نشرت شبكة «ذا كونفرزيشن» على موقعها الإلكتروني مقالًا تشير فيه إلى أن جائحة كورونا كشفت محدودية قدرات الذكاء الاصطناعي، وأبرزت الحاجة إلى تغيير اتجاه تطوير هذا المجال، والتوجه نحو الاستثمار بشكل أكبر في أنظمة الذكاء الجمعي.

وذكرت كاتبة المقال كاثي بيتش، رئيسة مركز تصميم الذكاء الجمعي بمؤسسة «نيستا» البريطانية للابتكار (المركز الوطني للعلوم والتكنولوجيا والفنون)، أن هذه الأزمة مثلت اللحظة المناسبة التي كان يفترض أن يتألق خلالها الذكاء الاصطناعي، لاسيما وأن هذا المجال تلقى استثمارات تقدر قيمتها بمليارات الدولارات خلال السنوات الأخيرة، وكان ينظر إليه باعتباره حلًا لكل مشكلة يمكن تصورها. لذلك عندما تفشت جائحة كورونا، بدأت الاستعانة بالعديد من نماذج الذكاء الاصطناعي على الفور.

وأضافت أن بعض هذه النماذج بحثت عن مُركبات جديدة يمكن استخدامها لتطوير لقاح للفيروس، أو حاولت تحسين عملية التشخيص، بينما تتبعت نماذج أخرى تطور المرض، أو وضعت تنبؤات لنتائج المرضي. كما وضع بعضها أنماطًا لعدد حالات الإصابة المتوقعة في ضوء مختلف السياسات المتبعة، أو تتبّع أوجه التشابه والاختلاف بين المناطق.

بيد أن النتائج كانت مخيبة للآمال إلى حد كبير حتى الآن، إذ إن قلة قليلة للغاية من هذه المشروعات أحدثت تأثيرًا عمليًا بشكل يرتقي إلى مستوى الضجة التي أثيرت حولها أو المليارات التي استُثمرت فيها. وفي الوقت نفسه، سلطت الجائحة الضوء على هشاشة العديد من نماذج الذكاء الاصطناعي. وشهدت الأزمة أداء مختلف أنظمة الذكاء الاصطناعي يحيد عن مسارها – بدءًا من أنظمة التوصية الترفيهية إلى أنظمة الكشف عن الاحتيال وإدارة المخزون – فيما كانت تكافح للتكيف مع التحولات الجماعية المفاجئة في السلوك.

البطل غير المتوقع

وبدلًا عن ذلك كان البطل غير المتوقع الذي خرج من رماد هذه الجائحة هو الحشد؛ إذ تبادلت حشود من العلماء حول العالم البيانات والأفكار بشكل أسرع من أي وقت مضى، وصنعت حشود من المصنّعين المحليين معدات الوقاية الشخصية للمستشفيات التي لم تسعفها سلاسل التوريد، وانتظمت حشود من الناس العاديين في جماعات الإغاثة المتبادلة للاعتناء ببعضهم البعض. وأشارت الكاتبة إلى أن جائحة كورونا ذكّرتنا بالسرعة التي يمكن بها للبشر تكييف المعرفة والمهارات والسلوكيات الحالية مع المواقف الجديدة تمامًا، وهو أمر لا تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي شديدة التخصص القيام به، حتى الآن على الأقل.

مقبرة كورونا العراق

وأضافت أن التحدي الهائل الذي نواجهه الآن يتمثل في التعافي من أسوأ انكماش اقتصادي مسجل على الإطلاق، لا سيما وأن الانقسامات المجتمعية وأوجه عدم المساواة باتت أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. وفي الوقت نفسه، تلوح في الأفق أزمة أخرى وهي تغير المناخ.

وأوضحت أن العاملين في مؤسسة «نيستا» يعتقدون أن حل هذه المشاكل المعقدة يكمن في الجمع بين القدرات المتميزة لكل من ذكاء الحشد وذكاء الآلة، لإنشاء أنظمة جديدة من «الذكاء الجمعي».

وذكرت أن المؤسسة مولت 12 تجربة – عام 2019 – تهدف للمساعدة في تطوير المعرفة بالكيفية التي يُمكن بها للتوليفات الجديدة التي تجمع بين ذكاء الآلة وذكاء الحشد أن تساعد في حل المشكلات الاجتماعية الملحة، مضيفة أن لدينا الكثير لنتعلمه من نتائج هذه التجارب، فيما نبدأ مهمة إعادة البناء من الدمار الذي خلفته الجائحة.

وفي إحدى هذه التجارب، درس باحثون من «معهد العلوم والتقنيات المعرفية» في روما استخدام نظام ذكاء اصطناعي مُصمم للحد من التحيزات الاجتماعية في عملية صنع القرار الجماعي. هذا النظام الذي حجب عن أعضاء المجموعة المعلومات الخاصة بما كان يفكر فيه الآخرون في وقت مبكر شجع المشاركين على قضاء المزيد من الوقت في تقييم الخيارات بأنفسهم.

وقد نجح النظام في الحد من ميل الناس إلى «السير وراء القطيع»، وهي نزعة ناتجة عن عدم الاستماع إلى الآراء المتنوعة أو تلك التي تعبر عنها الأقلية أو تحدي الافتراضات السائدة، وهذه كلها انتقادات وجهت إلى اللجان الاستشارية العلمية التابعة للحكومة البريطانية خلال تفشي الجائحة. وفي تجربة أخرى طلب مختبر الذكاء الاصطناعي في جامعة بروكسل من الناس تفويض القرارات إلى «وكلاء» ذكاء اصطناعي لتمثيلهم. ووجد الباحثون أن المشاركين كانوا أكثر ميلًا لوضع الأهداف الجماعية طويلة المدى في الحسبان أثناء اختيار وكلائهم، وذلك عوضًا عن الأهداف قصيرة المدى التي تُعظّم المنفعة الفردية.

وذكرت كاتبة المقال أن تقديم تضحيات شخصية من أجل الصالح العام هو أمر يعاني منه البشر عادةً، ومع ذلك فاجأ الجمهور البريطاني العلماء باستعداده لتبني سلوكيات تباعد اجتماعي جديدة لإيقاف تفشي كورونا. وتساءلت: فيما تحاول البلدان في جميع أنحاء العالم تحريك اقتصاداتها المتعثرة، هل سيكون الناس على استعداد مماثل للعمل من أجل الصالح العام وقبول التنازلات اللازمة لخفض انبعاثات الكربون أيضًا؟

إمكانات جديدة

وترى كاثي أن فيروس كورونا ربما يكون قد أبعد قضية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عن الصفحات الأولى للجرائد خلال الأشهر القليلة الماضية، إلا أن الديمقراطية في المملكة المتحدة ستُختبر خلال الأشهر المقبلة بسبب الحاجة إلى قيادة أمة منقسمة عبر خيارات صعبة، وذلك في أعقاب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والركود الاقتصادي الذي تعانيه.

وفي تجربة ثالثة دخلت شركة تكنولوجيا تُدعى (Unanimous AI) في شراكة مع جامعة إمبريال كوليدج لندن، لإجراء تجربة على طريقة جديدة للتصويت باستخدام خوارزميات ذكاء اصطناعي مستوحاة من أسراب النحل. ويتيح نهج «الاحتشاد» للمشاركين رؤية التوافق في الآراء الذي ينشأ أثناء عملية صنع القرار، كما يتيح لهم التجمع حول القرار في الزمن الفعليّ؛ مما يساعد الناس على إيجاد حلول جماعية مقبولة. وأوضحت أن الناس دائمًا ما كانوا أكثر رضا عن النتائج التي أفضت إليها هذه الطريقة من التصويت، مقارنة بتلك التي أسفر عنها التصويت بأغلبية الأصوات.

واعتبرت الكاتبة أن كلًا من هذه التجارب يعطينا لمحة عما قد يكون ممكنًا إذا فهمنا العلاقة بين الذكاء الاصطناعي وذكاء الحشد فهمًا صحيحًا، كما يرينا أيضًا كيف تفند الافتراضات السائدة على نطاق واسع بشأن الآثار السلبية للذكاء الاصطناعي. لذا، فإن استخدام الذكاء الاصطناعي بحرص يمكن أن يدفعنا إلى التفكير طويل الأجل ويساعدنا على مواجهة التحيزات الاجتماعية بدلًا عن ترسيخها.

وأشارت إلى أن مؤسسة «نيستا» تستثمر – جنبًا إلى جنب مع شركائها «شبكة أميديار» و«ويلكم» ومؤسسة «كلوديرا» وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي – في تنمية مجال تصميم الذكاء الجمعي. وأضافت: «مع بدء الجهود الرامية إلى إعادة بناء مجتمعاتنا بعد فيروس كورونا، فإننا ندعو الآخرين للانضمام إلينا. نحن في حاجة إلى المؤسسات الأكاديمية لإنشاء برامج بحثية مخصصة، وفي حاجة إلى المزيد من التعاون بين التخصصات، وفي حاجة إلى المستثمرين لإطلاق فرص تمويل واسعة النطاق للبحث والتطوير في مجال الذكاء الجمعي الذي يركز على التأثير الاجتماعي. ومن المناسب البدء بقائمة التوصيات التي نقدمها».

واختتمت مقالها بالقول إنه في غضون ذلك، ستستمر المؤسسة في تجربة توليفات جديدة تجمع بين ذكاء الحشد وذكاء الآلة، بما في ذلك إطلاق الجولة التالية من برنامج المنح هذا الخريف، موضحة أن العالم يتغير بسرعة، وأن الوقت قد حان لتغيير اتجاه تطوير الذكاء الاصطناعي أيضًا.

صحة

منذ 3 أسابيع
مترجم: كيف سيتعامل الجهاز المناعي مع عودة الإصابة بفيروس كورونا؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد