نشرت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية تقريرًا أعدته نيشكا تشاندران، المهتمة بالشؤون الجيوسياسية في آسيا، سلَّطت فيه الضوء على استغلال بعض الجيوش مثل الجيش في إندونيسيا والفلبين لجائحة فيروس كورونا المستجد لإحكام السيطرة على البلدين.

تقول نيشكا في مستهل تقريرها: بعض حكومات جنوب شرق آسيا، التي أظهرت تلكؤًا في الاستجابة لجائحة فيروس كورونا، تستخدم الآن جيوشها لتعويض تقاعسها الأوَّلي.

وكانت إندونيسيا والفلبين بصفة خاصة قد تعاملت مع فيروس كورونا ليس بصفته مسألة صحية عامة، بل بصفته مسألة أمنية؛ في تطور يمكن أن يقوِّض الديمقراطية في منطقة لها تاريخ من الحكم الاستبدادي.

دولي

منذ 4 شهور
هل ينجح ترامب في توريط الجيش الأمريكي في السياسة؟

ضباط الجيش يتصدون لكوفيد-19

تواصل الكاتبة: في كلٍ من جاكرتا ومانيلا، يقود ضباط متقاعدون أو يشغلون مناصب رفيعة في الجيش قوات العمل الحكومية للتصدي لكوفيد-19 بدلًا من الخبراء الصحيين. ويتناقض هذا النهج مع منهجيات دول أخرى مثل: سنغافورة وفيتنام، أوكلت مهمة إدارة الجائحة إلى القيادات المدنية ومسؤولي صحة.

وأُثني على كلا البلدين فيما يتعلق بإجراء فحوصات مكثفة وتنسيق السياسات والشفافية، على الرغم من إحرازهما نتائج متفاوتة؛ إذ سجلت فيتنام حالة وفاة واحدة بكوفيد-19، في حين أن سنغافورة لديها الآن أحد أعلى معدلات الإصابة بالفيروس في آسيا. في الوقت نفسه، تضع كل من ميانمار وتايلاند قادة من الجيش في موضع المسؤولية لإدارة الأزمة التي خلَّفها الوباء، لكنَّ الجيش  بالأساس يؤثر تأثيرًا كبيرًا في كلتا الإدارتين.

Embed from Getty Images

ولكن في إندونيسيا والفلبين، يشير السماح لمسؤولي الجيش بإدارة الأزمة إلى أن هذه الحكومات ترى جائحة فيروس كورونا بمثابة تمرد يجب قمعه، وليس أزمة تتطلب إصلاحات صحية طويلة المدى. وتعد السيطرة المدنية على الجيش ديناميَّة حديثة نسبيًّا في كلا البلدين. ما يثير المخاوف هنا هو أن هذه الاستجابة العسكرية للجائحة يمكن لها أن تمهد الطريق لانزلاقة طويلة المدى نحو الاستبداد.

الجيش والعلاقات العسكرية- المدنية

وفي إندونيسيا، تؤدي الأدوار الجديدة المُسنَدة إلى ضباط الجيش إلى إفساد العلاقات المدنية- العسكرية الحساسة وزيادة سلطة الجيش. وفي هذه الأثناء، يُتَّهم الرئيس الفلبيني رودريجو دوتيرتي باستخدام الجيش لاستحداث سياسات أكثر قمعية.

تنقل الكاتبة عن براشانث باراميسواران، مدير مجموعة باور آسيا الاستشارية، وزميل مركز ويسلون للعلماء قوله: «هناك دائمًا خطورة من أن تعبئة الجيش تقوِّض الديمقراطية وحكم القانون، ويتوقف الأمر على السياسيين والناشطين والمجتمعات، للحيلولة دون حصول ذلك». وعندما فشل قادة تلك البلدان في اتخاذ إجراءات وقائية، اتجهوا إلى مسؤولي الجيش لمساعدتهم في احتواء مشكلات التفشي.

فمثلًا، استخف القادة في إندونيسيا والفلبين بخطورة الجائحة، وفشلوا في اتخاذ إجراءات وقائية، وعندما تفشى الوباء لجأوا إلى مسؤولي الجيش لاحتواء التفشي.

وشهدت الحالات زيادة كبيرة في كلا البلدين منذ مارس (آذار). فبعد أسابيع من إنكار وجود إصابات غير مُكتَشَفة، أعلن الرئيس جوكو ويدودو أول حالة إصابة بفيروس كورونا في مطلع مارس. وبحلول نصف أبريل (نيسان)، اقتربت حالات الإصابة المؤكَدة من 6 آلاف حالة، والآن تجاوزت الحالات حاجز 39 ألف حالة. أما في الفلبين، رفضت وزارة الصحة فكرة إجراء فحوصات جماعية في مارس، وفي أول أبريل، رُصدت أكثر من 3 آلاف حالة إصابة، وهناك الآن أكثر من 26 ألف حالة.

Embed from Getty Images

وتضيف الكاتبة: في إندونيسيا، يقود فريق الاستجابة السريعة لفيروس كورونا قائد عسكري برتبة فريق، هو: دوني موناردو، رئيس الوكالة الوطنية لإدارة الكوارث.

كُلِّفت هذه الوحدة بتتبع المخالطين ورصدهم، والقيام بعمليات مراقبة الحدود. ويتولى كبار الجنرالات، بما فيهم دوني، ثلاثة مناصب من بين ستة مناصب تنفيذية، في حين أن واحدًا فقط من هذه المناصب الستة يشغلها شخص ذو خلفية صحية.

ويدير الجيش أيضًا مستشفيات طوارئ كوفيد-19 في جاكرتا وعلى جزيرة جالانج. صحيح أن الجيش ليس مسؤولًا عن صنع القرارات التي تتعلق بسياسات المدنيين، ولكن يُحذر خبراء من أن الوجود البارز للجيش في فريق العمل، يمكن أن يمهد الطريق لعودة الجيش للتدخل في الشؤون المدنية.

وكانت البلاد قد عانت من فترة حكم ديكتاتورية قاسية في الفترة الممتدة بين 1967 – 1998 في عهد الرئيس سوهارتو، الذي شكَّل حكومة يسيطر عليها الجيش، حسبما توضح الكاتبة.

«جوكوي».. رجل الجيش الإندونيسي في القصر الرئاسي

قدّم الرئيس الإندونيسي، المعروف باسم جوكوي، نفسه على أنه إصلاحي عندما وصل إلى السلطة عام 2014، لكنَّه أقام علاقات وثيقة مع الجيش.

وفي عام 2015، أسند إلى الجيش دورًا أكبر في الإدارة المدنية، وتضم حكومة جوكوي الحالية، التي اختارها بعد إعادة انتخابه في العام الماضي، أعلى عدد من رجال الجيش تشهده البلاد منذ عقود.

ويسعى جوكوي أيضًا لإسناد دور رسمي في مجال مكافحة الإرهاب إلى القوات المسلحة، كما ورد في مرسوم رئاسي صدر الشهر الماضي. وفي فبراير (شباط)، انتُقِد الرئيس بسبب تقديمه مشروع قانون إلى البرلمان يمنحه المزيد من السيطرة على صُنع السياسات.

واستشهدت الكاتبة بما قاله زكاري أبوزا، الأستاذ بكلية الحرب الوطنية في واشنطن، والمتخصص في قضايا الأمن في جنوب شرق آسيا: «يبدو أن الجيش يحاول استعادة السلطة المدنية، وجوكوي إما أنه يمكِّنهم من ذلك، وإما لا يتصدى لهم».

وإذا كان الأمر كذلك، فإن التقدم الديمقراطي الذي أحرزته الحكومة المدنية المُنتَخَبَة خلال العقدين الماضيين يمكن محوه؛ بما يعيد البلاد إلى حالة الاستبداد المدعوم من الجيش.

ويشكل نقص الرعاية الصحية تهديدًا آخر لإندونيسيا، حيث يعاني أكبر اقتصاد في جنوب شرق آسيا من نقص في العاملين الطبيين المُدرَبين، والمعدات الوقائية الشخصية.

ويُنظَر اليوم إلى وزير الصحة تيراوان أجوس بوترانتو على أنه مناهض للعلم؛ بعد أن أشار إلى أن قوة الصلاة ستحمي الإندونيسيين من فيروس كورونا.

Embed from Getty Images

«تحتاج البلاد إلى قادة ذوي خبرة في علم الأوبئة لمعالجة القضايا الهيكلية في نظام الرعاية الصحية الوطني»، حسبما صرح تانجوه تشيرلي، الخبير الأمني الوطني في جامعة بينا نوسانتارا في جاكرتا.

هل يستخدم الرئيس الفلبيني الجيش لإعلان قانون الأحكام العرفية؟

وبحسب التقرير، يتولى وزير الدفاع، ديلفن لورينزانا، في الفلبين فريق العمل المعني بالتصدي لفيروس كورونا. ويحيط به المستشار الرئاسي، كارليتو جالفيز جونيور، ووزير الداخلية، إدواردو آنو، وهم جميعًا قادة عسكريون سابقون.

ويخشى منتقدو الحكومة من أن دوتيرتي يمكن أن يستغل دور الجيش في فريق الاستجابة للأزمة كفرصة لإعلان قانون الأحكام العرفية. وتساءل كارلوس زاراتي، ممثل الحزب اليساري بيان منى في أواخر مارس قائلًا: «هل نحن الآن في حالة حكم عسكري غير مُعلَن، والمجلس العسكري يحكم البلاد فعليًّا الآن؟».

وفي أبريل، أصدر دوتيرتي أوامره لوحدات الشرطة والجيش بإطلاق النار على المحتجين الذين خرقوا قواعد الحجر الصحي. وبحسب المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فإن الشرطة اعتقلت 120 ألف شخص. وقال المتحدث باسم القوات المسلحة الفلبينية، إدجارد أريفالو، في وقت لاحق إن الجيش كان يعمل مع الشرطة من أجل تطبيق حظر يشبه قانون الأحكام العرفية» إذا لزم الأمر.

سجل الجيوش المُضرَّج بالدم.. ماذا عن الجيش الفلبيني؟

تواصل الكاتبة تتبع الحال في الفلبين وتقول: على عكس ما يحدث في إندونيسيا، لا تسعى القوات المسلحة الفلبينية إلى زيادة سلطتها، إذ تتمتع بالفعل بدرجة كبيرة من ثقة الشعب.

ولكنَّ سجل الجيش تلونه الدماء؛ ذلك أنه يشتهر بوصم نقاد الدولة بالشيوعيين أو الإرهابيين؛ ما يجعلهم أهدافًا للعنف. يقول مايكل هنري يوسينجكو، زميل أبحاث كبير بجامعة أتينيو دي مانيلا: «ما يزال الجيش يستخدم ما يسمى بتكتيكات «البطاقات الحمراء» ضد نقاد الحكومة ذوي التوجهات اليسارية».

ويؤكد الجيش أنه سيحافظ على حقوق الإنسان في حال فرض قانون الأحكام العرفية على الصعيد الوطني. وفي حالة جزيرة مينداناو، حيث طُبِّقَ قانون الأحكام العرفية لمدة تزيد على العامين بسبب التهديدات الإرهابية، استمرت الأعمال التجارية كالمعتاد إلى حدٍ كبيرٍ، ومارست وسائل الإعلام عملها دون عوائق، بحسب يوسينجكو. وأضاف «لكن السيناريو ذاته ربما لا يحدث إذا طبق قانون الأحكام العرفية على الصعيد الوطني».

وتتابع الكاتبة: إذا طُبِّق قانون الأحكام العرفية، ربما يُجبَر الجيش على تنفيذ أوامر دوتيرتي، التي يمكن أن تشمل خوض صراع مع مجموعات إرهابية محلية، والمراقبة والاعتداء على حرية الصحافة. وأوضح أبوزا أيضًا أنه من المتوقَّع أن يوقِّع دوتيرتي قريبًا على قانون جديد لمكافحة الإرهاب، ويخشى الناشطون من تآكل المعايير الديمقراطية.

وبموجب مشروع القانون، يمكن لهيئة خاصة من المسؤولين الذين عينهم الرئيس أن تأمر السلطات باعتقال الأشخاص الذين تصفهم بـ«الإرهابيين» دون الحاجة إلى إذن قضائي. وكانت كل من إندونيسيا والفلبين تتخذ إجراءات صارمة ضد النقاد وحرية الصحافة، حتى قبل وقت طويل من تفشي جائحة كورونا.

Embed from Getty Images

وتعيد جاكرتا ومانيلا الآن فتح أبوابها تدريجيًّا بعد أسابيع من الإغلاق، لكن استراتيجياتهما الأمنية الثقيلة يمكن أن تنتج عنها تداعيات سياسية دائمة. ووفقًا لما ذكره باراميسواران، مدير مجموعة باور آسيا فإن على بلدان جنوب شرق آسيا توخي الحذر عندما يتعلق الأمر بمنح الجيوش مزيدًا من السلطة؛ لأن بعض أشكال العسكرة التي تحدث أثناء كوفيد-19 يصعب وقفها بعد انتهاء الجائحة».

تختتم الكاتبة تقريرها بالقول: سيتعين على الجهات الفاعلة غير الحكومية، مثل: المجموعات المعنية بالحقوق المدنية والصحافيين، التنديد بسياسات الحكومة أو الجيش القمعية. لكنَّ هذه ليست بالمهمة السهلة؛ ذلك أن إندونيسيا والفلبين كانتا تشنان حملات عسكرية على النقاد والصحافة الحرة قبل فترة طويلة من الجائحة. لذلك يتعين على المجتمع الدولي أن يساعد في الضغط على جاكرتا ومانيلا لإرساء المعايير الديمقراطية في أوقات الأزمات. وبدون المعارضة الداخلية والخارجية، ربما يتعمق غرق كلا البلدين في الاستبداد بذريعة فيروس كورونا.

الربيع العربي

منذ 4 شهور
كيف يستغل النظام الجزائري أزمة كورونا لدعم أحزابه السياسية؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد