كيف تُبدِي الأمهات ندمها على إنجاب أطفالها؟ قد تبدو الفكرة قاسية، خصوصًا في نظر هؤلاء الأزواج الذين استنفدوا كل الطرق الممكنة لإنجاب أطفال، ولم يحالفهم الحظ. ولكن في هذا التقرير الذي نشر عبر موقع صحيفة «الجارديان» البريطانية، والذي أعدته ستيفاني مارش، تُطرح فكرة تخرج عن المتعارف عليه، حيث تستعرض كيف من الممكن أن يندم الوالدان على قرار الإنجاب.

مع اقتراب نهاية عام 2015 قفز سؤال إلى شاشة كمبيوتر السيدة فيكتوريا إيلدر، كان السؤال عبر موقع «كورا Quora»، وهو موقع أسئلة وإجابات، كانت فيكتوريا قد أنشأت حسابها عليه في وقت قريب، ولم تكن تعلم الكثير عن هذا الموقع حينها، سوى أنه موقع يقوم فيه المستخدمون بنشر أسئلة تهمهم، ويحاول آخرون الإجابة عليها بكل ما لديهم من المعرفة، وتكون الأسئلة مثل «من هو الرجل ذو البدلة الصفراء في أغنية جانجم ستايل؟»، أو «إذا كانت الكرة الأرضية مكعبة فكيف يمكن للجاذبية أن تكون مختلفة؟». واكتشفت فيكتوريا أن الموقع مثير للاهتمام ومفيد، وفي ذلك المساء كان السؤال: «كيف يكون الندم على إنجاب أطفال؟».

وبصفتها امرأة عملية وصريحة، جلست إيلدر، التي تعمل لدى شركة قروض عقارية في لافاييت بولاية لويزيانا في أمريكا، لتكتب إجابتها على السؤال، كان عمرها في ذلك الوقت 47 عامًا، وبما أنها أم لفتاة في الـ17 من عمرها، ففكرت أن لديها بعضًا من الحكمة لتظهرها.

وكتبت في بداية إجابتها: «هذه فقط قصتي، لن أتحدث على لسان آخرين»، وأضافت مستخدمة اسمها الحقيقي على عكس المستخدم الذي سأل السؤال: «أنا خططت لإنجاب طفلتي سلفًا، واعتقدت أنني أريد الإنجاب بشدة، إلى الدرجة التي جعلتني أتزوج أول رجل يبدي رغبته في إنجاب أطفال معي، وفي قرارة نفسي كنت أعرف أنني أتخذ قرارًا خاطئًا معتقدة أنني بالقوة الكافية لتنفيذه».

لا يريد الناس أن يسمعوا أن النساء لا يردن أن يصبحن أمهات، فذلك يخالف النمط السائد.

ويقول التقرير إنَّ بعد عامين من ميلاد طفلتهما، أصبح زوج إيلدر يغيب بشكل زائد عن الحد، ثم غادرهما، حتى اختفى كلية عام 2008، وأصبحت الأم تعاني لتمسك زمام الأمور المادية والمعنوية، ولكن المشكلة لم تكمن هنا. فتقول فيكتوريا: «ذهبت لأبعد من ذلك»، ففي اليوم الذي ولدت فيه ابنتها، وفي اللحظة التي وضعت فيها الرضيعة بين ذراعيها: «شعرت وما زلت أشعر أنني ارتكبت خطأً».

وأكدت فيكتوريا أن الفارق الأهم الذي صنعته هي أنها كثفت حبها ورعايتها لابنتها، فهذه هي حقيقة أن تصبح أمًا، فتقول: «قداسة الأمومة تحمل جزءًا من الواقعية بالتأكيد. أحسست بالفزع حيال شعوري سابقًا وفكرت أنني أعاني من خلل ما».

وانهالت التعليقات على إجابة فيكتوريا عبر الموقع، ومنها: «اتجهي إلى العلاج النفسي، تخلصي من مشاعر عدم الأمان والذنب، والأنانية، والانغماس في الملذات، وباشري مهام الأمومة»، فيما جاءها رد آخر: «خذِ الحكمة من طفل له أم نرجسية وأنانية وقلوقة ومريضة نفسيًا، وله أب أناني ومؤذٍ وغائب كلية، قد تبدو ابنتك غير متأثرة باختياراتك السيئة لكنها – صدقيني – تتأثر».

فيما تقول فيكتوريا: «لا يريد الناس أن يسمعوا أن الأمهات لا يردن أن يصبحن أمهات، أعتقد أن ذلك يخالف النمط السائد».

ولكن بخلاف الغضب الموجه لها، فهناك راحة كبيرة فيما عبرت عنه، حيث قالت امرأة: «هذه إجابة حادة وشجاعة جدًا»، فيما قالت أخرى: «أي شخص يقول إنه يحب كونه والدًا فهو إما كاذب أو يدمن على المخدرات»، فيما قال أحد الآباء إن حياته تحولت إلى ما يشبه «الماكينة».

ووجهت كاتبة التقرير إلى إيلدر في لقاء جمعهما، سؤالًا عما إذا عاد بها الزمن هل ستقرر ألّا تنجب طفلتها؟ لترد بالتأكيد على ذلك، وطلبت أن تتحدث إلى ابنتها مورجان حتى تعطيها الفرصة لتحكي القصة من جانبها، فأعطتها فيكتوريا رقم هاتف مورجان.

فيكتوريا إيلدر وابنتها مورجان – الجارديان

وتقول الكاتبة: «لم أتوقع أن تقبل فيكتوريا أو ابنتها التحدث إلي، فالندم على إنجاب أطفالك، ليس موضوعًا يمكنك مناقشته على الإطلاق. يفترض المجتمع أن النساء خصوصًا يشعرن بابتهاج شديد كونهن أصبحن أمهات، وساعدت السوشيال ميديا على التضخيم من ذلك: فتملأ صور أجساد الرضع النظيفة حسابات إنستجرام، وصور (سيلفي) الأمهات وأطفالهن تستخدم صورًا شخصية على فيسبوك. فأصبحت الأمومة هوية بديلة وليست مرحلة في عمر المرأة. ويقف الكثير من الناس ضد تسليع الأبوة، وآخرون يبغضون التسويق الحداثي للأمومة، غير أن قليلين يظهرون على الملأ ندمهم على إنجاب أطفال».

ولكنهم يستطيعون إبداء الندم بأسماء وهمية على الإنترنت، فمثلًا هناك موضوع بعنوان «نفس عميق.. أنا أندم على الإنجاب» انتشر عبر موقع «Mumsnet»، تقول كاتبته: «لدي صورة عائلية لنا حينما كانت أعمارهما خمس سنوات وثلاث سنوات، وأنظر إليها وكأنني أود الانتحار»، وتقول أخرى: «لم تكن لدي فكرة أن الأمومة ستكون بذلك القدر من البشاعة».

بالإضافة إلى مجموعة عبر «فيسبوك» بعنوان «أنا نادم على الإنجاب»، ويعبر عنها صورة لامرأة مكتوب على جبينها كلمة «مذنبة»، وتصف المجموعة عملها بكلمات: «هذه الصفحة موجودة ليعلم كل الآباء والأمهات أن الندم على إنجاب الأطفال ليس أمرًا غير طبيعي ولا يجب أن يكون موضوعًا محرمًا». تضم هذه الصفحة حوالي 5800 مستخدم. وتدور النقاشات فيها حول الأبوة، والاكتئاب والديون والضغوطات، وحول عدم القدرة على إقامة علاقة مع الأبناء.

ونشر أحد الآباء منشورًا عبر المجموعة قال فيه: «لدي ابنة في عامها الخامس تقريبًا، هي رائعة، قد قضيت الأعوام الأربعة الأولى لها في الندم على إنجابها، رؤية أصدقائي العازبين أو المتزوجين بغير أطفال، تجعلني أشعر بالغيرة، أشعر أنني توفيت وفقدت حياتي السابقة، فقد دخلت حياة جديدة بها القليل من المتعة والجنس والنوم والمرح، أتمنى أن يتحدث الناس حول ذلك بانفتاح أكبر، أشكر الناس الحقيقيين الصادقين في مشاعرهم. أعتقد أن معظم الآباء يعانون لكنهم يبقون هادئين بابتسامة مزيفة».

وبعيدًا عن الإنترنت، ففي الواقع عبر بعض الكتاب عن الموضوع أيضًا، فالمحللة النفسية الفرنسية كورين ماير، وهي أم ومؤلفة كتاب ضمن الأكثر مبيعًا بعنوان «لا أطفال: 40 سببًا جيدًا حتى لا تكوني أمًا»، عندما صدر الكتاب عام 2008 ظهر في كل البرامج الحوارية الفرنسية، وفي المكتبات، وعلى أرفف الكتب في المنازل، وتقدم آباء وأمهات لمناقشة الفكرة، وأشارت ماير إلى أن الموجة الجديدة لانفتاح الآباء والأمهات على فكرة الندم على الإنجاب تعتبر «حركة». ودخلت ماير عام 2016 إلى قائمة «بي بي سي» لـ100 امرأة الأكثر تأثيرًا وإلهامًا في العالم.

وتكتب ماير في ذلك الكتاب بطريقة مضحكة، لكنها فرنسية عدمية تقليدية، ولكن من الواضح لماذا اعتبر البعض كتابها صادمًا، حيث كتب في الصفحة الأولى بالخط العريض اقتباسًا للروائي ميشيل ويلبك: «الطفل هو نوع من الوحوش، قزم قاس بالفطرة»، كما أن عناوين فصول الكتاب منها «الأطفال هم ناقوس الموت للزوجين. طفلك سيخيب آمالك دائمًا. أن تريد استنساخ نفسك بأي ثمن، ذلك هو قمة التفاهة». وللكاتبة 19 كتابًا آخر، عن مواضيع أخرى أكثر أهمية أحدهم مثلًا حول تفسير المحلل النفسي الفرنسي جاك لاكان لحياة الزعيم شارل ديغول.

الكاتبة كورين ماير – الجارديان

وتعود كاتبة التقرير لتحكي المزيد عن فيكتوريا إيلدر، حيث أخبرتها: «في مراهقتي كنت أجالس أطفال أقاربي، لم أرِدْ حينها أن أصبح أمًا على الإطلاق، ولكن فجأة في أواخر العشرينيات من عمري باغتتني الرغبة الشديدة في إنجاب أطفال من حيث لا أدري وكان الأمر صادمًا بالنسبة إلي»، وتصف فيكتوريا أن الحمل كان أمرًا عظيمًا، والولادة كانت عذابًا استمر ثلاثة أيام حتى ولدت مورجان، فتقول: «كانت أغرب تجربة. حينما وضعت بين يدي للمرة الأولى قلت لنفسي يا إلهي ماذا صنعت؟ كان هذا خطأً كبيرًا».

وتضيف: «لم أكن أعلم كيف أتعامل معها، أردت إرضاعها لكنني لم أستطع تحقيق ذلك»، وتحكي كيف أن الندم كان متزامنًا مع اكتئاب ما بعد الولادة، «ولكن الشعور بالندم لم يختفِ بعد انتهاء فترة الاكتئاب، تمنيت أن يزول ذلك الشعور، لكنه لم يحدث».

وجاء في إجابة إيلدر على «كورا»: «أنا أحب ابنتي وأشير إليها بأنها إبداعي العظيم، وإذا حدث أي مكروه لها فلا شيء يمكن أن يعزيني إلى الأبد. لم يكن خطئي في أنني لا أحبها أو لا أريدها أو أن هناك خللًا ما بها. فهو ليس خطأها بأي شكل من الأشكال أنني لم يجب أن أصبح أمًا، وبسبب أنها ابنة رائعة جدًا، كان الشعور بالذنب أكبر من أي شيء آخر، وذلك ليس بسبب إخفاقي أمًّا، ولكن لأنني لم أردْ أن أكون أمًا».

تمت مشاركة إجابة إيلدر على «كورا» في موقع «Fatherly» وهو موقع أمريكي شهير للآباء، وتقول فيكتوريا إنه من حسن الحظ على الرغم من أن الإجابة نشرت باسمها الحقيقي، فإنها لم يكن لها حسابات عبر «فيسبوك» أو «تويتر»، حيث لم تكن تتخيل أن تحدث إجابتها ذلك القدر من الجدل، وكانت سعيدة أنها لم تضطر للتعامل مع ذلك مباشرة.

وبعد شهرين من الجدل حول فيكتوريا، كانت أم أخرى، من ألمانيا هذه المرة، أبدت ندمها على الإنجاب على الملأ. وهي سارة فيشر التي ألفت كتابًا بالألمانية لم يترجم بعد إلى الإنجليزية، بعنوان «كذبة الأم السعيدة: أو لماذا كنت أفضل أن أكون الأب»، وأهدت فيشر الكتاب إلى ابنتها إيما (3 سنوات). وعلى غرار إيلدر فإن فيشر ناجحة في مجالها، فهي مصورة فوتوغرافية وحاصلة على جائزة في الكتابة المتخصصة عن منغوليا. وبعكس إيلدر، فهي كانت في أواخر الثلاثينيات عندما حملت في ابنتها، وكانت قابلت زوجها ألكسندر قبل عام من حملها، وما زالا معًا حتى الآن.

حقيقة الأمومة هي كثرة التبول، والملل، وزيادة الوزن، وترهل الأثداء،
والاكتئاب، ونهاية الرومانسية، والافتقار إلى النوم، وانحدار في مجال عملك،
وافتقاد الشهوة الجنسية، والفقر، والإجهاد، والافتقار إلى الإنجاز.

وتقول فيشر: «زوجي كان يريد بشدة أن نتزوج وننجب ونكون أسرة صغيرة، لكنني لم أرِدْ ذلك، ولكن وافقت للتجربة لأنني أحبه، ولأنني بلغت 38 عامًا وفكرت في أنني قد لا أستطيع الحمل أبدًا». وكانت فيشر متبناة، وظلت سنوات مراهقتها تبحث عن والديها الأصليين، فتقول: «قال لي طبيبي النفسي عندما كنت في الـ37 من عمري، فقط إذا أصبح لديكِ طفل فسينتهي حنينك وبحثك عنهما، وكان هذا أحد العوامل، وظننت أنني مستعدة لأنني ناقشت مع ألكسندر كيف سنصبح والدين. وحذرني أصدقائي بأن كل الأمهات ينتهين عند دورهن التقليدي، وكم كنت ساذجة حينما ظننت أنني سأتجنب الوقوع في ذلك».

وتوضح سارة: «المرة الأولى التي أبديت ندمي على الإنجاب كانت حينما بدأ المخاض»، فهي أحست بانفجار مفاجئ للقلق، ماذا لو أنها لم تستطع هي وزوجها الالتزام بخطتهما؟ فتقول فيشر: «اتفقنا قبل الولادة أننا سنعتني بالطفل بالتناصف، ولن ننحدر إلى نماذج الأدوار التقليدية، حيث يعمل الأب ويجني المال والأم تظل في المنزل».

وتتابع: «لم أفشل في أي شيء سابقًا، فقد سافرت إلى 180 دولة وكدت أن أموت من الجفاف في أدغال مدغشقر، كنت على متن قارب في المحيط الهندي اختطفه مجموعة قراصنة، كدت أن أموت بسبب تسمم غذائي في تركمانستان»، وذلك ما جعلها تشعر أنها قادرة على النجاح في الأمومة، وتضيف: «ما حدث في السنوات التالية لم أكن لأتخيله في أسوأ كوابيسي. شعرت أنني جزء من حبكة قصة بوليسية، حيث تشنق امرأة بالأمومة».

وتقول فيشر إنها وجدت نفسها مرغمة على خوض أحاديث طويلة عن الأطفال مع أمهات أخروات، وشاهدت صديقات لها يتخلين عن اهتماماتهن السابقة في سبيل «إعداد الخبز، أو إنشاء مدونة عن الأمومة، أو إعداد المربى»، عندما بلغت ابنتها 4 شهور عرض عليها عمل مستقل يتطلب السفر كثيرًا إلى الخارج، وكان رد فعل الأصدقاء من حولها غير مشجع: «هل هناك أي عمل أهم من أن تكوني أمًا؟ أليس لديك زوج؟ إن الأم تعاني عندما تبعد عن أطفالها وهو وقت عصيب على الطفل تربويًا، أنتِ مجبرة أن تظلي بجانبها»، وتقول فيشر ساخرة: «إذًا كيف يتعامل الآباء مع هذا الوقت العصيب؟» وتضيف: «حينها كنت مفلسة» وهو ما رد عليه زوجها: «هذا خطؤك فذلك كان قرارك».

سارة فيشر وابنتها إيما – الجارديان

فإذا كنت تريد أن تقلع عن فكرة إنجاب الأطفال، فاقرأ كتاب فيشر، حيث تقول فيه «حقيقة الأمومة هي كثرة التبول، والملل، وزيادة الوزن، وترهل الأثداء، والاكتئاب، ونهاية الرومانسية، والافتقار إلى النوم، وانحدار في مجال عملك، وافتقاد الشهوة الجنسية، والفقر، والإجهاد، والافتقار إلى الإنجاز».

وتعبر فيشر عن استغرابها: «لم أكن أصدق أن شيئًا كهذا يمكن أن يحدث، لماذا قد أغير من شخصيتي؟ لكن النساء عندما يصبحن أمهات يجبرن على أخذ دور الأم، فيما يظل الآباء على حالهم موظفي بنوك أو نجارين أو أطباء، فكل شيء لديهم يظل كما هو، بل بإضافة لطيفة»، موضحة أن الرجل يمكنه العودة إلى عمله بسرعة عندما تزيد نفقات الطفل.

وقالت ستيفاني لفيشر إن ابنتها ما زالت 3 سنوات فقط، وأن الأمور يمكن أن تصبح أسهل بعد أن تكبر قليلًا، فيما ردت فيشر: «إذا كانت سياسة الأسرة لدينا في ألمانيا ستتطور، إذًا يمكن أن تصبح الأمور أسهل، بالإضافة إلى أن يصبح المجتمع أكثر انفتاحًا. مشكلتي ليست في ابنتي، فهي الفتاة الأكثر بساطة وهدوءًا في العالم، إنما رسالتي إلى الأمهات الأخروات: من المسموح لكن أن تفكرن في شيء مثل الندم على الأمومة ومع ذلك تحببن أطفالكن».

وتعرضت فيشر لهجوم كبير بعد نشر كتابها، حيث أبدت الأمهات في روضة الأطفال التي تذهب لها ابنتها استياءهن مما كتبت، فتقول فيشر: «توقفن عن محادثتي أو حتى النظر إليّ، لم يعدن يرحبن بي حينما أوصل ابنتي إلى حفلات أعياد الميلاد، وكرهني حوالي ثلث الأهالي الذين يعيشون بالقرب مني، ومررت بوقت عصيب، حتى إن هناك ناسًا هددوني إلكترونيًا، وكأنني أشرت في كتابي إلى أن كل الأمهات يعشن كذبة، حينها لم أستطع أن أنام أو أتناول طعامي، حتى إنني فكرت في الانتقال من البلاد، لولا الرسائل الـ80 التي كانت تصلني يوميًا من نساء يشكرنني».

وصدر كتاب فيشر مدفوعًا بدراسة أعدتها الأخصائية الاجتماعية الإسرائيلية أورنا دوناث، والتي وصفتها صحيفة «هآرتس» بأن الدراسة تعتبر: «واجهة لحركة رفض الأبوة والأمومة». واعتمدت الدراسة على لقاءات مع 23 امرأة إسرائيلية لم يفصح عن هويتهن، أبدين ندمهن على الإنجاب، والضغط الاجتماعي الكبير الذي شعرن به.

أجيال الأمهات السابقة كن يكبتن مشاعرهن السلبية تجاه تجارب الأمومة فقط من أجل النجاة.

أما جيسيكا روز وهي أم لطفلين من برلين، تقول: «نحن المدونين أيضًا تعرضنا للموضوع ذاته»، فيما انتشر وسم عبر موقع «تويتر» بعنوان «الندم على الأمومة regretting motherhood » حتى بين الألمان غير المتحدثين بالإنجليزية، فيما كتب الصحفي الألماني هارالد مارتنستين أن النادمات على الأمومة اللاتي يواجهن أطفالهن بمشاعرهن السلبية متهمات بإساءة معاملة الأطفال.

وتقول روز إن النقاش حول أمر يعتبر من المحرمات كان صعبًا: «فالناس كانوا يسألون كيف يمكن أن تعترفوا بذلك؟ كيف تكونون غير ممتنين بقرار أنتم اتخذتموه، في حين لا يستطيع آخرون إنجاب أطفال بالأساس؟». تزوجت روز وكانت وزوجها في بداية العشرينيات من عمرهم، وما زالا متزوجين وتقول: «كنت مهووسة بإنجاب الأطفال وكان زوجي مثل معظم الرجال، يريد تأجيل الأمر حتى ننضج أكثر، ولكنني أقنعته بعد أن رأى كم هو مؤلم بالنسبة لي عدم الإنجاب، وبعدها لم أستطع الحمل، كان عمري حينها 23 عامًا، وبدأت تجربتي مع الحقن المجهري، وأخيرًا وبعد عامين من المحاولات، نجح الحمل، وأنجبت ابنتي».

ماذا حدث بعد ذلك؟ «كانت لدي فكرة رومانسية جدًا تجاه الأمومة، حيث سأحب الذهاب إلى الحديقة ودائمًا سأكون محبة ومتفهمة، لكنني اكتشفت أني أكره الحديقة، ووجدت أن الوقوف لمراقبة الطفل على الأرجوحة أمر ممل للغاية». حيث اكتشفت روز التي تعمل مديرة لعلاقات العملاء وتحب عملها للغاية، حقائق جديدة عن نفسها: «أنا شخص مستقل للغاية، وأجد الأمومة أمرًا متعبًا جدًا، فأنا غير صبورة على الإطلاق، وأريد أن أعيش وفق وتيرة خاصة بي. أعود من عملي متأخرة، لأجد الطفلين ما زالا مستيقظين، ونشيطين، أو يريدان أن أداعبهما. صوت الإزعاج وشجار الأطفال، لم أفكر في كل ذلك من قبل، ولا أحد يخبرك عن ذلك»، فنظرية روز أن أجيال الأمهات السابقة كن يكبتن مشاعرهن السلبية تجاه تجارب الأمومة «فقط من أجل النجاة».

جيسيكا روز وابنتاها – الجارديان

لكن كيف تقبل زوجها الأمر؟ فهي من أصرت على الإنجاب سلفًا، وهي من يدفعها الأمر إلى الجنون الآن: «أنا بالفعل ممتنة له، حيث تحدثنا عن الأمر وهو متفهم شعوري، فهو يميل إلى دور الأم، فيما يمثل عملي أهمية كبيرة بالنسبة إلي، وبالنسبة إليه فالأطفال هم الأولوية، فهو يفضل أن يظل في البيت أكثر ويجني مالًا أقل».

ويقول أندرو جي مارشال أخصائي العلاقات البريطاني ومؤلف عددٍ من الكتب، إنه لم يقابل شخصًا صرح له بالندم على الإنجاب: «فهذا هو التابوه الأعظم، هم فقط يصفون رعبهم الدائم. فالإنترنت أسس لتقديس الطفل، حيث وراء كل مهووسة بالأمومة أم سيئة، ولكنه أيضًا مكان يمكنك أن تتساءل فيه عن معنى حياتك دون أن تشعر أنها تدور حول أطفالك فقط».

ويعبر مارشال عن عدم إعجابه بعبادة الأمومة وتقديسها، التي ظهرت في رأيه في العقد الماضي: «في الأصل كان الله هو من حمانا من أنفسنا، ثم كان الحب، ثم الآن الأطفال. فهو نتاج عصر الطلاق. من الماضي وحتى قبل عقد كنا نعتقد أن الوقوع في الحب يعني السعادة الأبدية. لكننا الآن عرفنا أن الحب هو خرافة كل العصور، ووجدنا أن البديل هو الطفل الذي سيحبنا إلى الأبد، ويجعلنا نشعر بالسعادة، والأمان والنجاح». ولكن بعد ميلاد الطفل وعدم تحقيق هذه المشاعر المبهجة، قد يخلق ذلك مشاعر الندم الذي لا يوصف.

لكن ماذا عن الطرف الآخر؟ عن الأبناء الذين صرحت أمهاتهم بالندم على إنجابهم؟ تقول كاتبة التقرير: «هل قرأ أولاد كورين ماير البالغون كتابها؟ فترد ماير بأن ابنتها قرأته أما ابنها فلم يفعل بعد، ثم سألتها عن انطباع ابنتها، فقالت ماير إنها تظن أنه من الأفضل أن يعرف الطفل أن أمه ليست له وحده، وأن لها حياتها الخاصة ورغباتها، حيث إن ذلك يجعل الطفل يبني شخصيته الخاصة».

أما عن مورجان ابنة إيلدر، وشعورها تجاه ما كتبته والدتها عبر موقع «كورا»، تقول: «كان هناك أشخاص يصفونها بالكاذبة، وبأنها أم سيئة، وهذا أغضبني، فأنا أعلم ماهيتها بالفعل، والآن أستطيع أن أنظر لهم فقط وأضحك، لأن أمي عظيمة، ودائمًا موجودة بجانبي». بالإضافة إلى أن والدتها أطلعتها على إجابتها قبل نشرها، وحتى قبل ذلك تحدثتا عن الموضوع ذاته في الماضي، وتفهمت مورجان ذلك، فهي تعلم أن والدتها تحبها، وتضيف الابنة: «أشعر أن إخبار الآباء لأبنائهم بشأن شعورهم بالندم قد يكون الخيار الأفضل، فذلك لا يعني أنهم لا يحبون أطفالهم، فأنا لم أشعر أبدًا أنني غير مرغوبة من قبل أمي».

وتعبر مورجان عن رغبتها في عدم إنجاب أطفال: «أظن أنني سأكون أمًا سيئة، فأنا نرجسية وأفكر فقط في نفسي»، وتتوجه أولوياتها ناحية الالتحاق بجامعة جيدة، وجني الأموال وبدء مشروعها الخاص، وتقول «معظم أصدقائي لا يفكرون أيضًا في إنجاب أطفال». على الرغم من أنها تبدو متأكدة من مشاعرها، إلا أن والدتها كان لديها الشعور ذاته في مثل عمرها.

كيف يمكن لأي شخص أن يعلم ما إذا كان سيصبح والدًا على نحو جيد؟ عما إذا كانوا سيحبون الحياة كذلك أم سيكرهونها أم الاثنان معًا؟ وتقول كاتبة التقرير إن كل النساء اللاتي تحدثت معهن، كان حملهن مخططًا له سلفًا، ومع ذلك فإن كل واحدة منهن كان يملؤها الندم، الشعور الذي لم يكنّ يتصورنه إطلاقًا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد