مر عامان منذ انتشار وباء زيكا في البرازيل، وثلاثة أعوام منذ تفشي الإيبولا الأكبر في التاريخ بغرب إفريقيا، وثمانية أعوام منذ اجتياح أنفلونزا H1N1 العالم، وما يقرب من 100 عام منذ تفشي نوع آخر من أنفلونزا H1N1 التي قتلت 50 مليون شخص في جميع أنحاء العالم. كانت هذه الفيروسات معروفة، ولكن لم يعرف أحد متى وأين ستتحول إلى أوبئة متفشية. وظهرت فجأة أمراض أخرى، مثل السارس، وفيروس كورونا، وفيروس نقص المناعة البشرية.

نشر موقع «ذي أتلانتيك» تقريرًا للصحافي العلمي إد يونج، يتناول فيه مدى فاعلية الأبحاث والمشاريع التي تعمل على التنبؤ بالأوبئة قبل تفشيها، ومدى فائدتها على أرض الواقع.

ويقول التقرير إن بعض العلماء يريدون اكتشاف جميع التهديدات الفيروسية، والتنبؤ بالأوبئة الفيروسية التي قد تتفشى في المستقبل. وقد عمل مشروع التنبؤ (PREDICT) على ذلك مدة ثماني سنوات؛ مع تمويل بقيمة 100 مليون دولار من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، واكتشفوا ما يقرب من ألف فيروس جديد.

ويُعد مشروع فيروم العالمي (GVP) المقترح في عام 2016 أكثر طموحًا، والذي لا يزال مجرد فكرة، ويهدف إلى اكتشاف معظم الفيروسات في الطيور والثدييات التي يمكن أن تمتد إلى البشر.

وتشير تقديرات «مشروع فيروم» إلى أن حوالي نصف مليون من هذه الفيروسات حية، وأنها سوف تُكلف 3.4 مليار دولار. ويَعِد المشروع بتحويل العالم من الاستجابة للأوبئة إلى الاستعداد الاستباقي لها، وتحديد بداية النهاية لعصر تفشي الأوبئة.

اقرأ أيضًا: «الجارديان»: «نتحدى وصمة العار»: تعرف إلى قصة مطعم جميع طباخيه من مرضى الإيدز

هل ستنجح هذه المشاريع؟

وينقل التقرير عن ورقة بحثية جديدة، يقول فيها إدوارد هولمز، وجيما جيوجيجان، اثنان من علماء الفيروسات في مدينة سيدني، إن هذه المشاريع لن تساعد على استباق الأوبئة، لسبب بسيط هو أن هناك ملايين الفيروسات. وحُدد حوالي 4400 فيروس فقط؛ جزء صغير منها يمكن أن ينتقل إلى البشر.

يقول جيوجيجان: «إن برنامج (GVP) سيكون رائعًا لفهم المزيد عن الفيروسات وتطورها، ولكني لا أرى كيف سيساعدنا في تحديد ما سيصيبنا، بدأنا مؤخرًا فقط ندرك مدى اتساع نطاق عالم الفيروسات».

ويقول التقرير إن هناك طرقًا لتصغير قائمة الأسباب. فقد حاولت العديد من الفرق تحديد المناطق الجغرافية الساخنة التي من المرجح أن تظهر فيها الأمراض، محددين المناطق التي بها غابات استوائية، والعديد من فصائل الثدييات. وقد حاول آخرون العثور على ما يميز الفيروسات التي تنتشر بين الناس بسهولة. ولكن بعد تجربة هذا النهج بأنفسهم، يقول جيوجيجان وهولمز إنه «ليس مفيدًا جدًا».

ويرجع ذلك جزئيًّا إلى أن نتائج هذه الدراسات واسعة جدًا، ولا تتقلص قائمة الفيروسات المشتبه بها إلى حد مفيد. ومن أسباب ذلك أن هذا العمل يرتكز على ما حدث في التعامل مع الأوبئة الماضية، وهي نادرة نسبيًّا، ومن الصعب جدًا رسم أنماط موثوق بها وتحديدها. على سبيل المثال، تُحدد المملكة العربية السعودية على أنها منطقة باردة في خرائط المناطق الساخنة للمرض، ومع ذلك فقد انتقل فيروس ميرس مؤخرًا إلى البشر من مضيف (وسيط) غير متوقع وهو الجِمال. يقول جيوجيجان: «نحن نحاول التنبؤ بالأحداث النادرة، من خلال معلومات ليست كثيرة؛ أعتقد أننا سنفشل».

اقرأ أيضًا: هل تنقذنا كتب الطب القديمة من أزمة المضادات الحيوية؟

«ستخسر معركتك ضد الأرقام»

في النهاية، فإن احتمالات أن فيروسًا معينًا سوف يُسبب وباءً تعتمد على الفيروس نفسه، والحيوانات التي تحمله، والناس المعرضين للإصابة به، والبيئة التي يعيشون فيها جميعًا.

وينقل التقرير قول جينيفر جاردي، من جامعة كولومبيا البريطانية: «يوجد في كل فئة من هذه الفئات، الكثير من المتغيرات التي يمكن أن تؤثر في ظهور المرض، ومن الصعب أن نقيم تأثير أي واحد، وهذه العوامل من المحتمل أن تتفاعل بطرق لا يمكننا أن نفهمها فقط من خلال تدقيق النظر في كل واحد منها».

ويؤكد التقرير صعوبة معرفة ما إذا كانت الفيروسات التي نعرفها بالفعل ستسبب أوبئة أم لا. فعلى سبيل المثال، اكتشف فيروسي الإيبولا وزيكا في عامي 1976 و1947 بالترتيب، ولكن تمكن كلاهما من التفشي في العالم فجأة خلال هذا العقد.

ويقول كريستيان أندرسن من معهد «سكريبس» للأبحاث: «هذا هو أسهل أنواع التنبؤ، ونحن ما زال أمامنا ما بين 10 إلى 20 عامًا من أجل القيام بذلك التنبؤ بشكل جيد. أما الصعوبة الأخرى فهي التنبؤ بما إذا كان فيروس مثل أنفلونزا الطيور H7N9، الذي يمكن أن يصيب البشر، سيتحول إلى وباء بالفعل في نهاية المطاف أم لا».

ويقول أندرسن: «إن هذا ليس ممكنًا الآن، ولكن ينبغي أن يتحقق مع مزيد من الأبحاث، ولكن توقع ما إذا كان الفيروس المكتشف حديثًا في الحيوان يمكن أن ينتقل إلى البشر، ويسبب وباءً هو ببساطة مستحيل»، ويضيف أندرسن: «ما تحاول التنبؤ به هو احتمال حدوث شيء يحدث مرة واحدة في عشرات المليارات من حالات الإصابة بالفيروس، مع فيروس واحد من ملايين الفيروسات المحتملة -ستخسر معركتك مع الأرقام – حتى تقنية تعلم الآلة (أحد فروع الذكاء الاصطناعي) لن تحل المشكلة؛ لأنه لا توجد بيانات كافية لتفحصها أجهزة الكمبيوتر».

هل يمكننا التنبؤ بالأوبئة؟

ويرى مؤيدو المبادرات التنبؤية أنه من السابق لأوانه إسقاط هذا النهج. إذا كانت نفس الشكاوى قد أثيرت في الأرصاد الجوية قبل قرن من الزمان، وينقل التقرير قول جونا مازيت، مديرة التنبؤ واللجنة التوجيهية لمشروع فيروم: «لم نكن قد وجدنا البيانات التي تمكننا من التنبؤ بالطقس، والذي يمكننا القيام به بشكل جيد الآن».

وترد باربرا هان، من معهد كاري لدراسات البيئة على سؤال: «هل يمكننا التنبؤ بالأوبئة؟ الجواب الآن لا. ولكن صعوبة التنبؤ بشيء ما لا تعني أننا لا نستطيع قياس مخاطره بطريقة مفيدة وقابلة للتنفيذ. لا توجد توقعات مثالية، ولكن على الأقل، يمكننا وضع حدود لما هو مرجح».

ويرى جيوجيجان أنه سيكون من الأفضل توجيه الجهود إلى مسار يمكن أن يحقق أفضل النتائج، وبالنسبة له، ينطوي ذلك على النظر إلى «خطوط الخطر»، حيث يلتقي البشر والحيوانات في المناطق التي يرجح فيها أن يتعرض الناس للفيروسات الحيوانية لأنهم يقطعون الغابات، أو يقيمون أسواقًا كثيفة للحيوانات، أو يصطادون المخلوقات البرية لتناول اللحوم، أو يتنقلون كثيرًا بسبب عدم الاستقرار السياسي.

وينقل التقرير عن جونا قولها إن تخطيط مشروع فيروم للبحث عن الفيروسات على وجه التحديد في مثل هذه الخطوط خطأ. فهم يريدون، على سبيل المثال، فحص عينات الدم ولحوم الحيوانات البرية، أو البول أو اللعاب من القوارض التي تعيش في بيوت البشر. وتقول: «إنها لا تهدف إلى الكشف عن كل الفيروسات هناك، لكنها تعترف بأن الفريق لم يشرح ذلك لزملائهم في علم الفيروسات كما يجب».

لكن جيوجيجان وهولمز يريان أن البحث عن هذه الفيروسات في الحيوانات لا يزال «ممارسات عبثية». تجد فيروسات كثيرة جدًا، دون أي وسيلة لتقييم خطر انتقالها إلينا تقييمًا دقيقًا. ويقولان إن المشروع سيكون أفضل حالًا مع التركيز على الناس، مثل فحص العاملين في تجارة لحوم الحيوانات البرية بدلًا من فحص اللحوم نفسها. يقول الباحثان: «إن البشر هم أفضل الحراس، فالفيروس الذي اكتشفه البشر يمكن أن يتكرر في هذا المضيف (حامل الفيروس)، وهو ما لا يحدث مع عدد لا يحصى من الفيروسات التي حُددت من خلال استقصاءات التنوع البيولوجي لحيوانات أخرى».

ويقول أندرسن في الوقت الراهن لا يمكن تجنب الأوبئة، ما يهم هو القضاء عليها في أسرع وقت ممكن. ويمكن الكشف عن المجموعة الأولى من الحالات، إذا كان العاملون الصحيون يبحثون بشكل روتيني عن الفيروسات في الأشخاص الذين يعيشون في خطوط الخطر المرضي، كما أن ابتكار جهاز تحليل الحمض النووي المحمول بحجم الجيب يمكن أن يجعل مثل هذه البحوث فعالة.

هذه الأهداف لا ينبغي أن ينظر إليها بمعارضة

وينقل التقرير عن كيفن أوليفال، وهو أحد المشاركين في مشروع التنبؤ، ويعمل في منظمة «تحالف إيكو هيلث» العالمية غير الهادفة للربح، قوله بأنه سيكون من غير العملي دراسة جميع خطوط الخطر. موضحًا: «نحن بحاجة إلى أدوات لمساعدتنا على تضييق نطاق استهدافنا على المواقع والأنواع المستضيفة والفيروسات ذات الأهمية الكبرى. إن مشاريع مثل (التنبؤ) و(فيروم) قد لا تكون بمثابة كرات الكريستال التي تخبرنا بما سيحدث في المستقبل، ولكنها تساعدنا على تحديد أولوية رصد أي الأمراض على أرض الواقع».

ويلفت التقرير إلى أن عمل مشروع التنبؤ على اكتشاف فيروسات حيوانية جديدة لتطوير أدوات تحليلية، وتعزيز المختبرات في البلدان النامية، سيجعل من الممكن القيام بهذا النوع من المراقبة التي يدعو لها جيوجيجان، وأندرسن، وغيرهما. فالجميع متفق على أن هذا أمر حيوي. ويقول جاردي: «إذا لم نتمكن من الحصول على مراقبة روتينية في المواقع الساخنة، فليس لدينا أي فرصة للحصول على شيء أكثر تعقيدًا، مثل التنبؤ».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد