نشر موقع «ذا كونفرزيشن» الأسترالي تقريرًا لفرانك بونجورنو، أستاذ التاريخ في جامعة «أستراليا الوطنية»، تحدث فيه عن أحزاب اليمين المتطرف والدور الذي تلعبه في الأزمات الكبرى من أجل تعزيز مكانتها ووجهات نظرها لدى الشعب.

الأزمات وقود السياسات اليمينية

يستهل الكاتب تقريره بالقول: إن الأزمات الكبرى هي المحرِّك لتعبئة السياسات اليمينية؛ فمن المعروف أن الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي أعطى للنازيين فرصتهم في الظهور. كما أعطى الفرصة للفاشيين أو المقرَّبين منهم في بلدان أخرى، بما فيها أستراليا التي كانت أرضها مليئة بالحرس القديم والحرس الجديد والجيش الأبيض والانفصاليين الأستراليين الغربيين والهيئات الوطنية ورابطات المواطنين، وكلها كانت تدَّعي أنها سئِمت السياسة وما أتت به.

وهذه الجائحة الحالية ليست استثناءً من ذلك. وقد كان عدم اليقين في تلك الأوقات سببًا كبيرًا في ظهور نظريات المؤامرة. وأعطى الكساد الكبير دفعة كبيرة لنظريات الأموال الغريبة مثل الائتمان الاجتماعي، التي اتهمت «القوة المالية» التآمرية والشريرة بأنها أصل كل الشرور الاجتماعية والاقتصادية، وهي نظرية كان لها أحيانًا محتوى معادٍ للسامية.

ولا تزال هذه النظريات حاضرة معنا حتى اليوم، والتي يُعبِّر عنها بوضوح هوَس جزء من اليمينيين بالتأثير الخبيث المُتَصور للملياردير جورج سوروس. ويشعر البعض بالقلق من أن بيل جيتس يتنصت علينا، وأن تكنولوجيا الجيل الخامس تستعبدنا، والتطعيم مؤامرة لتدمير حريتنا. ومنذ عدة سنوات، واليمين المتطرف منشغل بالإسلام، دون التخلي عن أعدائه القدامى ولكنه الآن يبحث عن أُناس آخرين يشعر بالقلق حيالهم.

ولكن هذا الأمر ليس جديدًا تمامًا، فمن سمات التعبئة السياسية اليمينية أنها تميل إلى تجميع أجزاء كانت موجودة في السابق لمدة طويلة، وتكييفها لتلائم الوقت الحاضر. فالحجج بشأن التطعيم كانت موجودة منذ سنوات، ويُعاد توظيفها الآن لتناسب الوضع الراهن.

هل المعارضون لسياسات الإغلاق من اليمين فقط؟

يتساءل الكاتب: ولكن من أين يأتي هؤلاء الناس؟ ليس جميعهم من اليمين، فهناك دعاة للصحة ونمط الحياة الطبيعي، والمؤثرون على وسائل التواصل الاجتماعي ممن هم ضد التطعيم. وقد يكون المتظاهرون ضد الإغلاقات من اليمين، ولكن الأمر لا يقتصر عليهم فقط، فهناك إحباط واضح على وجوه الناس من القيود التي فرضتها الحكومات استجابةً للجائحة وآثارها على الحرية الشخصية. وهذا الأمر يتخطى الأشخاص الذين يَعدُّون أنفسهم من اليمين.

ومع ذلك، من اللافت للنظر أن كثيرًا مما هو مشهور اليوم بأنه احتجاج يميني من أجل «الحرية» له أصل في الاتجاه العام لسياسات اليمين. فقد كان كريج كيلي، أحد المتحمسين للتحذير من المعلومات المضللة عن فيروس كورونا، حتى وقت قريب، عضوًا ليبراليًّا يشغل مقعد سيدني في البرلمان الأسترالي، وكان اختياره الأوَّلي تحت حماية رئيس الوزراء الحالي.

Embed from Getty Images

وجون روديك، العضو البارز في حزب الديمقراطيين الأحرار والذي برز في الاحتجاجات الأخيرة المناهضة للإغلاق في سيدني، هو مرشح سابق لمنصب رئيس الحزب الليبرالي. وكان كامبل نيومان، رئيسًا للوزراء من الحزب الوطني الليبرالي في كوينزلاند لولاية واحدة، وترشح الآن لجولة مع الديمقراطيين الأحرار وأعلن ترشحه لمجلس الشيوخ في سعيه لقضية نبيلة وهي «الحرية». ويشتكي آخرون أيضًا من الإغلاق والقيود مثل جورج كريستنسن ومات كانافان، وكلاهما من السياسيين الفيدراليين في ولاية كوينزلاند ولا يزالان في الحكومة الائتلافية.

وكل هذا يتوافق مع نمط تاريخي؛ إذ لم يكن من الممكن أن نسمع ببولين هانسون أبدًا لولا اختيار الحزب الليبرالي المسبق لأوكسلي عام 1996. ويتصدر «سكاي نيوز» مستشارون ليبراليون سابقون مثل آلان جونز وبيتا كريدلين.

الإعلام واليمين

ويلفت التقرير إلى أن اليمين يستفيد من بيئتنا الإعلامية؛ إذ إن دور وسائل الإعلام بقيادة روبرت مردوخ التي تنجح في تحويل سهرة الأمس إلى قضية سياسية أمر مفهوم بكل تأكيد. وكذلك دور وسائل التواصل الاجتماعي في تمكين انتشار نظريات المؤامرة، وحتى التطرف العنيف من النوع الذي شهدته واشنطن العاصمة في يناير (كانون الثاني).

ولكن هناك إحجام مفهوم من جانب وسائل الإعلام الرئيسة، نظرًا لتواطئها، في تسهيل التعبئة السياسية اليمينية. فقبل أسبوعين فقط، كان السيناتور مات كانافان يتحدث في برنامج يقدمه ستيفن بانون، مؤسس شبكة «برايتبارت» الإخبارية ومستشار ترامب. وفي الأسبوع الماضي، كان في فقرة الأسئلة والأجوبة على قناة «آي بي سي»، التي يحضرها الجمهور الوطني.

وتزدهر وسائل الإعلام الرئيسة بالأحداث المثيرة التي يطلقها الخلاف القوي؛ إذ على المدافعين عن الإغلاقات من أجل سلامة السكان عندما تصل الإصابات لأكثر من 300 حالة يوميًّا في أكبر مدينة في البلاد أن يواجهوا النوع الذي يحمل شعار «دع الفيروس ينطلق بحرية». ويحصل معهد الشؤون العامة اليميني، في سبيل تحقيق التمثيل والتوازن، على فرص إعلامية لا تتناسب تمامًا مع أي مصلحة عامة حقيقية ناتجة عن أفكاره التحررية.

وكان إحياء مهنة بولين هانسون السياسية في منتصف عام 2010 يعتمد بالأساس على الفرص التي يوفرها التلفزيون التجاري، حيث يمكن ضمان أن تجذب الأفكار والآراء المتطرفة التي تطرحها انتباه المشاهدين والمعلنين. وقد فهمت هي ومستشاروها دائمًا القيمة الإعلامية للحيل السياسية، مثل ظهورها في البرلمان مرتدية البرقع.

أعداء وقضايا جديدة

ويقول الكاتب إن قراءة القسم الأسترالي من مجلة «ذا سبكتاتور» هذه الأيام، عبارة عن مواجهة مع تعليقات يمينية تبدو غير متوافقة مع الحكومة الائتلافية بقيادة سكوت موريسون. ويظهر أنهم منزعجون من هذه الحكومة تمامًا كما كانوا من قبل مع عدوهم الراديكالي الخطير السابق، مالكوم تورنبول.

Embed from Getty Images

ويبدو أن المعلِّقين من هذا النوع – وتُسهِب افتتاحية الصحيفة في الثناء على ردويك بوصفه أحد كبار المفكرين في الحزب الليبرالي الحديث عن مدى ثلاثة عقود – قلقون هذه الأيام من موريسون مثل قلقهم من «الدكتاتور دان» أندرو في ملبورن. وربما أكثر من ذلك، فهم قلقون من الاستبداد والإنفاق الكبير ومغازلة الناس بأفكار تقليل انبعاثات الكربون. وقبل كل شيء هم قلقون مما يسمونه الأكاذيب والخداع بشأن مرض كوفيد.

والفكرة الأساسية في هذه الدوائر هي أن معظم السياسيين ومستشاريهم الصحيين يبالغون في الحديث عن مخاطر المرض. وقد فعلوا ذلك لأنهم يكرهون الحرية الفردية في الأساس، ولا يهتمون لأمر الناس العاديين الذين هم مجبرون على كسب قوتهم في الاقتصاد الواقعي. ومرةً أخرى، هذه هي الأفكار التي ستجدها بين بعض المعلِّقين في وسائل الإعلام الرئيسة، وليس في أماكن منزوية على صفحات الإنترنت أو في الصحف اليمينية المغمورة.

يمعنى آخر، هم النسخة الأسترالية من البريكست وترامب؛ فهم يرددون شعارات البريطانيين المعادين لأوروبا، والطغاة المَجريين، وحكام ديكسي لاند، وأعضاء مجلس الشيوخ من الجمهوريين وستيف بانون.

ولكن كما هو الحال تمامًا مع نظرائهم من الشعبويين اليمينيين في الأماكن الأخرى، فهم أيضًا سياسيون مغامرون ورجال أعمال يسعون إلى تكوين قواعد انتخابية جديدة في المناطق غير المعروفة.

وبسبب قصر أيديهم عن إيجاد حلول وخطاباتهم المفوهة، وعدم اضطرارهم إلى إدارة أي شيء في البلاد، يشعر اليمين المتطرف بالإحباط لأن غالبية السكان يبدون راضين عن فعل ما يُقال لهم بالضبط.

ويختم الكاتب تقريره بالقول: يبدو اليمين في بعض الأحيان صاخبًا مثل الطائفيين اليساريين الذي يشبههم أحيانًا، ولكنهم أكثر أهمية لأن لديهم رعاة إعلاميين مهمين، ويستغلون مخاوف وإحباطات حقيقية لدى الناس، ويبدون منطقيين في انتقادهم لإفراط الحكومة واستبدادها. وذلك لأن حكومتنا في بعض الأحيان، خاصةً أثناء هذه الجائحة، مارَسَت الإفراط والاستبداد.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد