خبر العفو الرئاسي عن مائة ناشط أغضبني أكثر مما أسعدني. ولا يعني هذا بالطبع عدم فرحتي بانتهاء حكم السجن المجحف لهؤلاء الشباب، ولكن لسبب ما فإني أجد هذا العفو ليس إلا تجسيدًا لغياب العدالة في مصر.

وقد أتى هذا العفو قبيل زيارة عبد الفتاح السيسي إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الدورة السبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة وبعد الهجمات التي شنها الجيش المصري في الصحراء الغربية والتي أودت بحياة 12 شخصًا من بينهم مصريون وعدد من السائحين المكسيكيين.

ومرة أخرى يأتي هذا العفو عن الصحفيين والنشطاء كورقة يتلاعب بها النظام لكي تخدم أجندة السيسي السياسية ولتضمن السكوت عن أية انتهاكات. وهذا ليس بجديد فذلك هو الأسلوب المعتاد في التعامل مع أرواح المصريين والذي يتسم بقدر عالٍ من انعدام المسئولية.

تقبلت الأغلبية تصريح الإعفاء بفرحة عارمة وصار من المتوقع مني مشاركة الجميع الفرحة ربما ليقيني ببراءة أغلبهم أو لشهرتهم أو لأن منهم بالفعل أصدقاء لي.

ورغم ذلك أجدني لا أستطيع إلا أن أفكر بهؤلاء الذين لم يتم الإفراج عنهم. علاء عبد الفتاح الذي سيظل سجين الضمير، وماهينور المصري، وأحمد دومة، وأحمد ماهر، ومحمد عادل.

كيف أنسى محمود حسين ذلك الصبي الصغير الذي تم اعتقاله بدون محاكمة لمدة تزيد عن 600 يوم وكل جريمته هي ارتداء قميص مكتوب عليه “وطن بلا تعذيب”.

وماذا عن شوكان المصور الصحفي القابع بالسجن بدون محاكمة لأكثر من سنتين في انتهاك للقانون المصري ذاته؟

أفكر بالآلاف المسجونين سواء بتهمة أو بدون، بمحاكمة أو بدون. هؤلاء الذين لم يحظوا بالشهرة أو الأهمية الكافية لجعلهم ورقة مقايضة للنظام.

العفو الرئاسي، هذا المصطلح يدفعني للغضب. إنه مؤشر صريح أن أي تحسن ولو ضئيل في منظومة الظلم ما هي إلا استثناء في هذه المنظومة التي ترتكز على طمس العدالة.

سجناء الضمير ما زالوا وراء القضبان رغم كثرة الوعود بإطلاق سراح الشباب ولأعياد متتالية.

40 ألف مسجون تحت حكم السيسي بالإضافة إلى أعداد من النشطاء المختفين قسريًّا.

العدد المعفو عنه إنما هو قطرة في محيط والغرض من ورائه هو تجميل صورة النظام المصري في مواجهة الضغوط الخارجية بالأخص في موضوع صحفيي قناة الجزيرة محمد فهمي وباهر محمد.

ترى هل كان الناس سيحتفلون بإطلاق سراح المساجين لو كان الحكم عليهم بسنة واحدة وقضوها دون العفو؟

نحن أمام طاغية قرر تخفيف عذاب مائة من آلاف المعذبين. هل من المفترض أن نمدحه؟ هل من المقبول أن نحتفل بما تم منحه لأقلية؟ نحن كمن نثني على قاتل لتوقفه عن القتل.

جهاز الأمن المصري يعمل بمبدأ الحصانة والبقاء هنا للأقوي. القانون يتم استخدامه للتلاعب بالعدالة وليس لتحقيقها.

حريتنا ورقة في أيدي النظام يتلاعب بها وقتما وكيفما يشاء.

تريدني أت أحتفل بالعفو عن الأبرياء  في دولة لا يرى رئيسها حرجًا في الاعتراف بوجودهم داخل سجونه  بل ويرى في ذلك ضرورة؟

لم أقصد بالطبع أن أقلل من سعادتكم بخروج أحبتكم وأصدقائكم بل وأجدني فرحًا بفكرة اقتراب رؤيتي لبعض من أفضل شباب مصر، ولكن إحقاقًا للحق الشعور الطاغي حاليًا هو الغضب.

غاضب لوجود نظام يرهب الأبرياء، غاضب لأننا يتم إدارتنا بواسطة دولة بوليسية تسجن الشباب، غاضب لأن كل من يقتل بواسطة الجيش يطلق عليه إرهابي.

نعم غاضب لأن نظام السيسي هو كمن سرق كل نقودي ليمن علي بالفتات، منتظرًا مني أن أنحني لأقبل يديه،

وأخيرًا أجد نفسي في قمة الغضب لأن المعفو عنه بريء والعافي هو المجرم.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
s