نشر موقع «ميدل إيست آي» الإخباري تقريرًا للصحافية الفلسطينية، أسيل الجندي، من القدس المحتلة، سلَّطت فيه الضوء على المعارك القانونية التي تخوضها العائلات الفلسطينية في بلدة سلوان بالقدس المحتلة أمام المحاكم، بشأن القوانين التي تُحابي المستوطنين الإسرائيليين. تستهل الكاتبة تقريرها بالإشارة إلى أن الوصول إلى حي «بطن الهوى» في بلدة سلوان الفلسطينية في القدس المحتلة، ليس بالأمر الهيِّن؛ إذ يضطر المرء للصعود عبر سلالم خارجية طويلة، أو الوصول بالسيارة عبر طرق ضيقة للغاية يصعب على عديدٍ من غير أهل البلدة التنقل فيها.

وقد يجد مَنْ يزورون الحي، الذي يقع جنوب البلدة القديمة في القدس، أنفسهم وسط تناقضات عميقة؛ فعند صعود أحد السلالم، يمكن سماع صوت امرأة تتحدث العبرية قادمًا من شقة كُتِبتْ على جدرانها عبارات عربية تهنئ الحجاج المسلمين بعودتهم من الحج. كان المنزل ذات يوم يعج بأصوات سكانه الفلسطينيين، لكن المستوطنين احتلُّوه قبل سنوات. ورَفَعَت جمعية «عطيرت كوهنيم» الاستيطانية، وهي إحدى الجماعات العديدة التي تعمل على طرد الفلسطينيين من منازلهم في القدس بدعم من الحكومة الإسرائيلية، دعاوى قضائية ضد سكان حي بطن الهوى، بدعوى أن جزءًا من أراضي الحي مملوك لليهود اليمنيين قبل عام 1948م.

وقد وصل عدد أوامر الإخلاء السارية الصادرة عن المحاكم الإسرائيلية ضد العائلات الفلسطينية إلى 87 أمرًا حتى الآن.

زحف البؤر الاستيطانية

يقول زهير رجبي، رئيس لجنة حي بطن الهوى، للموقع البريطاني إن حوالي 23 عائلة من المستوطنين تعيش في الحي، الذي يقطنه حوالي 850 فلسطينيًّا. وأوضح رجبي أن زحف المستوطنين في سلوان بدأ في عام 2004م، عندما أنشأ المستوطنون بؤرتين استيطانيتين، وفي عام 2014م تصاعدت المشكلة؛ إذ يبلغ عدد البؤر الاستيطانية الحالية ست بؤر، تتراوح بين شقق إلى مبانٍ كاملة.

وتشير الكاتبة إلى أن القانون الإسرائيلي يعمل لصالح المستوطنين من خلال السماح لليهود فقط بالمطالبة بالممتلكات التي كانوا يمتلكونها قبل عام 1948م، مع حرمان الفلسطينيين من الحق نفسه. في سلوان، بقيت بعض العائلات في منازلها منذ ما يصل إلى 60 عامًا.

ويقول كايد رجبي، أحد الذين تلقوا أمر إخلاء أخيرًا صادر عن «محكمة الصلح» الإسرائيلية، إن والده تزوج في هذا المنزل وأنجب ثمانية أطفال، مشيرًا إلى أنه لم يخطر بباله في يوم من الأيام أنه سيواجه هو وعائلته، الذين يعيشون في الحي منذ عقود، دعوى قضائية لإخلاء منزلهم. وسيؤثر أمر الإخلاء في 27 من أفراد عائلة كايد، بمن فيهم شقيقه ووالدته. وبمجرد استلامهم الأمر، بدأوا في إعداد استئناف لتقديمه إلى المحكمة المركزية في القدس.

Embed from Getty Images

تعيش عائلة كايد بالفعل على مقربة من المستوطنين، الذين استولوا على المبنى المجاور لهم، الأمر الذي يجعل تفاصيل حياتهم اليومية صعبة ومليئة بالتوتر في منطقة مكتظة بالسكان. وتلفت الكاتبة إلى أن المستوطنين الذين يعيشون في الأزقة الضيقة يسيرون وهم محاطون بالحرس الإسرائيلي، الذي لا يتدخل في كثير من الأحيان عندما يضايق المستوطنون السكان الفلسطينيين، بل يشاركون بدلًا من ذلك في جعل حياة الفلسطينيين أكثر صعوبة.

وقال كايد للموقع إنه على الرغم من الواقع الأليم الذي يعيشون فيه، فقد رفضوا جميع العروض المُغرية التي قدمها لهم المستوطنون للانتقال إلى منزل مختلف في حي آخر.

يقول كايد: «حياتنا بجانبهم صعبة للغاية؛ إذ يقع بيتي بالضبط أسفل إحدى البؤر الاستيطانية. وفي بعض الأحيان، يسربون مياه الصرف الصحي لتسقط على منزلي، أو يلقي أطفالهم النفايات، خاصة الحفاضات القذرة، على منزلي، كما يلقون الحجارة على أطفالي أثناء اللعب على سطح المنزل».

وأكد: «كل تلك المضايقات جعلتني أكثر ارتباطًا بهذا المكان».

تاريخ طويل في القدس

تنتقل الكاتبة إلى عائلة أخرى تعيش بجانب كايد، وهي عائلة أم ناصر رجبي، وهي سيدة تقترب من السبعينيات من عمرها وتعيش مع أولادها، والتي لها تاريخ طويل مع منظمات المستوطنين.  وقد استولى المستوطنون على الشقة المُلاَصِقة لمنزلهم، الذي اشتروه من رجل فلسطيني من القدس، واكتشفوا لاحقًا أن العقار بِيع للإسرائيليين. وذات ليلة دخل المستوطنون المنزل وانتقلوا إليه، قبل أن يؤثِّثوه تدريجيًّا بعد محاكمة طويلة انتهت بحكم لصالح المستوطنين.

ونقلت الكاتبة عن نفيسة، كَنَّة أم ناصر، قولها إن حي بطن الهوى كان «آمنًا»  قبل وصول المستوطنين. وقالت نفيسة التي نشأت في الحي وتزوجت من ابن عمها هناك، وأنجبت منه ستة أطفال «كان الحب والتعاون يغمر سكان الحي، لكن منذ أن جاء المستوطنون انقلبت حياتنا رأسًا على عقب». وأضافت نفيسة أنها غادرت بلدة سلوان برفقة زوجها ناصر بسبب الظروف المعيشية وانتقلا إلى «بيت حنينا»، وهو حي آخر في القدس بعيد عن البلدة القديمة.

وقالت: «هناك، هدَمَ الاحتلال الإسرائيلي منزلنا مرتين بحجة البناء من دون تصريح»، ثم عاشتْ الأسرة أربع سنوات في حي «كفر عقاب» في القدس، وهي بلدة يفصلها الجدار الإسرائيلي عن المدينة، قبل أن تعود في النهاية إلى بلدة سلوان.

ولم يكن أمام نفيسة وزوجها أي خيار سوى إعادة ترميم منزلهما، ولكن عندما شرعا في عملية الترميم، التقط الحراس الإسرائيليون، الموجودون في المنطقة لحماية المستوطنين، صورًا للترميم. ثم رفع المستوطنون دعوى قضائية ضدهم في المحكمة، بزعم أن منزلهم مبني على أرض يهودية، وأن أسرة نفيسة ليس لها الحق في فعل ما يحلو لها بالمنزل. والآن، تواجه نفيسة وزوجها عدة قضايا في المحاكم لإخلائهم من منزلهم.

Embed from Getty Images

ويقول ناصر، وهو جالس عند مدخل منزله وينظر إلى جدران منزله، إنه لا يكترث بالإخلاء ويُصر على استكمال الإصلاحات رغم اعتراضات المستوطنين. وردًّا على سؤالٍ حول العيش بين المستوطنين، قال ناصر: «إنها كما لو كنتَ بين مطرقة الاحتلال وسندان أوامر الإخلاء، التوتر مستمر ولا سبيل للوصول إلى مرحلة التعايش»، موضحًا أنهم: «جاؤوا للعيش بيننا لأن لديهم إجراءات مدعومة من الدولة تهدف إلى الضغط علينا نفسيًّا واقتصاديًّا للمغادرة، وفي المقابل، لدينا هدف للبقاء هنا حتى لو كلفنا ذلك حياتنا».

الفلسطينيون وقوانين المستوطنين

وتقول الكاتبة إن زهير رجبي مسؤول عن المتابعة مع فريق من المحامين في عدد كبير من القضايا المنظورة في محاكم الصلح والمحاكم الجزئية في القدس، لافتة إلى أن تقديم الطعون ورصد مستجدات القضايا أمر مكلف للغاية. وبحسب رجبي، تقدَّمتْ الأسر الفلسطينية بالتماسات إلى المحاكم من أجل تقديم إثبات ملكيتها، بما في ذلك وثائق تثبت أنها اشترت الأراضي من اليهود اليمنيين في عام 1935م.  وتابع أن: «يهود اليمن غادروا حي بطن الهوى قبل وصول الاحتلال الإسرائيلي. والآن ينازعوننا ملكيته، بدعوى أننا بنينا بيوتنا على أراضي يهود يمنيين ويطالبون بإخلائها».

وأوضح خليل التفكجي، مدير دائرة الخرائط في جمعية الدراسات العربية، للموقع أن إسرائيل تستخدم عديدًا من القوانين للاستيلاء على منازل السكان الفلسطينيين في سلوان. وقال التفكجي إن إسرائيل تعمل في هذه القضية بموجب قانون ينص على أن جميع العقارات التي كان يملكها اليهود في المدينة (في الشرق والغرب) قبل عام 1948م يجب أن تُعاد إلى أصحابها اليهود الأصليين أو ورثتهم. وشدد التفكجي على أهمية طرح أسئلة أيديولوجية في التعامل مع هذا القانون، مثل لماذا تمنع إسرائيل الفلسطينيين من استعادة الممتلكات التي استولت عليها عام 1948م؟

واختتمت الكاتبة تقريرها موضحةً أن سبب استهداف مجموعات المستوطنين، المدعومة من الحكومة، لسلوان وتسللها إليها، هو قرب البلدة من البلدة القديمة وأهميتها الدينية والتاريخية، الأمر الذي أعطى عملية الاستيلاء الإسرائيلية على المنازل في هذه المنطقة جانبًا أيديولوجيًّا.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ شهرين
من آخر جندي عثماني إلى الآن.. أكثر من 50 صورة تحكي لك قصة القدس في 100 عام

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد