدة صحف ومجلات كبرى، وتغطي شؤون الشرق الأوسط وأفريقيا، تقريرًا نشرته مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية، تناولت فيه الأوضاع  في المنطقة بعد وقف إطلاق النار بين المقاومة الفلسطينية في غزة وإسرائيل. وترى الكاتبة أن الموقف يمكن أن ينفجر في أي وقت لأن الأسباب التي أدَّت إلى تفجُّر الاضطرابات تظل دون حل. وترى أن الحل يتمثل في ضغط المجتمع الدولي على إسرائيل للانصياع للقانون الدولي.

وتتحدث الكاتبة في مستهل تقريرها عن الهدوء الهش الذي ساد غزة يوم الجمعة الماضي، بعد يوم كامل تقريبًا من وقف إطلاق النار الذي أنهى 11 يومًا من العنف. وانتهت الصواريخ والغارات الجوية في الوقت الحالي، ولكن لم تنتهِ المظالم التي أشعلت انتفاضة الفلسطينيين من رام الله إلى القدس، مرورًا بحِيفا في الأراضي المحتلة، وصولًا إلى بيروت وعمان. ووقف إطلاق النار لن يجعل الفلسطينيين والإسرائيليين أقرب إلى المصالحة، بل سيجعلهُما أبعد عنها.  

قوات الأمن تقتحم الأقصى أثناء الاحتفال بوقف إطلاق النار

ولكن حتى بينما كان كثيرون يُعبِّرون عن بهجتهم بانتهاء الأعمال العسكرية، اقتحمت قوات الأمن الإسرائيلية المسجد الأقصى في القدس، واشتبكت مع الفلسطينيين، وهو الإجراء نفسه الذي دفع حماس إلى ضرب إسرائيل بالصواريخ قبل 11 يومًا. ولا يزال إجلاء عديد من العائلات الفلسطينية في حي الشيخ جرَّاح في القدس الشرقية – الخطوة الإسرائيلية التي أشعلت الاضطرابات الأصلية – يلوح في الأفق؛ إذ لم يتعد الأمر تأجيل قرار المحكمة حتى الشهر المقبل.

الشيخ جراح

وقبل ساعات فقط من دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ بين إسرائيل وحماس، سار آلاف الأشخاص في شوارع أم الفحم في الأراضي المحتلة لحضور جنازة محمد كيوان، البالغ من العمر 17 عامًا. وكان كيوان قد توفي بعد إصابته برصاصة في الرأس أثناء جلوسه في سيارة مع أصدقائه خلال احتجاج الأسبوع الماضي، على أيدي الشرطة الإسرائيلية السرية حسبما تردد. ورفع آلاف المُعزِّين الأعلام الفلسطينية. وانتشرت قوات الأمن الإسرائيلية في أنحاء أم الفحم قبل الجنازة.

عرب إسرائيل مواطنون من الدرجة الثانية

ولفت التقرير إلى أنه فيما يخص ما يقرب من مليوني مواطن عربي في إسرائيل، مثل مواطني أم الفحم، تظل مظالم المواطنة من الدرجة الثانية قائمة – وقد باتت أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. وفي الأيام الأحد عشر الماضية، شهدت المدن الإسرائيلية المختلطة اشتباكات غير مسبوقة بين الإسرائيليين اليهود والفلسطينيين، تمثلت في أعمال شغب، وانتشار للغوغاء، وحرق للأعمال التجارية، ومقتل كيوان وفلسطينيين آخرين وإسرائيليين يهود. وأُضرِمت النيران في مساجد ومعابد يهودية، وانتشر التحريض على الإنترنت.

لن يظل المظلوم صامتًا

واستشهد التقرير بقول نمر سلطاني، الأستاذ في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية في جامعة لندن، إن: «القضايا نفسها التي أدَّت إلى الاحتجاجات والاشتباكات في القدس الشرقية وداخل إسرائيل وغزة ستستمر في التفاقم. ولا يفصلنا عن الجولة المقبلة إلا بعض الوقت، لأنك يجب أن لا تتوقع أن المظلوم سيظل صامتًا». وقال إن المطلوب الآن هو الضغط الدولي لحمل إسرائيل على الامتثال للقوانين الدولية ومنح الفلسطينيين المساواة.

لكن فلسطينيين آخرين تخلوا عن عقود من الجهود الفاشلة والمؤسسات الدولية التي تقف وراءها. وقال اللاجئ الفلسطيني محيي شحادة، البالغ من العمر 30 عامًا، أثناء مشاركته في مظاهرة في العاصمة اللبنانية بيروت: «عندما كنت طفلًا، كنتُ أؤمن بالمجتمع الدولي. لقد انتهى هذا الإيمان بهذه المنظمات الدولية والأمم المتحدة. إنهم لم يقدِّموا لنا شيئًا يذكر طوال 73 عامًا».

Embed from Getty Images

إن يأسه وخيبة أمله ليسا أمرًا جديدًا، ولكن يُعبِّر عنهما بصوت أعلى وأقوى من قِبل الشباب في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، وفي شوارع المدن المختلطة داخل إسرائيل، وفي الضفة الغربية، حيث انتُخِب رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس في الأصل عام 2005 لمدة أربع سنوات، ولكنه لا يزال في منصبه. وقد ألغى الانتخابات المقرر إجراؤها هذا العام، وذلك ظاهريًّا بسبب رفض إسرائيل السماح بالاقتراع في القدس الشرقية. وهذا يعني أن الفلسطينيين في العشرينيات من عمرهم لم تُتَح لهم أبدًا فرصة التصويت لانتخاب قيادتهم.

يشير التقرير إلى أن شحادة كان مجرد طفل في عام 1993 عندما وقَّع الزعيم الفلسطيني آنذاك، ياسر عرفات، على اتفاقيات أوسلو، مما أدَّى إلى الوعد الزائل بالسلام والدولة الفلسطينية. وقال شحادة: «لم تقدِّم لنا أوسلو شيئًا بصفتنا فلسطينيين. عشنا ثلاثين عامًا من مفاوضات السلام، فأين وصلت بنا؟ لقد تسببت في مقتل أكثر من 250 شخصًا في غزة خلال الأسبوع الماضي».

قد يموت الكبار ولكن الصغار لن ينسوا

وألمح التقرير إلى أنه عند إعلان قيام إسرائيل، حذَّر أول رئيس وزراء للبلاد، ديفيد بن جوريون، من اللاجئين الفلسطينيين. وقال: «يجب أن نبذل قصارى جهدنا لنضمن أنهم لن يعودوا أبدًا. سيموت الكبار وينسى الصغار».

ويشدد التقرير على أن ديفيد بن جوريون كان مخطئًا بشأن الصغار. إذ في كل يوم تقريبًا منذ بدء الصراع، تتجمع حشود من الشباب الفلسطينيين على حدود إسرائيل مع لبنان. حتى إن البعض تسلق جدارًا حدوديًّا يبلغ ارتفاعه 30 قدمًا، ورفع العلم الفلسطيني وسَخِر من الجنود الإسرائيليين على الجانب الآخر قائلًا: «أطلقوا النار، أطلقوا النار». ويقول هؤلاء الشباب إنهم يريدون العودة إلى أرض الوطن.

دولي

منذ 5 شهور
في الشارع والإعلام والسياسة.. كيف تغيرت النظرة الأمريكية تجاه فلسطين؟

إنها ليست المرة الأولى؛ ففي عام 2011، وفي يوم النكبة، الذي يُحيي ذكرى طرد مئات الآلاف من الفلسطينيين عند قيام إسرائيل، اقتحم آلاف الفلسطينيين حدود إسرائيل من لبنان وسوريا، حتى إن بعضهم تمكن من العبور. وقطع حسن حجازي، لاجئ فلسطيني شاب من سوريا، مسافة 100 ميل (160 كم) إلى جنوبي يافا في الأراضي المحتلة؛ حيث يقع منزل جده.

وأضاف التقرير أنه خلال الاحتجاجات الحدودية الأسبوع الماضي، كان علي صالح، وهو لاجئ فلسطيني في الأربعينيات من عمره يراقب المشهد. وقال: «تخيل أن أرضي هنا، ولا يمكنني الذهاب إليها». ومن أعلى التل القريب، كان يمكنه رؤية الأشجار التي تغطي الآن قرية الخالصة التي كان يقطنها أجداده، على بعد 1.5 ميل (2.4 كم) فقط على الجانب الآخر من الجدار الحدودي. وبعد أكثر من سبعة عقود على طردهم، لا يزال اللاجئون الفلسطينيون في لبنان يعيشون من دون جنسية، ويعيش غالبيتهم في مخيمات مزدحمة في ظل وجود فرص عمل قليلة. وقال صالح إن خطته كانت عبور الحدود، لكن الجيش اللبناني أوقفه.

وقالت سماح سلايمة، وهي ناشطة ومواطنة فلسطينية في الأراضي المحتلة، إن: «كبار السن ربما يموتون، لكن الشباب يتذكرون، ويريدون تصحيح الأمور».

Embed from Getty Images

وألمح التقرير إلى أن الاختلاف الأبرز في التصعيد الأخير تمثل في نشوب العنف داخل المناطق المختلطة في إسرائيل، حتى في مدن مثل حيفا، والتي غالبًا ما يُنظر إليها على أنها مثال للتعايش اليهودي العربي. وحوالي خُمس مواطني إسرائيل هم فلسطينيون بقوا داخل حدود إسرائيل الجديدة في عام 1948.

ومع إعلان وقف إطلاق النار مع غزة، تكهَّن السياسيون الإسرائيليون بأن العنف في المدن الإسرائيلية المختلطة كان تهديدًا كبيرًا مثل الصواريخ القادمة من غزة. وألقى مفوض الشرطة الإسرائيلية باللوم في الانفجار المفاجئ للعنف على الجماعات اليهودية اليمينية التي جرى نقلها في حافلات إلى مناطق مختلطة؛ لإشعال التوترات مع خروج الفلسطينيين إلى الشوارع.

ويتَّهم سياسيون إسرائيليون كبار، بمن فيهم أعضاء من داخل حزب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الليكود، بإثارة هذا التصعيد لإنقاذ حياته السياسية. ووصف أحد مقالات الرأي الإسرائيلية الحدث بأكمله بأنه انتصار لحماس، وأفاد أن: «حماس نجحت في تحويل ساحة المعركة من المناطق الواقعة في نطاق صواريخها إلى الدولة بأكملها، مع أعمال شغب تهز جميع أنحاء إسرائيل».

الفلسطينيون يريدون العدالة

وقالت سماح سلايمة إن الفلسطينيين واجهوا دائمًا تمييزًا، وعُومِلوا على أنهم مواطنون من الدرجة الثانية في دولة تعرِّف نفسها بأنها يهودية، ولكن بعد ذلك في عام 2018، أقرت إسرائيل قانون الدولة القومية، مما قلل أكثر من وضع الفلسطينيين في البلاد. وقالت سماح إنه لم تكن هناك ثقة قبل هذا الأسبوع، ولكن كان هناك عقد من نوع ما: «أنت آمن على نفسك طالما كنتُ أنا آمنًا». وقالت إن جيل من الأطفال كأطفالها، في العشرينيات من العمر، يريدون ما هو أكثر من ذلك.

وأضافت سماح: «يقولون نريد العدالة. ولا نريد شيئًا آخر».

واختتمت الصحافيَّة تقريرها بالإشارة إلى أنه فيما يخص عديد من الفلسطينيين، كان يُنظر إلى اندلاع العنف والإحباط على أنه انتصار للوحدة وليس لمقاتلي غزة. ومع تصاعد الصراع الأسبوع الماضي، جرى توزيع بيان على الإنترنت لـ«انتفاضة الوحدة»، يدعو إلى انتفاضة موحدة للفلسطينيين من غزة والضفة الغربية والقدس وداخل إسرائيل (الأراضي المحتلة) وملايين الفلسطينيين في مخيمات اللاجئين ومجتمعات الشتات على مستوى العالم. وتضامن مشاهير فلسطينيون وأنصار الفلسطينيين على مواقع التواصل الاجتماعي مع تلك الدعوات. وجاء في البيان أن: «الانتفاضة ستكون طويلة الأمد في شوارع فلسطين وفي شوارع العالم».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد