الالتزامات الجديدة لكل من الصين، والمملكة المتحدة، والاتحاد الأوروبي بشأن المناخ تقرِّب العالم من أهداف الاتفاقية.

أعدَّت لي لي بايك، صحافية مستقلة تغطي أخبار تغير المناخ، تقريرًا نشره موقع «ڤوكس» الإخباري حول تطورات قضية المناخ في الذكرى الخامسة لاتفاقية باريس للمناخ. وترى أن هناك مؤشرات مبشِّرة تتمثل في التزام عديد من الدول بخفض كبير للانبعاثات، كما ترى أن عودة إدارة بايدن للاتفاقية سيكون له تأثيره، وإن لم يكن من الواضح بعد، ما الذي ستقدمه.

وفي البداية، أشار التقرير إلى أن سلسلة من الإعلانات خلال عطلة نهاية الأسبوع في قمة للأمم المتحدة بخصوص المناخ عززت الأمل في أن الانبعاثات العالمية ربما لا تزال تتماشى مع أهداف اتفاقية باريس، مما يؤدي إلى تحاشي الآثار الأكثر خطورة لتغير المناخ. وتأتي هذه التعهدات الجديدة في عام كان لا بد وأن يكون اختبارًا مهمًّا للاتفاقية العالمية، حتى قبل انسحاب إدارة ترامب منها وتفشي جائحة كوفيد-19 عالميًّا.

البيئة

منذ سنتين
مترجم: يزيد بوتيرة متسارعة.. كيف ستكون أفريقيا الأكثر تضررًا من التغير المناخي؟

اتفاقية باريس.. خطط طموحة لحماية البيئة

وقبل خمس سنوات، اجتمعت 195 دولة للتوصُّل إلى اتفاق باريس، بعد عقود من المحاولات الفاشلة لمعالجة تغير المناخ معالجة شاملة. واتفقت الدول بالإجماع على تقليل غازات الاحتباس الحراري تماشيًا مع الحفاظ على ارتفاع متوسط ​​درجة الحرارة العالمية بما يقل عن درجتين مئويتين (الهدف 1.5 درجة).

واستدركت الكاتبة قائلةً: غير أن متابعة الدول للهدف طواعيةً وبجدية كان دائمًا ضربًا من المقامرة. وحدثت هيكلة للاتفاقية غير الملزمة بحيث تحدد البلدان بنفسها مدى سرعة خفض انبعاثاتها، ولا يوجد تطبيق للمعايير من أعلى إلى أسفل لكل بلد. وبموجب الاتفاقية تقدم البلدان تعهداتها الخاصة التي تسمَّى الإسهامات المحددة وطنيًّا (NDCs) كل خمس سنوات، ومن المفترض أن تكون هذه الخطط طموحة على نحو متزايد، للحفاظ على الاحتباس الحراري دون درجتين.

ولسوء الحظ، عندما تبنَّت الدول اتفاقية باريس في عام 2015، قصرت الجولة الأولى من التعهدات عن بلوغ الهدف. وقدَّر «مؤشر تتبع العمل المناخي» أن التعهدات ستؤدي إلى ارتفاع درجة الحرارة لتصل إلى 2.7 درجة مئوية – ناهيك عما ستنجح البلدان في تحقيقه بالفعل.

وعلى الرغم من أنه من المفترض أن تقدم جميع البلدان أهدافًا جديدة بحلول نهاية الشهر، فإن عديدًا منها لن يقدم الخطط حتى العام المقبل، قبل مفاوضات المناخ الرئيسة القادمة، التي تأجَّلت بسبب جائحة كورونا.

خطوة إلى الأمام.. ولكن

 تغير المناخ

ونوَّه التقرير إلى أنه حتى الآن، حدَّثت 22 دولة فقط الإسهامات المحددة وطنيًّا الخاصة بها، بينما تعهدت 125 دولة بأنها تنوي تحسين أهدافها، وفقًا لمرصد المناخ (Climate Watch).

لكن الالتزامات المناخية الرئيسة الجديدة من أوروبا والمملكة المتحدة، التي قُدِّمت في «قمة طموح المناخ» الافتراضية نهاية الأسبوع الماضي، والتي عقدت بمناسبة الذكرى السنوية الخامسة لاتفاقية باريس، زادت من الزخم مع اقتراب العام الجديد. كما أعلن الرئيس الصيني، شي جين بينغ، أهدافًا محدَّثة للإسهامات المحددة وطنيًّا، وهي خطوة إلى الأمام، لكنها ليست طموحة بالقدر الذي يتطلع إليه دعاة المناخ.

تقول تارين فرانسين، وهي باحثة بارزة في إدارة المناخ الدولية في معهد الموارد العالمية، إننا: «نرى الآن أن البلدان في الواقع تزيد الطموح بمرور الوقت، وهي تفعل ذلك على الرغم من بعض العقبات الهائلة التي برزت على مدار السنوات القليلة الماضية، بما في ذلك تخلي الولايات المتحدة عن الاضطلاع بدور قيادي لمدة حرجة من الوقت».

وتقربنا هذه التعهدات الجديدة من أهداف اتفاقية باريس، ولكن ما تزال هناك فجوة. وفي فيديو نُشر على «تويتر» الأسبوع الماضي، قالت ناشطة المناخ السويدية جريتا ثونبرج: «الإجراء المطلوب ما يزال بعيد المنال». وهذا هو وضع الاتفاقية في ذكراها الخامسة.

دول الانبعاثات كثفت من إسهاماتها.. باستثناء أمريكا

يلفت التقرير إلى أنه من المعروف أن أمريكا وأوروبا والصين أسهموا بأكبر حصة في الانبعاثات، ولذلك فهم لاعبون أساسيون في اتفاقية باريس. ومنذ أعلن ترامب انسحاب أمريكا في عام 2017، ساعدت أوروبا والصين في ضمان بقائها. وفي قمة الأسبوع الماضي، قدَّم قادة أوروبا أكبر التزاماتهم بخفض الانبعاثات حتى الآن.

وسوف تستضيف المملكة المتحدة مؤتمر الأمم المتحدة السادس والعشرين لتغير المناخ (COP26)، وهو عبارة عن مفاوضات الأمم المتحدة الرئيسة بشأن المناخ المقرر عقدها في عام 2021. ولذلك تتعرض حكومتها لضغط وتدقيق للتوصل إلى تعهد وطموح جديدين.

وقبل القمة في أوائل ديسمبر (كانون الأول)، أعلنت الحكومة هدفًا لخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بنسبة 68% عن مستويات عام 1990 بحلول عام 2030، وهو هدف قدمته رسميًّا بوصفه جزءًا من إسهاماتها المحددة وطنيًّا الجديدة خلال «قمة طموح المناخ». ووفقًا لمؤشر تتبع العمل المناخي، يضع هذا بريطانيا بين أوائل الدول التي تتوافق مع طموح اتفاقية باريس، للحفاظ على ارتفاع درجة الحرارة عند 1.5 درجة مئوية.

وفي هذه القمة، التزم الاتحاد الأوروبي أيضًا بهدف جديد للحد من الانبعاثات بنسبة 55% لتصبح النسبة أقل من مستويات عام 1990 بحلول عام 2030، وبنسبة تزيد على التعهد السابق البالغ نسبته 40%.

وقد احتفل قادة الاتحاد الأوروبي بهذا الالتزام بوصفه علامة على قيادة أوروبا للمناخ. غير أنه يبتعد قليلًا عن التوافق مع هدف اتفاقية باريس البالغ 1.5 درجة مئوية.

يقول توم وودروف، أحد كبار المستشارين ورئيس معهد سياسة المجتمع الآسيوي، ودبلوماسي مناخي سابق: «بعد تأجيل مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ إلى العام المقبل، يُعد إنهاء هذا العام بتعزيز أكبر عدد من الاقتصادات الرئيسة على نحو جدي لإسهاماتها المحددة وطنيًّا (قدر الإمكان) أمرًا في غاية الأهمية للضغط على الآخرين للقيام بمثل ذلك خلال العام المقبل».

هل الصين رائدة المناخ لعام 2020؟

يوضح التقرير أنه نظرًا إلى أن الصين هي أكبر مصدر للانبعاثات على مستوى العالم، فإن إجراءاتها تعد محورية لنجاح اتفاقية باريس. وفي عام 2014، وضعت أمريكا والصين الأساس لاتفاقية باريس وأعلنتا أهدافهما قبل المفاوضات. وشعر خبراء المناخ بارتياحٍ عندما التزمت الصين بالاتفاقية بعد إعلان ترامب انسحاب أمريكا. وفي نهاية الأسبوع الماضي، قدَّم شي جين بينغ مجموعة جديدة من الأهداف في قمة طموح المناخ.

تقول الكاتبة: قال لي شو، مسؤول كبير في سياسة المناخ في جرينبيس شرق آسيا، خلال ندوة عبر الإنترنت استضافها منتدى البيئة الصيني لمركز ويلسون يوم الاثنين، إن هذه التعهدات الجديدة لا ينبغي أن تؤخذ بوصفها أمرًا مُسلَّمًا به نظرًا إلى الآثار الناجمة عن الجائحة، وانهيار العلاقات بين أمريكا والصين. وقال في إشارة إلى إعلان «شي» المفاجئ في الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر (أيلول) بأن الصين ستهدف إلى أن تكون خالية من الكربون بحلول عام 2060: «إذا عدنا ببساطة إلى الوراء لبضعة أشهر، فربما لن يتوقع كثيرون أيًّا من هذه التصريحات، بما في ذلك تعزيز الإسهامات المحددة وطنيًّا، وأيضًا التعهد بالتخلص من الكربون».

يقول وودروف إن التحديثات جيدة رغم أنها كان يمكن أن تذهب إلى أبعد من ذلك. وقال: «حقًّا هي ليست زيادات هائلة في طموحها، وهي من نواحٍ كثيرة تكرر بصراحة المسار الذي تمضي فيه الصين بالفعل».

وكتب لاوري ميليفيرتا في موقع «Carbon Brief» المعني بالمناخ، أنه فيما يتعلق بالغاية الأكثر طموحًا، فإن الهدف الجديد لطاقة الوقود غير الأحفوري للوصول إلى 25% بحلول عام 2030 (ارتفاعًا من 20%)، يمكن أن يحفِّز تطوير طاقة متجددة أقوى.

بالصور، مظاهرات عالمية تزامنًا مع انطلاق قمة المناخ بباريس

وفي حين أن الأهداف قد تصب في مصلحة نمو الطاقة النظيفة، فإنها على الأرجح لن تخفض استخدام الوقود الأحفوري تخفيضًا كبيرًا؛ لأنه ما يزال لدى الصين أكبر عدد من محطات توليد الطاقة العاملة بالفحم قيد التطوير على مستوى العالم، مما سيؤدي إلى زيادة الانبعاثات، ولا يواجه أيٌّ من الأهداف هذه المشكلة مواجهة مباشرة.

ووفقًا للي، يبقى السؤال: «كيف نجد الشجاعة السياسية حقًّا لنقول لا لنموذج التنمية طويل الأمد الذي لدينا، والذي يعتمد اعتمادًا كبيرًا على الاستثمار والتنمية في البنية التحتية»؟

وقال إنه من المرجح أن تقدم الصين هذه الأهداف الجديدة في تقرير الإسهامات المحددة وطنيًّا بصورة رسمية إلى الأمم المتحدة بحلول نهاية العام، ولكن قد يكون هناك مجال لتحديد أهداف أكثر جرأة في عام 2021. ومع تولي بايدن السلطة، من المتوقع أن تعيد الصين وأمريكا القنوات الدبلوماسية بشأن تغير المناخ. وإذا تمكنت إدارة بايدن من تنفيذ إجراءات مناخية جريئة، فقد يمنح ذلك الصين التأكيد الذي تحتاجه لتكون أكثر طموحًا أيضًا.

ولكن كما قال وودروف: «هناك فجوة كبيرة بين ما أوضح «شي» أن الصين ستفعله بحلول عام 2030، وما حدده على أنه رؤيته للصين بحلول عام 2060، ولا توجد طريقة واضحة لملء هذه الفجوة».

سد فجوة الانبعاثات

نظرًا إلى أن الجائحة قد عطلت دورة الالتزام العادية للأمم المتحدة بشأن المناخ، فمن المستحيل إجراء حساب كامل لمدى نجاح الاتفاقية في ذكراها الخامسة. ومن المرجح أن تستمر الدول في تقديم الإسهامات المحددة وطنيًّا المحدثة حتى مؤتمر الأمم المتحدة المقبل للمناخ في نوفمبر (تشرين الثاني) 2021.

لكن من الواضح أن الصين ليست الاقتصاد الكبير الوحيد الذي لديه فجوة بين أهدافه قصيرة المدى والرؤية طويلة المدى للتخلص من الكربون بما يتماشى مع الاتفاقية. وفي بيان نُشر يوم السبت، تعهد بايدن بأن الولايات المتحدة ستعود للانضمام إلى اتفاقية باريس «في اليوم الأول من رئاستي». كما التزم بهدف طويل الأجل يتمثل في عدم وجود أي انبعاثات بحلول عام 2050. لكن الهدف قصير المدى الذي ستطرحه أمريكا بوصفه إسهامًا من إسهاماتها الوطنية المحدَّثة بمجرد انضمامها إلى باريس العام المقبل لم يُعلن بعد.

 بعد مرور 5 سنوات.. هل نجحت اتفاقية باريس للمناخ في أهدافها؟

تقول تارين فرانسين: «إنهم في موقف صعب؛ لأننا أضعنا بشكل أساسي أربع سنوات في ظل الإدارة الحالية من التراجع عن العمل المناخي. ولذا، فإن إدارة بايدن ستحتاج إلى التقدم بشيء يُنظر إليه على أنه طموح بما يكفي ليكون ذا مصداقية لدى المجتمع الدولي. ولكنهم أيضًا بحاجة إلى التقدم بشيء يمكنهم تنفيذه».

ومن بين الدول الأخرى المتأخرة في اتفاقية باريس البرازيل وروسيا. ووفقًا لتارين، قدَّمت البرازيل بالفعل إسهامات محددة وطنيًّا جديدة أضعف من سابقتها، وقالت إندونيسيا وأستراليا إنهما لن تزيدا من طموحاتهما. والتزمت بعض الدول بأهداف أعلى ولكنها لم تفعل ذلك بعد، بما في ذلك الهند.

وشدد التقرير على أن تقاعس هذه الدول هو السبب الذي جعل جريتا ثونبرج (الناشطة الشابة المدافعة عن ضرورة مواجهة تغير المناخ) تقول يوم السبت إن الإجراءات الرامية إلى تنفيذ اتفاق باريس ما تزال بعيدة المنال. لقد التزم عدد متزايد من البلدان بالوصول إلى صافي انبعاثات صفرية بحلول عام 2050، لكن بالنسبة لجريتا، هذه مجرد أهداف افتراضية بعيدة «مأمولة»، ولكن هناك حاجة إلى أهداف طموحة قصيرة المدى.

البيئة

منذ 3 سنوات
مترجم: كيف سيقضي التغير المناخي على الرأسمالية في العالم؟

وأشارت تارين إلى أن البلدان المهددة على نحو خاص بتغير المناخ واصلت طرح أهداف طموحة في القمة. وقالت إن هذه البلدان، بما فيها الدول الجزرية مثل جزر المالديف، تمثل «منارة أخلاقية» لبقية العالم. وبالنسبة لعديد من الدول الجزرية، يُعد نجاح اتفاقية باريس مهمة وجودية، فقد يصبح عديد منها غير صالح للسكن إذا ارتفعت درجة الحرارة العالمية.

ويوضح أحدث تقرير عن فجوة الانبعاثات الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة، أنه من دون اتخاذ مزيد من الإجراءات، فإننا نتجه نحو ارتفاعٍ لدرجات الحرارة بمقدار ثلاث درجات مئوية.

واختتمت الكاتبة تقريرها قائلةً: بالنسبة للبلدان والمجتمعات الأكثر عرضة لتغير المناخ في جميع أنحاء العالم، فإن الاختبار الحقيقي لاتفاقية باريس، هو ما إذا كانت هذه الفجوة سيجري سدها من خلال تعهدات جديدة خلال الأشهر المقبلة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تحميل المزيد