ليس الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالقوَّة التي قد تبدو عليه، أو – الأهم من ذلك- التي قد يأمل أن يكون بها. على الرغم من دعم روسيا للمقاتلين في أوكرانيا، وغزوها لجورجيا في 2008، وبيعها أنظمةً صاروخيةً لإيران، وتهديدها مؤخّرًا للدنمارك وليتوانيا بالحرب النووية، إلّا أنّها في الواقع قوةٌ مُقيَّدة وصامتة تعمل بنظامٍ لم يعُد يدعم التدخُّل على نطاق هائل.

بل إن مغامرات روسيا الدبلوماسية والعسكرية الأخيرة قد كشفت عن ضعفها الشديد، ويُظهِر في تلك الأثناء تحوُّلها نحو استخدام انهزامي لأشكال جديدة من السلطة (حروب مُقنَّعة، وصراعات إلكترونية، وسياسة الطاقة الإلزامية) القيود التي تواجهها في قمع جيرانها.

من سيء إلى أسوأ

لم يسِر تدخُّل روسي في الصراع الأوكراني في الطريق الذي كان ينتويه بوتين، حاولَت موسكو خنق الاقتصاد الأوكراني بإبطال حزمة الإنقاذ وصفقة الغاز التي وقَّعتها الدولتان في ظل حكم الرئيس الأوكراني السابق فيكتور يانوكوفيتش في 2014، مُراهِنَةً على أنّ الغرب قد يرفض مساعدة الرئيس الأوكراني الجديدة بيترو بوروشينكو. ولكن ثبُت خطأ حسابات بوتين، إذ قدَّم الغرب بالفعل دعمًا ماليًّا وقوات للتدريب، مما أتاح لأوكرانيا 17.5 مليار دولارًا من الحِزَم الاقتصادية والقروض لتسيير اقتصادها. في تلك الأثناء، ومع محاولة الغرب مساعدة كييف، انهار سعر البترول، مما لم يترك لروسيا ما يكفي بالكاد من المال لمجرّد التفكير في شراء رُبع صفقة طائرات T-50 التي كانت قد خطَّطَت للحصول عليها. يبدو الغزو الشامل لأوكرانيا مُستَبعَدًا حتى مع تعافي الروبل، بسبب ذلك، إلى جانب نجاح المرتزقة والجنود الروس المحدود حتى الآن في أوكرانيا، وحقيقة اضطرار الحكومة إلى نقل القوّات من سيبيريا وإجبار المُجَنَّدين على التطوُّع لفترةٍ طويلة لكي تُبقِي ما يكفي من القوَّات على الحدود.

تزداد قصة أوكرانيا سوءًا فيما يتعلق بروسيا، يعود تدخُّل روسيا في أوكرانيا بجذوره إلى دورها كخط إمداد للغاز الطبيعي منذ الحقبة السوفيتية من روسيا إلى أوروبا الغربية. كان 80 بالمائة من الغاز الطبيعي الروسي يتجّه إلى أوروبا مرورًا بالقطاع الأوكراني حتى عام 2004 عند بدء الصراع الأهلي.

ظلَّت إمدادات الغاز حتى هذا اليوم تُستَخدَم من قِبَل روسيا كأداةٍ سياسية لإبقاء أوكرانيا منحازةً إلى موسكو. أمّا الآن فتعمل خطوط الأنابيب الروسية في أوكرانيا بنصف كفاءتها تقريبًا، بفعل العقوبات الغربية جُزئيًّا وآثار الحرب وشبكة من خطوط الأنابيب الجديدة التي تتلاعب بأوكرانيا.

يأتي ثلاثون بالمائة من إجمالي الغاز الطبيعي المُورَد إلى الاتحاد الأوروبي من روسيا، حيث كانت شركة غازبروم Gazprom المملوكة للدولة تفرض أسعارًا مختلفة على الدول بناءً على موقفهم السياسي. فُرِض على بلغاريا وجمهورية التشيك سعر أعلى من متوسط السعر للاتحاد الأوروبي، يرجع ذلك جزئيًّا إلى إمدادهما أوكرانيا بالغاز بعد المنع الروسي. بينما تدفع المجر وسلوفاكيا على الجانب الآخر أقلّ من متوسط السعر للاتحاد الأوروبي، إذ كانت تلك الحكومات أكثر دعمًا لبوتين. يتَّهم الاتحاد الأوروبي الآن الشركةَ بالممارسات غير التنافسية وتطرح الأمر رسميًّا بدعاوى قانونية. قد يكون ذلك كارثيًّا لعوائد غازبروم ويزيد من الأضرار الواقعة على الاقتصاد الروسي القائم على تصدير الطاقة.

لا تسير الأمور بصورةٍ أفضل في الجوانب الأخرى من سياسة روسيا الخارجية، ففي أعقاب الصفقة النووية الإيرانية القريبة، استأنفت روسيا مبيعاتها من صواريخ S-300 أرض-جو إلى طهران، وهي الصفقة التي رُفِضَت في 2010 مع تزايد العقوبات على إيران. يُصرِّح المسؤولون الإيرانيون أنّ المبيعات تلتزم بإطار الاتفاقية الأوليّة بين القوى العالمية وبين إيران. لقد انتقدت الولايات المتحدة تلك الخطوة باعتبارها مجازفةً بالصفقة النهائية في يونيو.

لقد استمرَّت المُنافَسة بين الولايات المتحدة وروسيا حتى مع انهيار الاتحاد السوفيتي، وقد يُنظَر إلى هذه الخطوة الأخيرة التي اتّخذتها روسيا في ذلك السياق. انتقل الخِلاف بين الولايات المتحدة وروسيا من المنافسة الأيديولوجية الجيوسياسية إلى منافسة إقليمية تتركَّز حول القضايا الخلافية.

كان مصير الديمقراطية وحقوق الإنسان والاستقلال الاقتصادي في الدول السوفيتية سابقًا مركز ذلك العداء. كما عمَّقَت مبيعات الأسلحة إلى أعداء الولايات المتحدة من قِبَل روسيا، ووضع الولايات المتحدة لصواريخ دفاعية في أوروبا، من منافسة حقبة ما بعد الحرب الباردة. توضِّح المبيعات المُستَأنَفة رغبة روسيا في استفزاز الولايات المتحدة، حتى إذا كان من المُستَبعَد أن تكون الصواريخ نفسها عاملًا كبيرًا في اعتبارات السياسة الخارجية للولايات المتحدة. هذه المبيعات بادرة فارغة، فمن المُستَبعَد الآن أن يهاجم الغربُ إيران بما أنّ الصفقة النووية تبدو وشيكة.

تحاول روسيا مقاومة قوة الاتحاد الأوروبي الاقتصادية المتنامية بخلق منطقتها التجارية الحرة الاقتصادية الخاصة: الاتحاد الأوروآسيوي. هناك حتى الآن أربعة أعضاء فقط بالاتحاد الأوروآسيوي، هُم: روسيا، وأرمينيا، وبيلاروسيا، وكازاخستان، وهو اتحاد جمركي يسمح بالحركة الحرة للبضائع والخدمات والأشخاص عبر الحدود. أمّا الدول الأوروآسيوية الأخرى فتنظر باتجاه الغرب، وتوقِّع صفقات ثنائية عبر سياسات الجوار الأوروبي.

ينبع مصدرٌ آخر للخصومة الروسية مع الولايات المتحدة من وضعها المتنامي في القوة الإلكترونية، إذ تُعتَبَر الآن ثاني قوة إلكترونية بعد الولايات المتحدة، ولها القدرة على المساومة على الشبكات الحكومية وحسابات البريد الإلكتروني. إلّا أن قدرات موسكو لم تُحقِّق سوى القليل من الإنجازات الفعلية. لم تُحقِّق الهجمات على البيت الأبيض ووزارة الخارجية ووزارة الدفاع شيئًا ذا قيمةٍ استراتيجية. ولم يفعل هجوم موسكو على الخوادم الإستونية في 2007 سوى تقريب تالين إلى حلفائها من الناتو، وانحيازها لمركز الدفاع الإلكتروني التعاوني للتميز. بدأ الخلل الإلكتروني قبل الصراع في جورجيا في 2008؛ والذي تضمَّن هجمات بمنع الخدمة عن شركات الاتصالات وشبكات الحكومة الجورجية، والذي لم يضر روسيا ولم يساعدها على تحقيق أي أهداف استراتيجية. تسبَّبت تلك الحملات الإلكترونية في حدوث اضطرابات وأغرقت بعض أجزاء البلاد في الظلام. كانت الهجمات العسكرية التقليدية هي ما أمَّن القطاعات الانفصالية في أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا.

يتساءل المرء عمّا تُحقِّقه تلك الطرق حقًّا لروسيا بما أنّها على حدّ علمنا لم تُجرِّب حتى اتّخاذ إجراءات إلكترونية ضد أوكرانيا. إن الهجمات الأخيرة على وزارة الخارجية الأمريكية ووزارة الدفاع الأمريكية والبيت الأبيض، والتي تضمَّنت اختراقًا أمنيًّا لشبكة أجهزة أوباما غير السرية والذي كان من الممكن أن يكشف عن رسائل ووثائق حساسة – ولكن غير سرية- هجماتٌ مقلقة وجديرة بالانتباه، ولكنها ما زالت لا تُعَدّ عملية ناجحة. قد يبدو اختراق أنظمة البيت الأبيض مخيفًا، ولكن إذا لم يُساوَم على معلومات سريّة، فلم يتحقَّق الكثير. بل إن الأمر أقرب إلى تنبيه لحكومة الولايات المتحدة لكي تدعم الأبواب الخلفية لأنظمتها. الولايات المتحدة ضعيفة، ولكن ليس من الواضح إذا ما كانت روسيا قادرة على، أو حتى راغبة في، استغلال نقاط الضعف تلك بطريقةٍ خطيرة.

ماذا على العالم أن يفعل؟

بما أن نباح روسيا أسوأ من عضَّتها، فهناك عدّة خيارات للرد عليها. يدعو جون ميرشايمر إلى اعتبار أوكرانيا دولةً حاجزة، وهو اقتراح مثير للاهتمام ظاهريًّا يتحاشى احتمالية قيام حرب شاملة في المنطقة. ولكن مع الوضع في الاعتبار تاريخ الحروب والاحتلال داخل الدول الحاجزة مثل أفغانستان وبولندا، تصبح تلك الفكرة مرفوضة مُسبَّقًا. كما أن وضع الدول الحاجزة قد يؤدِّي إلى المزيد من النزاعات القُطرية. وليس ترك أوكرانيا بين مطرقة الغرب وسندان روسيا حلًّا عادلًا لأوكرانيا أو لأي طرف.

لقد نتج عن السماح لروسيا بتأكيد مصالحها الإقليمية نتائج تضاد أهداف روسيا نفسها، ولذا فسيكون التسرُّع  في التعامل مع الخطر الروسي الملموس حماقةً. سيؤدِّي الدعم المستمر للحلفاء الغربيين والاستثمار في مصادر الطاقة البديلة والدفاع الإلكتروني (في مقابل القدرات الهجومية الإلكترونية) إلى الاستقرار المستمر في النظام الدولي على الرغم من استخدام روسيا للقوة، أمَّا الدفع نحو مواجهة بين الغرب وروسيا فلن يؤدِّي سوى إلى إظهار نقاط ضعف الغرب؛ مثل الأهداف المتضاربة استراتيجيًّا، والإمدادات المحدودة من الأسلحة (باستثناء الولايات المتحدة). وسيؤدِّي ضعف الغرب نفسه فيما يتعلق بالأمن الإلكتروني إلى أن يبدو الغرب ضعيفًا عند محاولته أن يبدو قويًّا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد