هُنا تحرّكت مبالغ كبيرة من المال لإنقاذ المؤسسة، من شركة يملكها رجل أعمال أرجنتيني في بنما، مرورًا بعنوان زائف في نيويورك، لتصل إلى مؤسسة غير ربحية إسرائيلية، ومنها إلى «أمانة». تحقيقٌ حصري أجرته جريدة «هآرتس» الإسرائيلية، يتتبع خطّ سير الأموال، والعلاقة المتشابكة بين المؤسسات السالف ذكرها، على ضوء التحقيق الذي أجرته أمانة المؤسسات غير الربحية الإسرائيلية.

في الأعوام الأخيرة، تعرّضت المشاريع الاستيطانيّة لـ«أمانة» -المؤسسة الإسرائيلية الوسيطة التي تعمل على إنشاء المستوطنات، ونقل ملكية الأراضي للجهات الاستيطانية- تعرّضت لعدّة عقبات، خاصّةً مع التوجيهات القانونية الجديدة التي أصدرتها الحكومة فيما يخصّ تمويل إنشاء المستوطنات. تحمّلت المؤسسة تكاليف البناء بلا عائد، وتناقصت السيولة اللازمة لاستكمال المشاريع.

هُنا تحرّكت مبالغ كبيرة من المال لإنقاذ المؤسسة، من شركة يملكها رجل أعمال أرجنتيني في بنما مرورًا بعنوان زائف في نيويورك، لتصل إلى مؤسسة غير ربحية إسرائيلية، ومنها إلى «أمانة». تحقيقٌ حصري أجرته جريدة «هآرتس» الإسرائيلية، يتتبع خطّ سير الأموال، والعلاقة المتشابكة بين المؤسسات السالف ذكرها، على ضوء التحقيق الذي أجرته أمانة المؤسسات غير الربحية الإسرائيلية.

عن مؤسسة «أمانة».. وصندوق رعاية الأيديولوجية الصهيونية FNZI

MaaleAdummim_red-roof

المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية

تأسست حركة أمانة عام 1976، من قبل حركة «جوش إيمونيم» اليمينية. تعمل مؤسسة «أمانة»، من خلال عدّة كيانات، منها شركة «بنيناي بار أمانة»، التي تنفّذ عمليات بناء منازل للمستوطنين في الضفّة الغربية. والأخرى هي شركة «الوطن»، المُسجّلة بالضفّة الغربية، والتي تعمل على  الاستحواذ على أراضي الفلسطينيين، عن طريق عمليات تجارية تخلي بموجبها الأراضي والمحال والمنازل. اكتشفت الشرطة الإسرائيلية أنّ 14 من أصل 15 تعاملًا تجاريًّا أجرتها الشركة، هي في الحقيقة مزوّرة.

أمّا صندوق رعاية الأيديولوجية الصهيونية، فهو مؤسسة غير ربحية تأسست عام 1978 كمؤسسة منبثقة عن مجلس يشع للمستوطنات. ساهم الصندوق لأعوام في بناء العديد من المؤسسات الدينية والتعليمية في المستوطنات، وموّل أيضًا أعمال البناء غير القانونية في مستوطنة «ميجرون»، والتي أوقفتها أمانة المؤسسات غير الربحية بعد اعتراضات من عدّة مؤسسات. تنتفع العديد من المؤسسات والبرامج من الصندوق، ومنها بالطبع «أمانة».

شهِد تدفّق المُساهمات إلى الصندوق تقلّبًا على مدار السنين. ففي عام 2000، تلقّى الصندوق 4 مليون شيكل، لكن التبرّعات انخفضت إلى 870 ألف شيكل في 2006. تنبّهت لجنة الإدارة إلى وجوب بذل المزيد من أجل جمع التبرّعات، لترتفع بحلول عام 2010 إلى 6.5 مليون شيكل، مع دخول لاعبٍ جديد شديد الأهمّية: شركة «فونداسيون أدار».

شركة «فونداسيون أدار».. والسيد «مارينبرج»

ننتقل إلى الطرف الآخر من الخيط: شركة «فونداسيون آدار»، التي سُجّلت عام 2004 في بنما، أشهر الملاذات الضريبية في العالم. لم تُذكر «فونداسيون أدار» في تسريبات بنما الأخيرة، لكن «هآرتس» تمكنّت من الحصول على مستندات تُبتث ملكيتها لرجل الأعمال الأرجنتيني المُثير للجدل، «دييجو ألفريدو مارينبرج».

«مارينبرج» بليونير أربعيني، حصل على درجة البكالوريوس في الاقتصاد والمُحاسبة من جامعة «بار إيلان» بإسرائيل. جنى «مارينبرج» معظم ثروته من العمولات التي تقاضاها كوسيطٍ في التعاملات التجارية الفنزويلية لبيع الذهب، في عهد الرئيس «هوجو تشافيز». ومع ثروة بهذا الحجم، وتساؤلات حول إعطائه الأفضلية في شراء السندات لعلاقته الوطيدة بوزير الاقتصاد الأرجنتيني، فمن المتوقّع أن يلقى «مارينبرج» اهتمامًا إعلاميًّا كبيرًا. لكن «مارينبرج» يبقى خارج الأضواء، بلا تواجد ملموس على شبكة الإنترنت، أو الشبكات الاجتماعية والتجارية.

مصادر من صندوق رعاية الصهيونية تزعم أنّ رجلًا يُدعى «رافي بن باسات» هو ممثّل لشركة «فونداسيون أدار». «بن باسات» أحد رموز المجتمع الاستيطاني، وعمل سابقًا في مجلس يشع للمستوطنات وعدّة منظمات أخرى، آخرها مؤسسة «إلعاد» الاستيطانية غير الربحية. أحد رموز اليمين الإسرائيلي يؤكّد أنّ «بين باسات» يتحكّم تمامًا بـ«مارينبرج» البليونير، صغير السنّ.

«زئيف هيفير»

«زئيف هيفير»، العضو السابق في التنظيم اليهودي السرّي، التنظيم الإرهابي الذي نفّذ عددًا من الهجمات والتفجيرات ضد الفلسطينيين في ثمانينيات القرن الماضي. لـ«زئيف» صلات قويّة بالعديد من السياسيين، ويرتبط اسمه ارتباطًا وثيقًا بالحركة الاستيطانية في الضفّة الغربية.

«هيفير» هو الأمين العام لحركة «أمانة». وفي 2014، قبل بدء تحقيق أمانة المؤسسات غير الربحية، كان أيضًا عضوًا في لجنة إدارة صندوق رعاية الأيديولوجية الصهيونيّة، إلى جانب «موشي يوجيف»، أمين صندوق «أمانة»، و«حاييم فوجل» المرتبط كذلك بالحركة.

وفقًا للتقرير، «هيفير»، وإلى جانبه «يوجيف»، على صلة بأغلب المؤسسات الاستيطانية. جديرٌ بالذكر أنّ «هيفير» وزميله «يوجيف» يخضعان حاليًا للتحقيق بتهمة فسادٍ مالي.

الرجلان هُما العقلان المدبّران لعملية جمع الأموال للعمليات الاستيطانية، وبالأخص لـ«أمانة»، و«بينيناي بار أمانة»، والصندوق الصهيوني. تُدير المؤسسات الثلاثة عملياتها من مقرّ واحد بمدينة القدس، بموّظفين كلّهم تقريبًا من المتدينين الذين يرتدون الطواقي اليهودية، والنساء المحجّبات، وحوائط تحمل صورًا جوية لعدّة مستوطنات إسرائيلية.

تحويلات مالية ضخمة

يُمكن الآن أن نتتبع سير التحويلات المالية الضخمة، التي ساهمت في استمرار الأعمال الاستيطانية في الضفّة الغربية. يكشف تحقيق هآرتس أنّه في عامي 2013 و2014، حوّلت «فونداسيون آدار» عشرات الملايين من الشيكلات «العملة الإسرائيلية» إلى صندوق رعاية الأيديولوجية الصهيونية، الذي حوّل بدوره حوالي 40 مليون شيكل «حوالي 10 مليون دولار أمريكي» إلى «أمانة» وامتداداتها، بالمخالفة للقوانين المنظّمة للمؤسسات غير الربحية التي تحظر عليها تحويل الأموال إلى مؤسسات ربحية. تلك التحويلات لم يتمّ تسجيلها في التقارير المالية التي سلّمها الصندوق للحكومة على مدار الأعوام السابقة.

تقول هآرتس إن التحقيق الذي أجراه أمين سجّلات المنظمات غير الربحية حول هذه التحويلات انتهى بشكلٍ مُريب وبلا تفقّد للحسابات البنكية للصندوق، مع الاكتفاء بتوجيه الصندوق إلى عدم إجراء مثل هذه التحويلات مرّة أخرى. كان دِفاع «هيفير» و«يوجيف» متلخّصًا في أن التحويلات هي بمثابة «قرضٍ» وافق عليه الصندوق على أن تردّه «أمانة» في العام ذاته، لكن التحقيق أكّد أنّ القرض ذهب إلى «أمانة» بدون تحديد معدّل فائدة، أو موافقة من لجنة إدارة الصندوق، أو ضماناتٍ لردّه. من 27 مليون شيكل حولها الصندوق إلى «أمانة» في 2014، لم يستردّ سوى 7 ملايين شيكل فقط. ومع كون المنظمتان تُديران أعمالهما من ذات العنوان، ولهما نفس الإدارة، فقعد أُعلن عن بدء تحقيقٍ آخر في مارس (آذار)، ربّما يستغرق عدّة أعوام، للكشف عن العلاقة بين المنظمتين.

تحقّقت هآرتس كذلك من عدّة عناوين مرّت بها التحويلات، ومن عنوان شركة «فونداسيون أدار» الذي أعطاه الصندوق لجهات التحقيق، لتجِد أنّ العناوين مزيّفة، وغير مطابقة. فعنوان الشركة في بروكلين هو عنوان وكالة بريدية يملكها متشدد يهودي.

كيف ردّت «أمانة» على تحقيق هآرتس

من جانبها، صرّحت حركة «أمانة» بأنّ الحركة وصندوق دعم الصهيونية لم يخرجا عن إطار القانون وتعليمات السلطات، قائلين بأن الحقائق التي بُني عليها التحقيق «غير حقيقية أو مشوّهة». وقد بدأ بالفعل، وفقًا لما صرّحت به الحركة، قطع العلاقات بين حركة «أمانة» وصندوق دعم الصهيونية، وتحقيق الانفصال بين الإدارتين. كذلك أكّد أمين سجلات المنظمات غير الربحية أنّه لا «دلائل مكتوبة» تؤكد المزاعم ضدّ المؤسسات المعنية، التي قدّمت من جانبها كل ما طُلب منها من مستندات.

صرّحت الحركة الاستيطانية كذلك، أنّها ستستمرّ في أعمالها في الإطار الذي يحدده القانون.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد