ليس مليارديرات وادي السيليكون وحدهم هم الذين انتعشت أعمالهم، فبينما تكافح الدول للنجاة من براثن فيروس كورونا المستجد، ها هي عصابات الجريمة المنظمة (المافيا) تصعد هي الأخرى إلى صدارة المشهد في عددٍ من الدول، مستفيدين من الفراغ الذي خلفته الحكومات العاجزة عن خدمة مواطنيها.

ظاهرةٌ لافتةٌ هي موضوع تقريرٍ نشرته مجلة «فورين بوليسي»، وشاركت في إعداده كلا من لينزي كينيدي، الصحافية ومخرجة الأفلام الوثائقية التي تغطي شؤون التنمية والأمن العالمي وانتهاكات الحقوق المدنية وحقوق الإنسان، وناثان بول ساوذرن، المراسل الاستقصائي والمتخصص في الشؤون الأمنية.

تحويل فجوات «الاقتصاد المخطط» إلى قوة إجرامية

يستهل التقرير بالعودة إلى يوم 25 ديسمبر (كانون الأول) 1991، حين كان العلم الذي يحمل صورة المطرقة والمنجل يحلق للمرة الأخيرة فوق قصر الكرملين الروسي. فبحلول يناير (كانون الثاني)، كان الاتحاد السوفيتي قد تفكك إلى سلسلة من اقتصادات السوق الحرة. وعلى مدى عقود، تطورت سوق سوداء للسلع الشحيحة، بما يلبي احتياجات المستهلكين ويدعم الاقتصاد المتعثر. وللتأكد من أن مصنعًا لديه ما يكفي احتياجه من المطاط، أو أن مسؤولًا كبيرًا في الحزب الشيوعي سيحصل على تلفاز مُلَوّن، كان الأمر يتطلب علاقات خاصة، عرفت باسم Blat (مصطلع يشير إلى إنجاز الخدمات بفضل العلاقات الشخصية)، وهي السمة التي صبغت اقتصادات ما بعد الاتحاد السوفيتي. جرف هذا التيار الجميع تقريبًا، وازدهر البعض بالإبحار في هذه المياه؛ مما أدى إلى تحويل فجوات «الاقتصاد المخطط» (نظام اقتصادي مخطط مركزيًا) إلى قوة إجرامية. 

منطقة الشرق

منذ سنة واحدة
الوجه العنيف لليابان.. المافيا اليابانية المخيفة التي تساعد الفقراء!

في هذا العالم السفلي مترامي الأطراف، قدَّم الوضع الطبيعي الجديد فرصة مذهلة للتوسع وتعزيز القوة الحقيقية؛ إذ كان سقوط الحكومة الشيوعية يعني منح القوة لهذه الجماعات، ليس فقط للسيطرة على السوق، ولكن أيضًا لتفكيك وظائف الدولة. وكانت البداية بالقطاع الأمني: فبعد الخصخصة الجماعية لأصول الدولة – حين سقطت التفاحة غالبًا في أيدي هؤلاء المجرمين أنفسهم – كان رجال الأعمال الأفراد بحاجة إلى الحماية. وبعدم تفككت الصناعات والمؤسسات والخدمات التي تديرها الحكومة، وجد المواطنون أنفسهم في العراء، وكانوا بحاجة إلى دخل يمكنهم الاعتماد عليه. وبحلول نهاية التسعينات كانت المافيا قد تسللت ليس فقط إلى الشركات الكبرى، ولكن تقريبًا إلى كل مفصل من مفاصل الدولة.

وروسيا ليست الدولة الوحيدة التي ابتليت بهذه الظاهرة، بل تشترك الجريمة المنظمة – من إيطاليا إلى اليابان – في جذور متشابهة؛ إذ إنها ظهرت لاستغلال حاجة محلية معينة، ثم حين تعرضت الدولة لأزمة اقتصادية أو سياسية كبيرة كانت تتربص هناك لاستغلالها بنجاح أكبر بكثير. 

عصابات الجريمة المنظمة تحكم

مرَّت مياه كثيرة تحت الجسور، وبينما أجبرت الموجة الثانية من جائحة كوفيد-19 الاقتصاد العالمي على الركوع، لدرجة حرمان الناس من فرص العمل والقدرة على إعالة أنفسهم في المناطق التي تفتقر فيها الحكومات إلى الجاهزية لتحمل وطأة الركود، كانت مجموعات الجريمة المنظمة الناشئة جاهزة للانقضاض على المشهد، والاستيلاء ليس فقط على زمام الأمور التجارية، ولكن السياسية أيضًا.

يستشهد التقرير بقول الصحافي البريطاني المتخصص في شؤون الجريمة المنظمة العالمية، ميشا جليني: «عندما نخرج من هذه الورطة، ستكون آلاف الشركات قد أفلست؛ ما يجعل الوضع الاقتصادي غير مستقر وفي حالةٍ يائسة، لدرجة أن الدولة لن تستطيع قيادة الدفة إلا جزئيًا. وعندما تعجز الدولة عن الإدارة، ستتولى المنظمات (الإجرامية) زمام الأمور بدلا عنها».

يضرب جليني، مؤلف «ماك مافيا»، على ذلك مثلًا: مناطق مكسيكية، استغلت فيها كارتيلات المخدرات الأزمة بالفعل لترسيخ نفوذها، والترويج لجهودها الخاصة في مجال الرعاية الاجتماعية. لكنه يعرب أيضًا عن قلقه البالغ حيال الأوضاع في دول أخرى، مثل جنوب أفريقيا، والبرازيل، والهند التي تضم «عددًا كبيرًا من السكان المنكوبين، وفي بعض الحالات المدججين بالسلاح». ويلفت الباحث الفلبيني ريكارد جالكبرو، من جامعة سانت أندروز ، إلى أن جماعات الجريمة المنظمة تنشط في الفراغ الذي تخلفه الحكومات، حين لا تستطيع توفير الخدمات العامة لمواطنيها، وتستفيد من هذا الوضع. 

طمس الخط الفاصل بين الجريمة المنظمة والنشاط المليشيويّ

الخوف الذي يحلق فوق الرؤوس هو: أن الأزمة ستمهد الطريق أمام جماعات جديدة، مثل القوات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك) أو المسلحين في أيرلندا الشمالية، لطمس الخط الفاصل بين الجريمة المنظمة والنشاط المليشيويّ، وإمكانية الاستفادة من الأموال الناتجة عن الصناعات غير المشروعة التي تدر أرباحًا سخية لدعم طموحاتهم السياسية. 

Embed from Getty Images

وأضاف جليني خلال مقابلة أجريت معه قبيل تسونامي المصادمات العنيفة بين المواطنين وقوات الأمن التي اجتاحت الولايات المتحدة، وأوروبا، وغينيا، ونيجيريا، وبوركينا فاسو، وكازاخستان، وتشيلي، وأماكن أخرى في خريف عام 2020: «نراقب أي مؤشرات حول العالم تشير إلى اضطرابات سياسية أو مدنية. لأن أي اضطرابات تندلع ستؤدي بلا شك إلى ظهور منظمات إجرامية جديدة، أو محاولة منظمات إجرامية قائمة استغلال هذا الوضع. وهذه المشكلة لا تقتصر فقط على النشاط الإجرامي، بل تمتد لتشمل الاستقرار السياسي العام. ويقع اللوم الأساسي في ذلك على عاتق الدولة؛ لعدم قدرتها على تخصيص موارد كافية لتقديم الخدمات المناسبة، بما في ذلك خدمات الشرطة، لتلك المجتمعات».

يبرز هذا الوضع في جميع أنحاء غرب أفريقيا، حيث وصل العديد من الناس إلى نقطة الانهيار، وخاب أملهم في قدرة حكوماتهم على حمايتهم من الضرر، أو حتى استعدادها لمساعدتهم في بعض الحالات. يستشهد التقرير على ذلك، بما حدث في أغسطس (آب) 2020، بعد أشهر من احتجاجات مالي التي زعمت أن الفساد استنزف موارد الجيش وأضعفه، حين اختطف الجنود رئيسهم إبراهيم بوبكر كيتا، وأجبروه على التنحي في انقلابٍ أبيض.

وقبلها بأشهر في أبريل (نيسان) كان النيجيريون الذين يعيشون بين لاغوس وأوغون غاضبين لأن الشرطة لم تأخذ بالأدلة التي نشروها على وسائل التواصل الاجتماعي حول المداهمات العنيفة التي شنتها العصابات (وحملات الشرطة اللاحقة)، واعتبرتها خدعة متقنة. بحلول أكتوبر (تشرين الأول) انفجر الغضب من وحشية الشرطة، وخرجت احتجاجات جماهيرية مناهضة للفرقة الخاصة لمكافحة السرقة؛ مما أجبر الرئيس محمد بخاري في النهاية على حل الفرقة. 

حين يفقد الشعب الثقة في قدرة الحكومة على توفير الأمن

يلفت التقرير إلى أن فقدان الثقة في خدمات الأمن الرسمية بلغ أيضًا مستوى صارخًا من التردي في الولايات المتحدة، حيث اقتحم مدنيون مدججون بالسلاح المباني الحكومية ضاربين عرض الحائط بقواعد الإغلاق، ورد مجلس مدينة مينيابوليس على وحشية الشرطة واسعة النطاق خلال احتجاجات جورج فلويد بالتعهد بتفكيك قسم الشرطة المحلي، وأعلن المتظاهرون في سياتل «منطقة حكم ذاتي» خالية من الشرطة، واستولى حشد غاضب على مبنى الكابيتول في واشنطن لفترة وجيزة، ما بثَ الرعب ليس فقط في صدور الديمقراطيين، بل الجمهوريين أيضًا.

مكمن الخطر هو: مَن أو ما سيتولى زمام هذه الوظيفة الأمنية بدلًا عن الحكومة، ومن سيخضع للمساءلة، إن حدثت مساءلة أصلًا. حول هذه النقطة، كتب الخبير الاقتصادي السياسي، ستيرجيوس سكابيرداس في عام 2001: «إن النشاط الاقتصادي الذي يميز الجريمة المنظمة هو: توفير الحماية، أو صيغتها الأكثر احترامًا، الأمن». ولكن ماذا لو تحولت الأسلحة التي من المفترض أن تستهدف مرتكبي الجرائم المحتملين ضد هؤلاء المفترض أن يحموا الناس منهم؟ يضيف سكابيرداس: هذا ما يجعل العصابات والمافيا تشبه إلى حد كبير «المتعهد التقليدي بحماية الناس: الدولة».

Embed from Getty Images

في بعض أجزاء غرب أفريقيا، بدأ هذا السيناريو الكابوسي لتولي جماعات الجريمة المنظمة دور الدولة قبل فترة طويلة من انتشار الوباء. يستشهد التقرير بدولة غينيا بيساو الهشة، التي تهيمن عليها شبكات تهريب الكوكايين الدولية الباحثة عن طرق عبور من أمريكا الجنوبية إلى أوروبا، لدرجة أن الأمم المتحدة وضعتها على رأس قائمة الدول الأفريقية المبتلاة بتهريب المخدرات في عام 2008. وبعد عامٍ واحد فقط اغتيل الرئيس جواو برناردو فييرا، الملقب بـ«نينو»، بعدما قضى في منصبه فترة طويلة غير مسبوقة، برصاص أنصار منافس سياسي له علاقات مع كارتل مخدرات.

ومع استمرار تهريب ثلثي الكوكايين القادم من أمريكا الجنوبية إلى أوروبا عبر أفريقيا، يحذر التقرير من أن البلدان الأخرى التي تعاني من ضعف الحكومة وغياب الاستقرار الاقتصادي في منطقة الساحل الغربي تخاطر بالوقوع في براثن الجماعات العنيفة التي تتمتع بالأموال والعلاقات. ويحذر جيسون إيلي، من المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية، من أن مزيجًا من الجغرافيا والهياكل الحكومية الهشة قد يجعل بعض الدول الأفريقية أكثر عرضة لاختراق جماعات الجريمة المنظمة، في خضم التداعيات الاقتصادية لفيروس كورونا المستجد.

الاقتصاد غير المشروع.. ماذا لو أصبح طوق النجاة؟

تقول فاندا فيلباب – براون، الزميلة البارزة في معهد بروكنجز: «في بعض هذه المناطق، تعد الجهات الفاعلة غير الحكومية، الإجرامية والمليشيوية، هم المتعهدون الرئيسيون، والمصدر الرئيس للدخل يأتي من الاقتصاد غير المشروع».

في الوقت الحالي، تكافح الحكومات في جميع أنحاء منطقة الساحل لحماية مواطنيها من كوفيد-19، دون دفعهم إلى أحضان الفقر لدرجة التضور جوعًا. وفي الوقت نفسه، تتصاعد التهديدات الأمنية مما وصفه وزير الخارجية الموريتاني إسماعيل ولد الشيخ أحمد بـ«التحالف الشيطاني بين الجماعات الإرهابية وعصابات تهريب المخدرات». 

ففي 30 مايو (أيار) 2020، وقع هجومان دمويان في بوركينا فاسو، فتح مسلحون النار على سوق في أولاهما، وفي وقت لاحق من اليوم نفسه، استُهدِفَت قافلة إنسانية؛ مما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 35 شخصًا. وفي 5 يونيو (حزيران) أُضرِمَت النيران في قرية تقع في منطقة موبتي المضطربة في مالي وقتل 26 شخصًا. 

وحذرت الأمم المتحدة من أن 24 مليونًا من سكان الساحل، نصفهم من الأطفال، في أمس الحاجة الآن إلى «المساعدة والحماية لإنقاذ حياتهم». وبينما يشعر العديد من المواطنين بالرعب في ظل عدم كفاءة قادتهم في الرد على ثلاثة تهديدات – هي: فيروس كورونا، والمجاعة، والعنف السياسي – بدأت المجموعات الأصغر في تقديم نفسها كبديل قادر على تقديم المساعدة. 

تقول ماري هاربر، محررة بي بي سي لشؤون أفريقيا، متحدثة عن إستراتيجية الاتصالات المتطورة التي يتبناها المقاتلون الصوماليون: «تحركت حركة الشباب بفعالية ضد الفيروس، حتى أنها سبقت الحكومة. إنهم يمسكون زمام المبادرة بالفعل في هذا الصدد». وأضافت أن حركة الشباب جربت شيئًا مشابهًا بعد مجاعة 2011؛ حين وزعت الإمدادات وساعدت المجتمعات الأكثر تضررًا في محاولة لتعزيز نفوذها وزيادة رأس مالها الاجتماعي. ومع ذلك أخطأت الحركة في ذلك الوقت حين منعت المساعدات التي تقدمها المنظمات الإنسانية، ما أفقدها دعم المجتمع في هذه العملية.

هذه المرة ليس هناك من ينافس الحركة تقريبًا؛ إذ تنشغل الدول المانحة بمحاولة السيطرة على الأزمة داخل حدودها. فها هي بريطانيا قد خفَّضت ميزانية مساعداتها الخارجية، فيما سحبت الولايات المتحدة آخر جنودها من الصومال في يناير. وهكذا أُطلِقَت يد حركة الشباب لدخول الساحة، وكسب القلوب والعقول من خلال العمل الخيري، وتوفير الحماية على الأرض، والسيطرة على فرص العمل التي تشتد الحاجة إليها. وعن هذا الوضع يقول هاربر: «في منطقة الساحل، هناك تداخل كبير بين الجريمة المنظمة والجماعات المسلحة. وتقول تلك المجموعات إنها ستستفيد من فيروس كورونا لتحرز نجاحًا أكبر».

اليأس يفتح ثغرات في جدار الحدود المغلقة أمام الإتجار بالبشر

من أكثر الصناعات المربحة للجريمة المنظمة: الاتجار بالبشر، خاصة بين الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأوروبا. ولكن مع استمرار إغلاق الحدود، وإصابة شبكات النقل بالشلل، كانت هذه إحدى الصناعات غير القانونية الرئيسة القليلة التي شهدت تباطؤًا. وعن ذلك يقول نيل جايلز، مدير ملف الوقاية المستندة إلى المعلومات الاستخبارية في حملة «أوقفوا الاتجار بالبشر»: «في الوقت الحالي انخفض نشاط الهجرة التي تخدم أنشطة العمل القسري، ومن المحتمل أن تستغرق وقتًا أطول للتعافي مقارنة بالاقتصاد». 

ومع ذلك فإن الأضرار الاقتصادية ستعني حتمًا وجود المزيد من الأشخاص اليائسين الذين يتطلعون إلى الهروب من المصاعب والبحث عن عمل في أماكن أبعد، حتى لو كانت الحدود مغلقة؛ مما يجعلهم فريسة للمهربين. وهؤلاء اليائسون بما يكفي للقيام بمثل تلك الرحلة في هذا الوقت العصيب، يحرصون على عدم اكتشاف أمرهم، وبالتالي يخاطرون بخوض غمار ظروف تزداد خطورتها. ويضرب التقرير على ذلك مثلا، كُشِفَ عنه اللثام في مارس (أذار) 2020، حين عُثِر على 64 مواطنًا إثيوبيا ماتوا خنقًا داخل حاوية شحن على حدود موزمبيق.

Embed from Getty Images

تتوقع الباحثة فاندا فيلباب – براون أن «تكون الحكومات متحفزة أكثر من ذي قبل لقمع تهريب البشر؛ لأنها تخشى تفشي المرض، في ظل تردي أنظمة الرعاية الصحية، والإغلاق المفروض على المستوى الوطني. ولك أن تتخيل كم ستكون الحكومات في أوروبا والولايات المتحدة أكثر وحشية بشأن السماح لأي مهاجر بالدخول إلى أراضيها». هذا النمط ظهر بالفعل في سنغافورة، وهي واحدة من أكبر الدول استيرادًا للعمالة الخارجية، حيث أثارت إجراءات الحظر الجماعي المفروضة على المهاجرين انتقادات واسعة النطاق من جماعات حقوق الإنسان. وفي الشرق الأوسط، أصبحت معسكرات العمل أيضًا بؤرًا لتفشي كوفيد-19.

في هذا السياق أيضًا، يشعر المراقبون بالقلق الشديد بشأن منطقة الساحل. وتقول لوسيا بيرد رويز – بينيتيز دي لوجو، التي تعمل ضمن المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية: «هناك شعور بأن الاتجار بالبشر ما بعد ظهور الوباء يزداد. ويزداد القلق حقًا عندما تتداخل نقاط الضعف. لدينا بالفعل مستويات عالية من الفقر والتهميش، وفي الوقت ذاته تضعف سيطرة الدولة. علاوة على ذلك، نعلم أن هذه الدول ستعاني من ندرة الغذاء بسبب اضطرابات سلسلة التوريد الغذائية نتيجة كوفيد-19»، وهذا سيؤدي إلى الهجرة والتهجير القسري.

فتِّش عن الفقر.. سواء في الدول الضعيفة أو القوية

صحيح أن العديد من البلدان منخفضة الدخل في أفريقيا وآسيا أنجزت عملا رائعًا لاحتواء انتشار كوفيد-19، حتى بينما عانى جيرانها الأكثر ثراءً على الرغم من امتلاكهم موارد رعاية صحية أفضل؛ إذ ساعدت الإجراءات السريعة والحاسمة، مثل فرض قيود على السفر وإجراءات الإغلاق التي طبقت في وقت مبكر من الأزمة، بلدانًا مثل كمبوديا، وفيتنام، وتيمور الشرقية، وليبيريا، وإريتريا، وبنين، على إبقاء العدد الإجمالي للحالات المبلغ عنها في حدود مئات الآلاف أو أقل، مع عدد قليل من الوفيات الناتجة عن الفيروس، أو حتى دون تسجيل وفيات. وعلى الرغم من هذه النجاحات المحلية، فإن التداعيات الاقتصادية عالمية الطابع؛ إذ ارتفعت معدلات البطالة والتشرد وندرة الغذاء في جميع أنحاء أفريقيا وجنوب شرق آسيا؛ مما أدى إلى توفير بيئة خصبة لحدوث الاضطرابات. 

ليس شرطًا أن تكون الدولة على شفا الانهيار حتى تتمكن مجموعة الجريمة المنظمة المتربصة من السيطرة على جزء من المشهد. كل ما يتطلبه الأمر هو أن تكون الدولة مختلَّة وظيفيًا في مجال واحد، أو أن تُقَصِّر في خدمة شريحة واحدة ضعيفة من السكان. تقول فيليا ألوم، المحاضرة البارزة في جامعة باث، التي تركز أبحاثها على المافيا في نابولي الإيطالية: «بينما تربط الحكومات والبنوك أحزمتها لمواجهة الركود الحتمي، ستكون المافيا واحدة من المجموعات القليلة التي تمتلك أموالًا لإقراض المحتاجين. وما لم تسيطر الدولة على زمام الأمور؛ فقد تصبح القروض المقدمة بأسعار فائدة مرتفعة مشكلة كبيرة».

وتضيف: «بالحديث عن صعود عصابات المافيا في الدول الضعيفة، فإننا نخفي الإخفاقات في دول أخرى مثل المملكة المتحدة. ذلك أن تهريب المخدرات إلى المناطق الريفية والبلدات الصغيرة بعيدًا عن المدن الرئيسة، والعمل القسريّ، والاستغلال، والعبودية الحديثة، كلها تنبع من مشكاة واحدة. نحن فقط نطلق عليها أسماء فاخرة، لكنها جميعها تتعلق بالفقر في النهاية. يتعلق الأمر بالفرص الهيكلية المحدودة والظروف الاجتماعية والاقتصادية السيئة».

لا يوجد فراغ أمني في اليابان.. ما مصير «الياكوزا» في عالم كورونا؟

على الطرف الآخر من المشهد، حيثما وفرت الحكومات ما يكفي من الاستقرار السياسي والمالي، تراجعت أهمية مجموعات الجريمة المنظمة إلى حد كبير، وربما تقاعدت، بدلًا عن زيادة نشاطها، بسبب الوباء. وأوضح مثال على ذلك هم: الياكوزا، وهو الاسم الذي يطلق على عصابات الجريمة المنظمة التقليدية في اليابان. إذ لا يوجد في اليابان الحديثة فراغ أمني لتسدّه الياكوزا. بل على العكس تمامًا، تراجع عدد الجرائم تراجعًا شديدًا لدرجة أن الشرطة لا تكاد تجد ما تفعله.

Embed from Getty Images

حتى قبل أن تتفشى جائحة فيروس كورونا المستجد، أصبحت الياكوزا، جزئيًا، موردًا مفيدًا للوظائف التي لا يرغب أي شخص آخر في القيام بها. على سبيل المثال: توفير العمال لصناعة الطاقة النووية. يقول جيك أديلستين، الصحافي والخبير البارز في الجريمة المنظمة اليابانية: مع فرض حالة الإغلاق في اليابان الآن، يحاول المزيد من أعضاء العصابات الحصول على وظائف كسائقي توصيل. ويضيف: «بعض أعضاء الياكوزا يغادرون المنظمة. إنهم يذهبون إلى الشرطة ويقولون: نريد الاندماج في المجتمع مرة أخرى. إنه وقت عصيب بالنسبة لهم. لا يمكنهم ابتزاز الأموال عبر الهاتف. وفي الوقت الحالي أعتقد أن المنظمة تناقش إمكانية تعليق رسوم العضوية بسبب الصعوبات الراهنة». 

في نهاية المطاف تبقى حقيقة أن الطبيعة تكره الفراغ. فعندما لا يتمكن المواطنون من الحصول على ما يريدونه أو يحتاجون إليه بأنفسهم أو عن طريق حكومتهم؛ فإن الموردين البدلاء سوف يملأون هذا الفراغ. وعادة ما تكون المحطة الأولى هي: السوق الخاص. لكن السوق لا يستطيع أو لا يتدخل دائمًا، وحتى إذا حدث ذلك، فقد يجد الأفراد أنفسهم، لأسباب مالية أو لأسباب أخرى، محرومين من الاستفادة. وإذا كانوا يريدون أو يحتاجون إلى الشيء غير المتاح بإلحاح، فإن مجموعات الجريمة المنظمة تملأ الفراغ للقيام بالمهمة.

«كل ما يحتاجونه هو أن يحالفهم الحظ مرة واحدة فقط»

حين يكون البلد مستقرًا، ويُدار بكفاءة، فإن السلع غير القانونية، مثل المخدرات، هي التي تتأثر سلبًا في السوق. ولكن عندما لا تستطيع الدولة توفير الأساسيات – أي عندما تفشل في توفير الحماية أو الأمن أو الوظائف أو الخدمات الأساسية أو الفرص – تسنح الفرصة لجماعات الجريمة المنظمة المتربصة لدخول الساحة كمنافسين؛ مما يشكل تهديدًا خطيرًا حقًا. وكما قال القاضي الصقلي جيوفاني فالكوني، قبل عام من وفاته قتلا في عام 1992: «إن المافيا، في الأساس، ليست سوى تعبير عن الحاجة إلى النظام وسيطرة الدولة».

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
مترجم: تفاصيل 6 من أبرز عمليات تصفية زعماء المافيا في أمريكا

بعد ثلاثة عقود ها هو كوفيد-19 يضع قدرة الدول على حماية رعاياها تحت اختبار شديد القسوة، في جميع أنحاء العالم. وكما قالت ميشا جليني، فإن أول شيء تفعله المنظمات الإجرامية هو: أن تحل محل البلدان التي تغيب فيها الدولة. لكن ليست الدول الهشة فقط هي التي تحتاج إلى حماية ظهورها، ففي مبنى الكابيتول هيل، كان الشيء الوحيد الذي يميز هذا الاستيلاء المسلح على مبنى حكومي رئيس عن أي محاولة انقلاب أخرى هو: عدم تنظيم الغوغاء، الذين لم يكتشفوا ما يجب فعله بمجرد استيلائهم على السلطة.

ويختم التقرير بالتأكيد على أن الجماعات الإجرامية العنيفة متربصة وجاهزة للاستفادة من الأزمة في جميع أنحاء العالم. وكما قال الجيش الجمهوري الأيرلندي (منظمة شبه عسكرية سعت لتحرير أيرلندا الشمالية من الحكم البريطاني، وإعادة توحيدها مع الجمهورية الأيرلندية) ذات مرة: كل ما يحتاجونه هو أن يحالفهم الحظ مرة واحدة فقط.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد