في هذا المقال الذي نشره موقع «ذا كونفرزيشن» الأمريكي يتناول سام كار نظرية التعلق وجانبها الخاص بتربية الأطفال، ويستعرض تاريخ النظرية والاتجاهات الرافضة لها، غير أن الأهم أنه يحاول مواجهة الصورة النمطية السائدة عن السبيل المثالي للتربية في المجتمعات الغربية، ويسلط الضوء على أنماط وسبل أخرى للتربية تتنوع بتعدد الثقافات والمجتمعات في العالم.

يتفق معظم الآباء على أن الأبوة والأمومة أمر بالغ التعقيد ومليء بالتحديات، فما يصلح لطفل قد لا يناسب طفلًا آخر، حتى داخل العائلة ذاتها.

لكن كار يشير في بداية مقاله إلى أن ممارسات تربية الأطفال والمعتقدات المتعلقة بها في جميع أنحاء العالم يمكن أن تكون مختلفة عن الانطباع المتبادر عنها بشكل لافت للنظر.

الأطفال اليابانيون – على سبيل المثال – غالبًا ما يُسمح لهم بركوب المترو وحدهم وهم ما يزالون في السابعة من عمرهم. في الوقت الذي يعد هذا الأمر غير وارد أبدًا بالنسبة إلى الآباء في بعض البلدان الأخرى.

على نحو مماثل فإن فكرة أن ينام الأطفال في الساعة 6:30 مساءً هي فكرة مفزعة بالنسبة إلى العديد من الآباء والأمهات في إسبانيا أو أمريكا اللاتينية، حيث يرى الآباء في تلك البلدان أنه من الأهمية بمكان أن يشارك الأطفال في الحياة الأسرية خلال المساء.

استقصى الباحثون الاختلافات الثقافية والتاريخية في ممارسات الأبوة والأمومة لسنواتٍ عديدة، وتميل الدراسات إلى الاتفاق على ثلاث عوامل رئيسة تفسر – في كثير من الأحيان – الاختلافات في أساليب تربية الأطفال، أولها: الدفء العاطفي مقابل التعسف (أي مقدار الحب والدفء والحنان الذي يبديه الوالدان تجاه أطفالهم)، والاستقلالية مقابل التسلّط (أي مقدار الشعور بالاستقلالية الذي يُمنح للأطفال في السيطرة على حياتهم)، والتناسق مقابل التشوش (أي مقدار الشعور بالاتساق والقدرة على توقع نتائج الأفعال الذي يُمنحوه في حياتهم).

علاقات

منذ سنة واحدة
مترجم: هل طفلك مرتبط بك ارتباطًا عاديًّا أم مرَضيًّا؟ علم النفس يجيبك

يفيد المقال بأن الأبحاث تظهر أن الاختلافات في هذه السمات الأساسية للتربية يمكن أن يكون لها آثار مهمة في نمو الطفل، والحقيقة أنه يمكن للروابط العاطفية (attachments) التي تتشكل بين الأطفال والوالدين أو مقدّمي الرعاية أن يكون لها آثار دائمة.

ويلفت المقال إلى أن دراسة العلاقات الإنسانية تنطوي في مركزها على بعض أفكار «نظرية التعلق (Attachment theory)»، خاصة وأن نظرية التعلق تركّز على «الترابط النفسي بين البشر»، إذ تبحث النظرية في الروابط الحميمة التي تتشكل خلال حيواتنا، مع التركيز بشكل خاص على العلاقات بين الآباء وأطفالهم.

ما هي نظرية التعلق؟

يتناول المقال بعد ذلك نظرية التعلق بمزيد من التفصيل، ليقول إن النظرية تنسب إلى الطبيب والمحلل النفسي البريطاني جون بولبي الذي صاغ أفكاره حول النظرية خلال خمسينات القرن العشرين.

وكان بولبي قد عمل طبيبًا نفسيًا للأطفال في عيادة «تافيستوك كلينيك» في لندن خلال الحرب العالمية الثانية، وانتبه إلى التأثير المدمر للانفصال بين الأمهات وأطفالهم وفقدانهم، في نمو الطفل.

Embed from Getty Images

ويشير المقال إلى أنه من خلال أعماله بالإضافة إلى دراسات عالمة النفس الكندية، ماري أينسورث، قدّم بولبي أساسًا نظريًا لفكرة أن الأمهات والأطفال لديهم دوافع متبادلة للسعي إلى التقرب من بعضهم بعضًا من أجل البقاء.

وجادل بأن حساسية الأم لرغبة طفلها في الحميمية والسكينة إليها كانت عاملًا حاسمًا في تشكيل روابط التعلق ونمو الطفل، وتتعلق هذه الحساسية بتمكّن الأم وقدرتها على اكتشاف وفهم والاستجابة بشكل مناسب لإشارات طفلها التي ترمز إلى شعوره بالقلق والخوف.

ففي حالة شعور الطفال بالقلق، فإن الأم التي ترتبط بطفلها بنمط تعلقٍ من النوع الآمن تستجيب بشكل مناسب لحالة القلق تلك، فهي تكتشفها وتندفع لتخفيفها، وتقدم مجموعة من الاستجابات المهدئة خلال فعل ذلك.

وفقًا للمقال فإن العديد من الباحثين البارزين في نظرية التعلق يرون أن الافتقار المستمر إلى هذه الحساسية الأمومية خلال مرحلتي الرضاعة والطفولة المبكرة يؤدي إلى اعتقاد الشخص الدائم بأن العالم غير داعم له، وأنه غير محبوب.

ومن الجدير بالذكر أنه منذ صدر المجلد الأول من دراسة بولبي حول «التعلق والفقدان (Attachment and Loss)»، في عام 1969، نُشر ما يزيد على 20 ألف مقالة في دوريات مختلفة حول موضوع نظرية التعلق.

وبحسب المقال، تشير الدراسات العلمية بقوة إلى أنه في حال حرمان الأطفال من الرعاية الحساسة لروابط التعلق عندهم خلال السنوات المبكرة، فإن لذلك عواقب سلبية بالغة الأثر في حياتهم العاطفية وعلاقاتهم بالآخرين.

ويلفت المقال إلى أن المبادئ الأساسية لنظرية التعلق صارت جزءًا لا يتجزأ من الأفكار الغربية المعاصرة حول تربية الأطفال. وتشكل لغة نظرية التعلق ومضامينها أساسًا داعمًا لـ«الاتجاه التربوي الداعي إلى فلسفة التربية بالارتباط»، وهو اتجاه يقترح اتباع أساليب مثل النوم المشترك – حيث ينام الرضع والأطفال في سن مبكرة بالقرب من أحد الوالدين أو كليهما – وتغذية الرضيع بحسب الطلب وليس بجدول محدد.

بالإضافة إلى ذلك أثرت نظرية التعلق – بحسب المقال – في السياسات المتعلقة بالأوقات التي ينبغي تخصيصها للرعاية النهارية وعدد الساعات التي يقضيها الوالدان بعيدًا عن الأطفال خلال السنوات الأولى، مثل الاستحقاقات السخية التي عينتها السويد لإجازات الآباء والأمهات مدفوعة الأجر، والتي تضمن قدرة الآباء السويديين على رعاية أطفالهم حتى سن الثامنة.

علاوة على أن نظرية التعلق كان لها تأثير كبير في الدلائل الإرشادية المتعلقة بالممارسة التعليمية في السنوات الأولى من عمر الأطفال، وفي المملكة المتحدة، على سبيل المثال، تتكفل الهيئات المعنية بأن يكون «مقدم الرعاية الأساسي» للطفل (جهة اتصالهم الرئيسة) خلال السنوات الأولى من الممارسة التعليمية، على اطلاعٍ بنظرية التعلق ومضامينها.

ويعبر هذا المد الثقافي عن حركة عميقة نحو مقاربة «محورها الطفل» في أساليب التربية، والتي تضع احتياجات الطفل في صميم سيرورة تعليمهم ونموهم.

ومع ذلك، يستدرك المقال ليقول بأن البعض يجادل بأن هذا التحول كان له عواقب سلبية. فالكاتبة الأمريكية جوديث وارنر – على سبيل المثال – ترى أن نظرية التعلق قد غذّت ثقافة «الأمومة الكاملة»، حيث تُوضع الأمهات في موقع «المسؤولية الكاملة» عن احتياجات أطفالهن.

وتقول وارنر: إن أساليب تربية الأطفال بالارتباط تضغط على الأمهات العاملات -على وجه الخصوص – للانخراط في حياة يجب أن يعملن فيه بلا توقف في دورات مزدوجة – سواء أكن في المنزل أم في مكان العمل – لمصلحة نمو أطفالهن فقط».

تربية الأطفال بالأساليب النازية

يذهب المقال إلى أنه في المجتمعات الغربية المعاصرة، ينصب التركيز وإضفاء القيمة على تطوير «الذات» الفريدة من نوعها والعالم العاطفي الخاص، وفي الوقت ذاته، فإن اشتغال نظرية التعلق التي تركز على الطفل، بالاحتياجات العاطفية للرضع، وكيفية استجابة الآباء لها، يدعم جيدًا هذا النظام القيمي.

Embed from Getty Images

لكن الحال لم يكن دائمًا كذلك – بحسب المقال – إذ إن الالتفات إلى أساليب تربية الأطفال في ألمانيا خلال العهد النازي، وكيف ناضلت الأجيال اللاحقة من أجل تجاوز الأساليب النازية وتنمية علاقات الارتباط بأطفالهم، يثير تساؤلات حول ما يحدث عندما تعمل المجتمعات على تصميم معتقدات تربوية تتعارض بشكل صارخ مع رؤى نظرية التعلق.

كتب المؤرخون وعلماء النفس الألمان بشكل مكثف عن أعمال المربية والطبيبة النازية، يوهانا هارر، وقد نشر كتيبها التوجيهي عن رعاية الطفل «الأم الألمانية وطفلها الأول»، الناشر البارز في العهد النازي يوليوس فريدريش ليمان، وبلغ انتشار الكتيب بعد ذلك أن كان قد بيع منه بحلول عام 1945 نحو 600 ألف نسخة.

ويرى كاتب المقال أن أكثر ما يلفت الانتباه في الدليل التوجيهي الذي كتبته هارر هو ما يقدمه من أساليب للتربية ومعتقدات تتناقض تمام التناقض مع نظرية التعلق وفلسفتها، لدرجة أنه إلى حد ما، يمكن وصف عملها، على نحو دقيق، بأنه «دليل توجيهي مضاد لفلسفة التربية القائمة على نظرية التعلق».

فعلى سبيل المثال، تقول هارر في الكتاب إن الرضع يجب فصلهم عن أمهاتهم لمدة 24 ساعة بعد ولادتهم، ويجب وضعهم في غرفة منفصلة، إذ كان يُعتقد، بحسب الكتاب، أن هذه الممارسة لها ميزة، وهي حماية الطفل من الجراثيم التي قد يتعرض لها من أولئك الذين من خارج الأسرة، ويقول الكتيب أيضًا: «إن هذا يسمح للأم بالوقت اللازم للتعافي من ضغوط الولادة».

وحسب توجيهات هارر، فإن هذا الفصل بين الأم والرضيع يجب أن يستمر للأشهر الثلاثة الأولى من حياة الطفل، ويمكن السماح للأم بالزيارة فقط من أجل الرضاعة الطبيعية المنظمة – لاتزيد على 20 دقيقة – وعلى الأم أن تتجنب التحايل والتلكؤ.

وترى هارر أن هذا الفصل يعد جزءًا مهمًا من «نظام تدريب» الرضيع، ومن ثم فهي تشير في توجيهاتها إلى أنه إذا استمر الرضيع في البكاء بعد إطعامه في الموعد المحدد وكان نظيفًا وجافًا وعُرض عليه دمية للعب بها، «فإن عليك عزيزتي الأم إذًا أن تكوني صارمة»، واتركي الرضيع يبكي حتى يتوقف وحده بكل بساطة.

كان فهم هارر للأطفال الرضع قائم على نظرة مفادها أنهم كائنات «ما قبل بشرية (pre-human)» بالكاد تُظهر بعض العلامات على أن لديها حياة ذهنية حقيقية خلال الأشهر القليلة الأولى بعد الولادة، ولم يكن البكاء – بحسب اعتقادها – سوى مجرد وسيلة يستخدمها الرضيع لتمضية الوقت.

ومن ثم فهي تنبّه على الأمهات بألا يحملن أو يهدهدن أو يحاولن تهدئة أطفالهن الرضع الذين يبكون، إذ إن هذا من شأنه أن يؤدي بالرضيع إلى أن يتوقع استجابة متعاطفة معه مما سيجعله في النهاية يتطور ليصير «رغم ضآلة حجمه، طاغية عنيدًا في طلباته».

ولم يكن منح الأطفال الكثير من الاهتمام بالنسبة إلى هارر جزءًا مهمًا من تدريبهم، فهي تقول: إنها «ليست علامة حب أمومي خاص أن تغمر الأم طفلها طول الوقت بالحنان، إذ إن ذلك الحب المفرط يفسد الطفل» وسيؤدي على المدى الطويل إلى «خنوثة» الأولاد الصغار.

تربية

منذ سنة واحدة
8 سلوكيات شائعة تؤذي الأمهات بها أطفالهن دون أن تشعرن

وتشي معتقدات هارر حول الأبوة والأمومة بطبيعة القيم التي اعتُبرت مهمةً للحياة في «الرايخ الثالث» الألماني، وكانت تؤمن بأنه يتحتّم على كل مواطن ألماني أن يكون «عضوًا نافعًا في المجتمع القومي الألماني»، وعارضت بشدة ممارسات التربية التي تعزز من الشخصية الفردية للأطفال، إذ كان على الطفل أن يتعلم «الاندماج في المجتمع وإخضاع رغباته ووضع جهوده في خدمة المجتمع».

ويشير المقال إلى أن أعمال هارر في نهاية المطاف تجلّت فيها وشكّلت ممارسات تربية الأطفال التي تحالفت مع أهداف «منظمة شباب هتلر»، وشُجع الآباء على إنتاج مزيد من الأطفال الذين يمكن دمجهم في المجتمع، ليصيروا شبابًا لا تعوقهم في الوصول إلى أهدافهم انشغال بالنفس، أو انغماس في لذاتها أو حتى مجرد اهتمام بها، بل شجعان مطيعين منضبطين، وكانت مراكز المشورة ودورات التدريب للأمهات القائمة على أفكار هارر أداةً لتلقين الألمان تعاليم الإيديولوجيا النازية.

هل اختفت آثار التربية النازية في ألمانيا؟

يتطرق المقال بعد ذلك إلى بعد آخر، ليقول إن العديد من المنظرّين المؤمنين بنظرية التعلق، مثل كلاوس جروسمان، يشيرون إلى أن حركة تربية الأطفال في العهد النازي تعكس مجموعةً من الظروف الاجتماعية والتاريخية والسياسية التي كفلت، على الأرجح، نشأة جيلٍ من الأطفال الصغار في غياب الشعور بالأمان الذي تنطوي عليه الروابط العاطفية للتعلق بالأبوين.

Embed from Getty Images

وقال جروسمان: إن هذا الإهمال القومي واسع النطاق للروابط بين الأبوين والطفل وإساءة معاملة الأطفال كان له أن يتبدّى مرة أخرى في دور الأيتام الرومانية تحت حكم نيكولاي تشاوتشيسكو في الفترة من عام 1965 إلى 1989، حين نشأ العديد من الأطفال في ظروف مروعة، وتعرضوا للعنف يوميًا بهدف إذلالهم والسيطرة عليهم.

ونتيجة لذلك تبين أن الأطفال الذين نشأوا في دور الأيتام الرومانية تلك يعانون بشكل متزايد من مشاكل أساسية مرتبطة بأنماط التعلق غير الآمن، والتواصل الاجتماعي وعلاقات الصداقة المشوشة بالآخرين، علاوة على الاختلافات الكبيرة في عمليات تطور ونمو الدماغ.

أظهرت الأبحاث أن افتقار هؤلاء الأطفال إلى الحب والروابط العاطفية مرتبط بالاختلافات التشريحية في المناطق الأساسية من الدماغ، ومع ذلك، فإنه ينبغي التنبه إلى أن ثمة اختلاف كبير، وهو أن أفكار هارر كانت تعبر عن أيديولوجيا منظمة وواعية بأهدافها ارتدت عباءة المصداقية العلمية، على النقيض من الحالة الرومانية التي تعد الظاهرة فيها، بالأساس، نتيجةً هامشية لصراعات التهجير القسري.

وقد شككت العالمتان في مجال البيولوجيا الاجتماعية، هايدر كيلر وهيلترود أوتو، فيما إذا كانت لتلك الفترات من التاريخ الألماني دورٌ في تشكيل مفاهيم التربية للأجيال التالية.

وفي أحد فصول كتابهما، جادلتا في الفصل الذي كان عنوانه «هل هناك بالفعل نمط ألماني خاص في التربية؟»، بأنه من الصعب القول ما إذا كانت تلك الاتجاهات التاريخية القوية في تربية الأطفال قد حددت نمطًا معينًا ما يزال حاضرًا كقوة مهيمنة في أساليب التربية في ألمانيا اليوم.

وأضافتا أن الواقع هو أنه منذ الحرب العالمية الثانية ترسخت الفلسفات والممارسات التي تركز على الطفل، والآتية من العالم الغربي في المجتمع الألماني.

بالإضافة إلى أن ارتفاع مستويات الهجرة يعني أن هناك العديد من الأفكار والمعتقدات حول التربية في ألمانيا المعاصرة، تقف جنبًا إلى جنب مع هذه الاتجاهات التي سادت في أجيال معينة.

ومن ثم فإن المرجح هو أن تدفق تلك المعتقدات الثقافية والتاريخية المختلفة قد ساهم في خلق مجتمع يضم ما لا يُعد من ممارسات التربية التي خففت من تأثير الاتجاهات التاريخية.

التربية القائمة على تعدد مقدّمي الرعاية للطفل

يعود المقال فيؤكد أن الكثير من الأبحاث الغربية المعاصرة تشير إلى أن فلسفة التعلق والترابط، على نقيض ما اعتقد النازيون، لا تزال ذات دور مهم في العديد من المجتمعات فيما يخص تربية الأطفال، على الرغم من أن الطرق التي تترتّب من خلالها ممارسات التربية القائمة على الترابط في تلك المجتمعات يمكن أن تتعدد إلى درجة هائلة.

وفي حين أن العديد من الباحثين قد قدموا أدلة تشير إلى أن ثمة سمات معينة للترابط قد تكون عالمية، فإن هناك باحثين آخرين يذهبون إلى أنها تختلف بشكل واضحٍ من ثقافة إلى أخرى.

Embed from Getty Images

فقد كان المفترض – على سبيل المثال – أن هناك حاجة عالمية ودافعًا عند جميع الأطفال لتشكيل علاقة تعلق وروابط مع مقدمي الرعاية، إذ إنه من المعتقد أنهما مترابطان عصبيًا بالسعي إلى روابط أقرب بينهما، بالإضافة إلى أنهما مهيآن بمجموعة من السلوكيات التي يتمحور دورها حول تيسير ذلك التقارب وتلك الروابط.

ولكن ما يختلف، وفقًا للمقال، هو كيفية تشكل روابط التعلق تلك (ومع من تتشكل)، إذ إن نظرية التعلق عند بولبي تؤكد أهمية الرابط بين الرضيع ومقدم الرعاية له، أي الأم أو مقدم الرعاية الرئيس حصرًا.

لكن هذا ليس صحيحًا على مستوى العالم بأن الرابطة دائمًا ما تتشكل مع الأم أو مقدم الرعاية الرئيس، غير أن تلك النظرة مستمدة إلى حد كبير من مجتمعات الطبقة الوسطى الغربية.

كشف البحث في ثقافات أخرى عن طرق مختلفة للاستجابة إلى ذلك الاحتياج العالمي إلى روابط التعلق الآمن عند الرضع، وعلى سبيل المثال، في رسالتها للدكتوراه، تستكشف أوتو أنماط الارتباط في 30 طفلًا من مجتمع النسو (Nso) في الشمال الغربي للكاميرون، حيث تظهر البيانات التي جمعتها بعض الاختلافات المذهلة في أنماط الارتباط والتعلق، فالأمهات في مجتمع النسو لديهن معتقدات مختلفة للغاية عن قيمة وأهمية الرابطة الحصرية بين الأم والرضيع.

فالواقع، أنهن غالبًا ما يطرحون جانبًا فكرة حصرية الأمومة، ويؤمنّ أنه لتوفير أقصى قدر من الرعاية للطفل، فإن وجود العديد من مقدمي الرعاية هو الوضع الأفضل، إذ إنه كما أشارت إحدى الأمهات: «شخص واحد بمفرده لا يمكنه رعاية طفل طيلة الوقت».

صحة

منذ سنة واحدة
مترجم: علميًا.. كيف تؤثر الأحضان في بناء جسم طفلك؟

وعلى هذا النحو، كان من المهم للأمهات في مجتمع النسو ألا يطور الأطفال ارتباطًا خاصًا بهم، وأن ينشئوا روابط وثيقة مع الأخوة والأخوات الأكبر سنًا والجيران أو الأطفال الآخرين في المجتمع: «لا يعتبر اتباع شخص واحد فقط أمرًا جيدًا، لأني أريد لها (طفلتها) أن تعتاد على الجميع وتحب الجميع بدرجة متساوية».

وينقل المقال ما أشارت إليه إحدى الأمهات من أن ارتفاع معدلات الوفاة أثناء الحمل أو الولادة يزيد من أهمية وجود العديد من مقدمي الرعاية للعناية بالأطفال، فتقول: «هل تقصد أن تتبعني أنا فقط؟ بالنسبة إلى لا أعتقد أن هذا جيد بالفعل لها، لأن الحال إذا استمر كما هو الآن، وظلت تتبعني فقط وتحبني فقط، فما الذي سيحدث إذا لم أكن بجانبها الآن، أو إذا مت، فمن الذي سيعتني بها؟ إنها بحاجة إلى أن تحب الجميع على الأقل، أو تحاول أن تعتاد على الجميع، لكي يمكن أن يرعاها أي أحد إذا ما كنت غير موجودة».

وتعمل الأمهات بفعالية، في مجتمع النسو، على حمل أطفالهن على تكوين روابط وثيقة مع أفراد آخرين من المجتمع، ويرون في ذلك أحد سمات تربية الأطفال الجيدة، التي تعتمد أيضًا تخويف الأطفال لثنيهم عن الاقتصار على العلاقة الحصرية بين الأم والطفل.

«أنا أحمله على الذهاب إلى أشخاص آخرين. عندما أرى أي شخص أود إجبار طفلي على الذهاب إليه حتى لا أكون الشخص الذي يعتني بالطفل. لأنه من غير الممكن أن أتولى رعايته وحدي؛ إذ لو حدث ذلك فإنه سيزعجني في أغلب الأحيان؛ مما يعني أني لن أكون قادرة على فعل أي شيء آخر». – إحدى أمهات مجتمع النسو

وتبين أوتو أن «أمهات مجتمع النسو يدربن أطفالهن على أهداف التنشئة وتكوين الروابط الاجتماعية في مجتمع النسو»، ويتضمن ذلك إنتاج أطفال هادئين ومطيعين ومتقبلين (غير متمردين) للحب وتلقي الرعاية من قبل العديد. وتحقيقًا لهذه الغاية، يعارضون الرابطة الحصرية بين الأم والطفل والتفرد الأمومي الذي تدعو إليه العديد من نماذج التربية الغربية القائمة على فلسفة روابط التعلق بين الأم والطفل.

القيم التربوية

يضيف المقال إلى ذلك أن ثمة باحثين آخرين قد أشاروا إلى اختلافات ثقافية مماثلة، فقد كشفت دراسات عالمة الأنثروبولوجيا الأمريكية كورتني ميهان لمجتمع «الأكا» الرحّال في الغابات المدارية في منطقة حوض نهر الكونغو، عن الأطفال الرضع عادة ما يكون لديهم 20 من مقدمي الرعاية الذين يتفاعلون معهم ويعتنون بهم بشكل يومي.

Embed from Getty Images
أطفال قبائل الأكا في الكونغو

وهناك أيضًا دراسات عالمة الأنثروبولوجيا سوزان سيمور عن أنماط تربية الأطفال في الهند، حيث تُعد الأمومة الحصرية الاستثناء في تلك المجتمعات:

«تقدم الهند دراسة حالة ممتازة لفحص الرعاية المتعددة للطفل. إذ إنه حتى في سياق التغيير السريع والتحديث فإن بحثي وأبحاث آخرين تشير إلى أن الأمومة الحصرية هي الاستثناء، وليس القاعدة – كما كنا نتصور – وأن مفهوم تدليل الأم لطفلها والانغماس الكامل في رعايته هو في حد ذاته إشكالي».

وينقل المقال أيضًا عن باحثين ألمان اقتراحاتهم بشان أن الأمهات والآباء قد يكون لديهم طرق فريدة لتطوير أنماط آمنة من علاقات الترابط مع أطفالهم، وقد يكون طريق الأمهات لتأمين روابط آمنة مع أطفالهن هو من خلال الاستجابة الحساسة الملبية لاحتياجات الطفل في أوقات القلق.

لكنهم أشاروا إلى أنه من الأرجح أن يبني الآباء روابط تعلق آمنة مع أطفالهم من خلال الروابط التي تنشأ في أثناء اللعب الحساس، أي المتناغم والمتوافق مع رغبات الطفل واحتياجاته والتعاوني في الوقت ذاته.

وتبين هذه الدراسات – وفقًا للمقال – أن قيم تربية الأطفال هي تعبير عن ثقافة المجتمع، أي أنها ليست قابلة للتعميم والتطبيق عالميًا، بالإضافة إلى أنها عرضة للتغير والتبدل مع اختلاف الأجيال.

ويختم المقال بالقول إنه في العالم الغربي المعاصر ترتبط المعتقدات المتعلقة بالتربية والعلاقات بين الآباء والأبناء ارتباطًا قويًا بالإطار الأصلي الذي طرحه بولبي، وقد كان لهذه الأفكار والمعتقدات دور حاسم في التحرك نحو مجتمع أكثر صحة لتنمية الطفل ورفاهه.

لكن بالنظر إلى التنوع التاريخي والثقافي في القيم التربوية والقيم الاجتماعية بشكل عام فإنه ينبغي توخي الحذر من الدعوة إلى نظرية التعلق وفلسفتها باعتبارها الطريقة «الوحيدة».

وفي النهاية ربما يضفي بعض الارتياح أن نعرف أن أساليب تربية الأطفال شديدة التنوع، وأنه لا يوجد نموذج واحد يناسب الجميع.

تربية

منذ سنة واحدة
مترجم: إذا قررت إنجاب طفل واحد.. كيف تتأكد أنه اجتماعي ولا يشعر بالوحدة؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد