أعد شون جاكوبس، مؤسس موقع «Africa is a Country» ورئيس تحريره، تقريرًا حول باتريس لومومبا (1925- 1961)، المناضل الكونغولي ذي الميول الاشتراكية. نشر التقرير في منتصف يناير (كانون الثاني) العام الماضي، عبر موقع مجلة «جاكوبين»، إحياءً لذكرى اغتيال لومومبا. وفي ما يلي الترجمة الكاملة لنص التقرير:

قبل 56 عامًا من اليوم، اغتيل رئيس الوزراء والزعيم المناهض للكولونيالية باتريس لومومبا. كان لومومبا رئيس وزراء الكونغو المستقلة حديثًا مدة سبعة أشهر فقط بين عامي 1960 و1961 قبل أن يُغتال. كان عمره حينها 36 عامًا.

بالرغم من حياة باتريس لومومبا السياسية القصيرة -كما هو الحال مع شخصيات مثل توماس سانكارا وستيف بيكو، اللذين عاشا حياة قصيرة على حدٍ سواء- فإنها ما تزال محكًا للنقاش حول ما هو الممكن سياسيًّا في أفريقيا ما بعد الكولونيالية، وحول دور القادة الكارزميين، وحول مصير السياسات التقدمية في مكان آخر.

اقرأ أيضًا: هل كانت أفريقيا غنية وديمقراطية قبل مجيء الاستعمار؟

قد تم إحياء ذكرى سيرة لومومبا، والإضافة إليها والمحو منها على الدوام: كان عامل بريد سابقًا في الكونغو البلجيكية، ومن ثم أصبح سياسيًّا بعد انضمامه إلى شعبة محلية للحزب الليبرالي البلجيكي. ولدى عودته من جولة دراسية نظمها الحزب إلى بلجيكا، أحاطت السلطات علمًا بتورطه السياسي المتزايد، واعتقلته بسبب اختلاس أموالٍ من مكتب البريد، إذ قضى 12 شهرًا في السجن.

يشير المؤرخ الكونغولي جورج نزوغولا نتالاجا –الذي كان طالبًا في المرحلة الثانوية خلال صعود باتريس لومومبا واغتياله– إلى أن الاتهامات كانت ملفقة. غير أن أثرها الرئيسي جعله أكثر راديكالية تجاه العنصرية البلجيكية، ولم تكن تجاه الكولونيالية. ولدى الإفراج عنه عام 1957، فقد كان لومومبا، الذي عمل حينها بائعًا للبيرة، أكثر وضوحًا بشأن الاستقلال الكونغولي، وساهم في إنشاء الحركة الوطنية الكونغولية، أول جماعة سياسية كونغولية، والتي كانت تستنكر صراحة الأبوية البلجيكية والقبلية، والتي نادت بالاستقلال بلا تحفظ، كما طالبت بأن يستفيد الكونغوليون أولًا من الثروة المعدنية الهائلة (المستغلة من الشركات البلجيكية والأورو-أمريكية متعددة الجنسيات).

باتريس لومومبا بعد خروجه من السجن

وبالنسبة للرأي العام البلجيكي -الذي عزز الاختلافات الإثنية، وينظر إلى الأفارقة على أنهم صبية، وفي أواخر خمسينيات القرن الماضي كان ما يزال لديهم خطة مدتها 30 عامًا للاستقلال الكونغولي- فقد جاءت تصريحات باتريس لومومبا والحركة الوطنية الكونغولية بمثابة صدمة.

ثم بعد شهرين من إطلاق سراحه، في ديسمبر (كانون الأول) 1958، كان لومومبا في غانا، بناءً على دعوة من الرئيس كوامي نكروما الذي نظم مؤتمر الشعوب الأفريقية المبتكر. وهناك، حيث استمع عدد من القوميين الأفارقة الداعين للاستقلال السياسي، أعلن لومومبا:

«أن رياح الحرية التي تهب حاليًا في جميع أنحاء أفريقيا لم تترك الشعب الكونغولي غير مكترث. إذ أصبح الوعي السياسي، الذي كان حتى وقت قريب جدًا كامنًا، ظاهرًا ويستدعي تعبيرًا خارجيًّا، وسيؤكد نفسه بقوة أكبر في الأشهر المقبلة. ومن ثم فإننا متأكدون من دعم الجماهير ونجاح الجهود التي نضطلع بها».

اعترف البلجيكيون على مضض بالاستقلال السياسي للكونغوليين، وبعد عامين، بعد فوز حاسم للحركة الوطنية الكونغولية في الانتخابات الديمقراطية الأولى، وجد لومومبا نفسه مُنتخَبًا لمنصب رئيس الوزراء مع الحق بتشكيل الحكومة. واحتل جوزيف كازافوبو، زعيم أكثر اعتدالًا، المنصب الأكثر رسمية أي منصب الرئيس الكونغولي.

اقرأ أيضًا: مترجم: 14 دولة أفريقية ملزمة بدفع ضرائب لفرنسا

وفي 30 يونيو (حزيران) عام 1960، في يوم الاستقلال، ألقى باتريس لومومبا ما يعتبر الآن خطابًا خالدًا. إذ افتتح بودوان الأول ملك بلجيكا المراسم بالإشادة بنظام عمه العظيم ليوبولد الثاني القاتل (توفي ثمانية ملايين كونغولي خلال فترة حكمه من 1885 حتى 1908)، بوصفه خيرًا، وسلط الضوء على الفوائد المزعومة للاستعمار، كما حذر الكونغوليين، قائلًا: «لا تسووا المستقبل بإصلاحات متسرعة». وشكر كازافوبو الملك كما هو متوقع.

ثم اعتلى لومومبا المنصة بشكل لم يكن مجدولًا. ما حدث بعد ذلك أصبح من أكثر التصريحات المميزة للمواجهة المناهضة للإمبريالية وللبرنامج السياسي ما بعد الكولونيالي. أشار الكاتب والناقد الأدبي البلجيكي جوريس نوت لاحقًا، إلى أن النص الفرنسي الأصلي يتألف من 1167 كلمة؛ لكنه غطى الكثير.

النصف الأول من الخطاب تتبع قوسًا من الماضي إلى الحاضر: الاضطهاد الذي كان على الكونغوليين تحمله معًا، وإنهاء المعاناة والاستعمار، بينما النصف الثاني من الخطاب حدد رؤية واسعة، ودعا الكونغوليين إلى الاتحاد في المهمة المقبلة.

والأهم من ذلك، أن موارد الكونغو الطبيعية ستعود بالنفع على شعبها أولًا. قال لومومبا: «ينبغي أن نرى أن أراضي وطننا الأصلي ستنفع أطفالها»، مضيفًا أن التحدي كان يكمن في «خلق اقتصاد وطني وضمان استقلالنا الاقتصادي»، كما ينبغي أن يعاد النظر في الحقوق السياسية: «ينبغي أن نراجع كل القوانين القديمة، وتحويلها إلى قوانين جديدة تكون عادلة ونبيلة».

صفق أعضاء الكونجرس وأولئك الذين كانوا يستمعون عبر المذياع. لكن الخطاب لم يلق رضا المستعمرين السابقين، والصحافيين الغربيين، ولا التقى مع مصالح التعدين المتعددة الجنسية، ونخب الكومبرادور المحلية (خاصة كازافوبو والعناصر الانفصالية في شرق البلاد)، وحكومة الولايات المتحدة (التي رفضت التماسات لومومبا للحصول على مساعدة ضد البلجيكيين الرجعيين والانفصاليين؛ مما أجبره على اللجوء إلى الاتحاد السوفيتي)؛ بل وحتى الأمم المتحدة.

وجدت هذه المصالح حليفًا متواطئًا في رفيق باتريس لومومبا: صحافي سابق، وهو الآن رئيس الجيش جوزيف موبوتو. حيث عملا معًا لإثارة التمرد في الجيش، وتغذية الاضطرابات، واستغلال الهجمات على البيض، وخلق أزمة اقتصادية، وفي النهاية خطف لومومبا وإعدامه.

حاولت وكالة الاستخبارات الأمريكية (سي آي إيه) تسميمه، لكن تم الاستقرار في نهاية المطاف على السياسيين المحليين (وقتلة بلجيكيين) لأداء هذه المهمة. ألق القبض عليه جيش موبوتو المتمرد، ونقله جوًا إلى مقاطعة كاتانغا الانفصالية، حيث تم تعذيبه وإطلاق النار عليه وقتله.

وفي أعقاب اغتياله، سيطر بعض رفاق لومومبا –أبرزهم بيري موليل، وزير التعليم في حكومة لومومبا- على جزء من الدولة وقاتلوا ببسالة، ولكن سحقهم في النهاية مرتزقة أمريكا وجنوب أفريقيا. (في مرحلة ما سافر تشي جيفارا إلى الكونغو في مهمة عسكرية فشلت لمساعدة جيش موليل).

وترك ذلك موتوبو، متخفيًا تحت ستار مقاومة الشيوعية، معلنًا دولة وحكومة الحزب الواحد القمعية المصابة بهوس السرقة وذلك بموافقة الولايات المتحدة والحكومات الغربية، وذلك على مدى الثلاثين سنة الغريبة التالية.

اقرأ أيضًا: «في الخفاء» هل تحتل الولايات المتحدة أفريقيا عسكريًا؟

وفي 2002، أعربت الحكومة البلجيكية عن «أسفها واعتذارها العميق والصادق» لاغتيال لومومبا، واعترفت بأن «بعض أعضاء الحكومة، وبعض الفاعلين البلجيكيين في ذلك الوقت، يتحملون جزءًا من مسؤولية الأحداث لا يمكن دحضه». كما استمعت لجنة حكومية لشهادة مفادها أن «الاغتيال ما كان ليتم لولا تواطؤ ضباط بلجيكيين تدعمهم وكالة الاستخبارات الأمريكية، وخلصت إلى أن بلجيكا تتحمل مسؤولية أخلاقية عن القتل».

لدى باتريس لومومبا قوة رمزية هائلة اليوم؛ فهو صورة رمزية في مواقع التواصل الاجتماعي، و(ميم meme) في تويتر، وخط لاقتباسات ملهمة -بطل مثالي (مثل بيكو)- غير ملوث بأي سياسة حقيقية؛ بل إنه تحرر من الانتقادات التي تدخر لشخصيات مثل فيديل كاسترو أو توماس سانكارا، اللذين واجها بعض المتناقضات المتأصلة في أنظمتهما من خلال وسائل غير ديمقراطية.

وعلى هذا النحو، فقد قسم لومومبا النقاشات حول الاستراتيجية السياسية؛ فغالبًا ما يُسخَر منه بوصفه زعيمًا كاريزميًّا فقط، ومتحدثًا جيدًا ذا رؤية استرتيجية بسيطة جدًا.

فعلى سبيل المثال، في كتابات ديفيد فان ريبروك، كاتب الرواية التاريخية الشهيرة التي تشيد كثيرًا بالكونغو: في ملمحة تاريخية للشعب، فإن لومومبا يتصف بأنه مناور بائس، وبأنه ليس سياسيًّا محنكًا، ومهتم بالتمرد والمداهنة أكثر من الحكم. يُعاب عليه عدم منحه الأولوية للمصالح الغربية.

فاتهام باتريس لومومبا لملك بلجيكا في يونيو 1960، كما يشير فان ريبروك على سبيل المثال، ساهم فقط في تشجيع أعدائه. ويُنتقَد لومومبا أيضًا من منتقديه الغربيين على تحوله للاتحاد السوفيتي بعد أن رفضته الولايات المتحدة.

ولكن كما يجادل الكاتب آدم شاتز: «فإنه ليس من الواضح كيف… وخلال مدة شهرين ونصف في منصبه، تمكن فيها لومومبا من التعامل بشكل مختلف مع الغزو البلجيكي، وانتفاضتين انفصاليتين، وحملة أمريكية سرية لزعزعة استقرار حكومته».

اقرأ أيضًا: «قارة المستقبل».. إلى أين وصل صراع الشرق الأوسط على أفريقيا؟

ولعل الأكثر قوة هو كيف شغل لومومبا شخصية مواجهة بشكل غير مشكوك فيه. وبما أن خيبة أمل الحركات الوطنية في أفريقيا (على وجه الخصوص الجزائر وأنجولا وزمبابوي وموزامبيق ومؤخرًا المؤتمر الوطني الأفريقي في جنوب أفريقيا) قد بدأ، وبدأت حركات اجتماعية جديدة بالتشكل (#OccupyNigeria, #WalktoWork في أوغندا، وحركات أكثر راديكالية #FeesMustFall والصراعات على الأراضي والإسكان والرعاية الصحية في جنوب أفريقيا)، فقد عملت إشارات لومومبا وصوره بمثابة دعوة إلى حمل السلاح.

وفي الكونغو موطن باتريس لومومبا الأصلي، يناضل المواطنون العاديون حاليًا ضد محاولات الرئيس جوزيف كابيلا التحايل على الدستور (انتهت مدتي حكمه في ديسمبر، لكنه رفض التنحي). حيث قتلت الشرطة المئات واعتقلت الآلاف. إذ يستغل كابيلا، الذي ورث الرئاسة عن أبيه، الذي بدوره أطاح موموتو، ضعف المعارضة، ولا سيما قوة الإثنية (من خلال سياسة الحماية) لتقسيم الكونغوليين سياسيًّا. وفي هذا الشأن، فإن كابيلا ما هو إلا مجرد محاكاة للمستعمريين البلجيكيين ولموبوتو.

هنا قد يكون إرث لومومبا مفيدًا. لقد كانت حركة لومومبا الكونغولية الوطنية الحزب الوحيد الذي قدم رؤية وطنية -بدلًا من العرقية- ووسيلة لتنظيم الكونغوليين حول مثل أعلى تقدمي. إن مثل هذه الحركات وهؤلاء السياسيين تنقص الكونغو في هذه الأيام.

لكن قصة باتريس لومومبا لا تقدم فقط دعوة إلى إعادة النظر في الإمكانات السياسية للحركات والتيارات السابقة، لكنها تقدم أيضًا فرصًا للامتناع عن إبراز القادة بشكل كبير مثل لومومبا الذي كان لديه حياة سياسية معقدة، والذي لم يواجه فوضى الحكم ما بعد الاستعمار. كما أنها تعني أيضًا معاملة القادة السياسيين المأساويين كالبشر.

اقرأ أيضًا: أفضل 7 وثائقيات عن أفريقيا

ولنأخذ نصيحة عالم السياسة، أدولف ريد جونيور، بخصوص مالكوم إكس بجدية: «لقد كان مثلنا، شخص عادي محاط بمعرفة ناقصة، وضعف بشري، وأولويات متضاربة، لكنه مع ذلك يحاول أن يعبر عن تاريخه الخاص جدًا، إنه يحاول دون جدوى تجاوزه، ويناضل لدفعه في اتجاه إنساني».

ربما حينها يمكننا أن نبدأ بتحقيق رغبة باتريس لومومبا الحرجة -ربما كتفكير ذاتي- التي كتبها في رسالة من السجن لزوجته عام 1960: «سوف يأتي اليوم الذي يتحدث فيه التاريخ. لكنه لن يكون التاريخ الذي سيدرّس في بروكسل، أو باريس، أو واشنطن، أو الأمم المتحدة. سوف يكون التاريخ الذي يدرّس في الدول التي فازت بحريتها من الاستعمار والدمى. سوف تكتب أفريقيا تاريخها الخاص، وفي كل من الشمال والجنوب، سيكون تاريخًا من المجد والكرامة».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد