أعدَّت الصحافية ميريام بيرجر، التي عملت لصالح صحيفة «واشنطن بوست» في القاهرة والقدس، تقريرًا نشرته الصحيفة الأمريكية بشأن لجوء النشطاء الفلسطينيين إلى استخدام «الرموز التعبيرية (الإيموجي)» للبطيخ الذي تشبه ألوانه ألوان العلم الفلسطيني من أجل تفادي الرقابة على وسائل التواصل الاجتماعي التي لا تتوقف عن تحيزها ضد قضاياهم لصالح إسرائيل. 

وتوضح الكاتبة في مستهل تقريرها أن رفع العلم الفلسطيني الذي يتكون من ألوان الأحمر، والأخضر، والأبيض، والأسود، حُظِر تاريخيًّا أحيانًا في إسرائيل، وهو اليوم يثير حفيظة السلطات الإسرائيلية. لذا فإن البطيخ – المزروع محليًّا، والذي يحتوي على ألوان مثل ألوان العلم الفلسطيني – قد استُخدِم لعقود في الرموز الفلسطينية على أنه بديل لرفع راية العصيان.

إعلام

منذ 6 شهور
مترجم: مواقع التواصل الاجتماعي تتعمد إسكات مناصري الفلسطينيين في «الشيخ جراح»

وفي الأسابيع الأخيرة انتعش استخدام الرموز التعبيرية للبطيخ على وسائل التواصل الاجتماعي؛ باعتبار ذلك جزءًا مما يقول بعض الفلسطينيين إنها جهود لاستباق الرقابة على الإنترنت، وتعديل المحتوى، أو التحايل عليهما، في مواجهة الإجراءات التنفيذية الإسرائيلية المشددة التي أشعلها الصراع بين إسرائيل و«حماس» في مايو (أيار)، والمُوجة المصاحبة لذلك من النضال الشعبي الفلسطيني.

يعكس المستخدمون الذين ينشرون الرموز التعبيرية، والصور، والأعمال الفنية – الفلسطينيون في إسرائيل، والأراضي المحتلة، والشتات، إلى جانب مناصريهم – فيضًا من النشاط والتضامن الغامض عبر الإنترنت خارج الحدود السياسية والجغرافية التقليدية. يقول خالد حوراني، الفنان الفلسطيني المقيم في رام الله بالضفة الغربية، والذي ظهرت أعماله ضمن صور البطيخ المنتشرة على الإنترنت: إن الفن «يمكن أن يكون في بعض الأحيان سياسيًّا أكثر من السياسة نفسها».

رمزية البطيخ تعود إلى ما قبل الانتفاضة الأولى

يلفت التقرير إلى أن رمزية البطيخ تعود إلى التكتيكات التنظيمية الفلسطينية قبل الانتفاضة الأولى، أي الحقبة التي سبقت اتفاقيات أوسلو عام 1993، والتي أُنشِئت بموجبها السلطة الفلسطينية، وأُطلِقت عملية السلام التي لم يعد لها أي وجود في الوقت الحالي. لكن الرمز وجد صدىً جديدًا.

وقال حوراني: إن الفنانين الفلسطينيين استخدموا البطيخ «رمزًا للعلم الفلسطيني من أجل التحايل على الحظر». ويستمر هذا التقليد على الإنترنت: يحاول الفلسطينيون، الذين لا يثقون في منصات التواصل الاجتماعي، ويخشون المراقبة الإسرائيلية عبر الإنترنت، تجنب شبكات صيد يقولون إنها عبارة عن خوارزميات غير مواتية، وأساليب لتعديل المحتوى.

Embed from Getty Images

ويوضح التقرير أن الملايين من منشورات مواقع التواصل الاجتماعي المؤيدة للفلسطينيين قد حُذفت على نحو غير صحيح من جانب «فيسبوك» و«تويتر» في خضم الأزمة الأخيرة، فيما قالت الشركة: إن عملية الحذف سببها خلل تقني؛ مما أثار حفيظة الفلسطينيين الذين شعروا منذ مدة طويلة بأن خطابهم على الإنترنت يُعاقَب بصورة مُبالغ فيها. وحُظِرت أيضًا «وسوم (هاشتاجات)» وحسابات ذات صلة بالفلسطينيين بمعدل مرتفع، أو حُذِف المحتوى.

يقول فادي قرآن، مدير الحملة في آفاز برام الله: لدينا الآن «جيل فلسطيني جديد. 70٪ منهم تحت سن الثلاثين (في الضفة الغربية، وقطاع غزة)، حيث تشكل وسائل التواصل الاجتماعي، والأدوات الرقمية، المصدر الرئيس للإلهام لديهم، وتواصلهم الأساسي مع العالم. يحتاج الناس إلى استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لنشر آرائهم بشأن ما يحدث هنا، وقد أدَّى ذلك إلى مجموعة واسعة من التكتيكات… للتغلب على القمع الرقمي».

وترفض «إنستجرام» و«فيسبوك» ومنصات التواصل الاجتماعي الأخرى الاتهامات بأنهم يتعمدون تعديل المحتوى الفلسطيني، أو المحتوى المؤيد للفلسطينيين، أو فرض رقابة، أو الإشراف عليه، أو التقليل من أهميته. وتمنع الشركات المنشورات التي تحرض على العنف أو تشجعه، من بين لوائح تنظيمية أخرى تتبناها هذه الشركات.

تعمد تعديل المحتوى الفلسطيني

قال آندي ستون المتحدث باسم «فيسبوك» في رسالة بريد إلكتروني: «نعلم أن هناك عددًا من المشكلات التي أثرت في قدرة الأشخاص على المشاركة في تطبيقاتنا. وبالرغم من أننا قمنا بإصلاح هذه المشكلات، فإنه ما كان يجب أن تحدث في المقام الأول، ونأسف لأي شخص شعر أنه لا يستطيع لفت الانتباه إلى الأحداث المهمة، أو مَنْ شعروا أن هذا كان قمعًا متعمدًا لأصواتهم».

لكن عددًا من نشطاء الحقوق الرقمية يرفضون هذه التفسيرات، ويقولون إنه اتجاه طويل الأمد، تصاعدَ مؤخرًا مع توجُّه الفلسطينيين إلى وسائل التواصل الاجتماعي للاصطفاف خلف سلسلة من الأحداث التي توحِّد الفلسطينيين على نحو متزايد في إسرائيل، والضفة الغربية، وقطاع غزة، والشتات.

Embed from Getty Images

وألمح التقرير إلى أنه ابتداءً من فصل الربيع، انتشر وسم: «#أنقذوا الشيخ جراح #SaveSheikhJarrah»، مدفوعًا جزئيًّا من جانب منى ومحمد الكرد، التوأمين الفلسطينيين البالغين من العمر 23 عامًا، واللذين يقع منزلهما في حي الشيخ جراح بالقدس الشرقية على قائمة المنازل التي من المقرر أن يستولي عليها المستوطنون اليهود. وفي الوقت نفسه تصاعدت التوترات بشأن القيود الإسرائيلية على الوصول إلى المواقع الحساسة في القدس، مثل المسجد الأقصى – وهي نقطة توتر أخرى طويلة الأمد، وموقع للمواجهات، وانتشرت صورها على أنها دعوات للتحرك عبر الإنترنت.

«وصلت التوترات إلى ذروتها في منتصف مايو، في الصراع الذي استمر 11 يومًا بين إسرائيل وحماس، وهي جماعة متطرفة تسيطر على قطاع غزة، قُتل فيه أكثر من 250 فلسطينيًّا في غزة، و12 من سكان إسرائيل».

وفي الأسابيع التي أعقبت وقف إطلاق النار المؤقت، اشتعلت وسائل التواصل الاجتماعي الفلسطينية بمقاطع الفيديو، والرسوم البيانية عن نقاط التوتر الأخيرة، وهي الممتلكات الفلسطينية التي قررت إسرائيل هدمها في حي سلوان بالقدس الشرقية، وهي مستوطنة إسرائيلية غير شرعية على أراض تطالب بها قرية بيتا الفلسطينية في الضفة الغربية، وأدَّت إلى إضرابات طوال اليوم، وحملات «لشراء المنتجات الفلسطينية» بدلًا عن الإسرائيلية.

والذي يميز هذه اللحظة جزئيًّا أن الخطاب عبر الإنترنت لا تهيمن عليه القيادة السياسية الرسمية، التي يُنظر إليها على أنها منفصلة عن المعارضة الساخطة التي يقودها الشباب.

مقتل نزار بنات على أيدي السلطة الفلسطينية

وبدلًا عن ذلك يتصاعد الغضب في الشوارع، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، ضد السلطة الفلسطينية، التي تحكم أجزاءً من الضفة الغربية. وفي أواخر يونيو (حزيران) توفي الناشط المعارض للسلطة الفلسطينية نزار بنات بعد وقت قصير من اعتقاله. وتقول عائلته: «إن قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية ضربته على رأسه فقتلته». وكان مقتل بنات بداية لأيام من الاحتجاجات ضد السلطة الفلسطينية، والتي انتقدها الناس في هتافات باعتبارها متواطئة مع الاحتلال الإسرائيلي.

وقال قرآن: إن هؤلاء أصبحوا «نشطاء يتمتعون بشخصية كاريزمية، وحسنة النية، ومؤثرين سياسيين يحددون لهجة النقاش العام. وهذا يخيف النخبة السياسية، وقادة الأحزاب السياسية المختلفة في فلسطين. وفجأة لم يعد الشخص الذي يسيطر على وسائل الإعلام، أو الأسلحة في الشوارع، هو مَنْ يستطيع بمفرده وضع الرواية العامة»، ولكن «أي شخص يمكنه الاتصال بالإنترنت، ويتحلَّى بالشجاعة الكافية للتحدث والتعبير عن رأيه».

قالت منى شتيه، مديرة المناصرة المحلية في مركز حملة في حيفا، المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي: إن السلطات الإسرائيلية، وشركات التواصل الاجتماعي، تحاول «إسكات الفلسطينيين على الإنترنت… من خلال منعنا من مشاركة روايتنا، وقصصنا الخاصة، والانتهاكات الإسرائيلية».

طرق إبداعية لتفادي الرقابة

يضيف التقرير أنه نتيجةً لذلك يجد الفلسطينيون «طرقًا إبداعية» – مثل حذف علامات الترقيم، أو تغيير الأحرف في الكلمات، أو خلط البيانات السياسية بالصور الشخصية – «للتغلب على الخوارزمية، واللعب بها؛ للحيلولة دون حذف المشاركات، أو مراقبتها، أو الإبلاغ عنها».

وعند كتابة كلمة شهيد بالعربية – على سبيل المثال – يقوم المستخدمون باللغة العربية بإدخال الحرف «h» بدلًا عن الحرف العربي المقابل؛ في محاولة للتهرب من الذكاء الاصطناعي الذي يبحث عن المشاركات التي تحتوي على الكلمة. وفي اتجاه آخر: اتخذ مستخدمو اللغة الإنجليزية تهجئة فلسطين على أنها «P@lestine».

Embed from Getty Images

يقول قرآن: إن جيله يواصل النظر إلى مواقع التواصل الاجتماعي بعين الريبة. وأضاف: «إن أحد أكبر الدروس المستفادة من الربيع العربي هو أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت الآن أداة في يد الطغاة أكثر منها أداة في يد الثوار». وأضاف: «إن الرقابة بلغت مستوًى خاصًّا من الأهمية».

تصحيح: أفادت نسخة سابقة من هذا المقال أن إسرائيل تحظر العلم الفلسطيني. وقد حظرت إسرائيل العلم الفلسطيني في مواقف معينة في الماضي، لكنها اليوم يمكن أن تصادر العلم، وتعاقب مَنْ يرفعه؛ بموجب قوانين السلامة العامة الإسرائيلية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد