منذ ترشحه لرئاسة الولايات المتحدة، وعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أتباعه ومناصريه ببناء جدار على الحدود الفاصلة بين بلاده والمكسيك، بحجة أنه سيمنع تدفق اللاجئين وتجار المخدرات إلى أمريكا. وبعد توليه مقاليد الحكم، شرع ترامب بالفعل في الإجراءات اللازمة لبناء الجدار الذي سيكلف بلاده مبالغ باهظة وتبعات رصدها مقال نشرته صحيفة «واشنطن بوست» بقلم: أليس هانت فريند، الباحثة الأقدم في برنامج الأمن الدولي بمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية. 

استهلت أليس بالقول: أبلغ وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر أعضاء الكونجرس الثلاثاء الماضي أنه سيقتطع 3.6 مليار دولار من ميزانية مشروعات الإنشاءات العسكرية من أجل بناء جدار يبلغ طوله أكثر من 175 ميلًا على طول الحدود الأمريكية مع المكسيك. وأوضحت الكاتبة أن إسبر بإمكانه القيام بذلك بصورة قانونية فقط نظرًا لأن الرئيس ترامب أعلن حالة الطوارئ على طوال الحدود في فبراير (شباط) الماضي – وهو القرار الذي أقر ترامب أنه اتخذه للتحايل على تخصيص الكونجرس مبلغًا رمزيًا فقط لبناء الجدار، وهو مبلغ أقل بكثير مما طلبه.

وأضافت أن هذا المبلغ لا يُعَد المبلغ الأول الذي حولته وزارة الدفاع لبناء الجدار؛ ففي مطلع هذا العام استخدمت الوزارة 2.5 مليار دولار خصصها الكونجرس لوقف الاتجار بالمخدرات من أجل توسيع الجدار؛ حيث يزعم ترامب أن الجدار الحدودي سيحقق ذلك الهدف. وأسفرت عملية إعادة توزيع الأموال الجديدة عن إجمالي 6.1 مليار دولار لنفقات وزارة الدفاع المخصصة للجدار. ويطالب إسبر ومسؤولون آخرون في البنتاجون الكونجرس الآن بـ«سد نقص» الأموال المُقتَطَعة من مشروعات إنشاءات عسكرية أخرى أو تغذيتها. وقد تعهد الديمقراطيون بعدم القيام بذلك؛ نظرًا لأن تحويل الأموال يتحايل صراحة على نية الكونجرس. 

وتحذر الباحثة أن تحويل الأموال المخصصة بالفعل لإنشاءات عسكرية أخرى له سلسلة من التبعات على الصعيد السياسي والقانوني والأمن القومي، سردتها كالتالي:

ازدياد تسييس الميزانية العسكرية

أوضحت الكاتبة أن هذا الخلاف الحزبي الأخير على ميزانية وزارة الدفاع يُظهر كيف أن الاستقطاب السياسي المتزايد للبلاد يشكل تحديًا للجيش. ومن بين هذه التحديات: الفصل بين السلطات، حيث تُعطي المادة الأولى من الدستور صلاحية الإشراف على الإنفاق للسلطة التشريعية، ولكن إذا استطاعت وزارة الدفاع نقل الأموال على عكس رغبات المشرعين ومطالبتهم بكل بساطة بإعادة ملء هذه الخزائن لإنقاذ المشروعات ذات الأولوية، حينها تتولى السلطة التنفيذية فعليًا تلك الصلاحية.

Embed from Getty Images

وأردفت: ثم إن هناك تسييسًا لميزانية الجيش ذاتها. ذلك أن ميزانية البنتاجون عادة ما تُوَزع في مناطق كل من الجمهوريين والديمقراطيين وحسب أولويات الحزبين- الأمر الذي يُبقي كلا الحزبين سعيدين. وكما أشار كريس هيجينبوثام، المتخصص في العلوم السياسية، في رسالة الدكتوراه الخاصة به عام 2017 عن الكونجرس وميزانية الدفاع: سواء كان دافع الأعضاء هو «الخوف من الأعداء الأجانب المحتملين أو الفخر القومي أو الخوف بشأن أفراد الخدمة أو الفائدة الاقتصادية، فإن ميزانية الدفاع بمثابة أولوية حزبية على النحو الوارد في المجتمع الأمريكي».

يتغير ذلك الأمر إذا أنفق أحد الرؤساء الأموال العسكرية صراحة لمكاسب سياسية حزبية. نعم يبدو أن إسبر يبذل قصارى جهده من أجل توزيع التكاليف السياسية على نحو متساوٍ قدر الإمكان، على طول الخطوط الحزبية والجغرافية، ولكنّ تكمن المخاطر في توقف النفقات العسكرية عن أن تشتمل على حلول وسط أو صفقات بين لاعبين مختلفين، بل ستصبح لعبة محصلتها صفرية يستخدم فيها حزب واحد تلك الميزانية لتحقيق أهدافه السياسية – كالفوز بالانتخابات – على حسب معارضة الحزب الآخر.

وبطبيعة الحال لم يبدأ هذا الاتجاه مع ترامب؛ ففي عام 2011 سن الكونجرس والرئيس باراك أوباما قانون مراقبة الموازنة العام لعام 2011، حيث وضع هذا القانون حدًا أقصى لنفقات وزارة الدفاع والنفقات المحلية. وهذا يعني أن الصفقات المبرمة كل عامين أصبحت لازمة منذ ذلك الحين لرفع الحدود القصوى – كما خاطرت بإغلاق الحكومة والبنتاجون إذا لم يستطع المشرعون الموافقة.

ومن جانبه يزعم تشاك كوشمان، المتخصص في العلوم السياسية، أن هذا الاتجاه يمتد إلى عام 1991، عندما انتهت الحرب الباردة. ويلفت إلى أن هذا ما فعله التوافق بشأن سياسة الأمن القومي في هذا العصر؛ مما يضفي صلاحية أكبر لأعضاء الكونجرس في «بث مخاوفهم المحلية بشأن الدفاع». وأيًا كان مصدر هذا الاتجاه، إلا أن إدارة ترامب تزيد من تسييس ميزانية الدفاع.

تمويل الجدار سيكون على حساب أولويات إنشائية أخرى

لفتت فريند إلى أن وزارة الدفاع لديها العديد من الأولويات؛ حيث لا تزال الولايات المتحدة تقاتل في أفغانستان، وتنشر قوات مكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط وفي أماكن أخرى، وتراقب التوترات التي ارتفعت حدتها في شرق آسيا، وتعمل على تطوير قدرات عسكرية جديدة يمكنها مواجهة الصين وروسيا.

وحتى في إطار الإنشاءات العسكرية – التي تبلغ فقط 3% من نفقات الدفاع – يتم توسيع الميزانية بالفعل. على صعيد آخر، نشر راي مابوس، الأمين العام الأسبق للبحرية الأمريكية، تغريدة على تويتر، الأربعاء 4 سبتمبر (أيلول)، قال فيها: «في ظل اتجاه الإعصار إلى كامب ليجون، يقتطع ترامب 3.6 مليار دولار من الجيش للجدار الذي لا فائدة له، حيث قالت (atm marines) إنها تحتاج هذا المبلغ لإصلاح ليجون عقب الإعصار الأخير».

من ناحية أخرى، قد يكون من المجازفة وقف تمويل 127 من مشروعات الإنشاءات العسكرية التي حددها البنتاجون، حيث تتضمن بعض المشروعات التدريب على الأسلحة وصيانتها. وسوف تقتطع القواعد الأوروبية الكثير من التخفيضات، كما أشار تحليل أوردته «واشنطن بوست» العام الماضي وأكدت ذلك قائمة البنتاجون. ولا شك أن البنتاجون عمل على الاقتطاع من المناطق التي لا تقوض العمليات والاستعدادات، إلا أن هذه الاستقطاعات قد تزيد من زعزعة دور الولايات المتحدة في حلف الناتو، في ظل الحذر الفعلي للعديد من الدول الأوروبية من مطالبة البيت الأبيض بقيادة ترامب بالتخلي عن القواعد الأوروبية.

Embed from Getty Images

هذه الخطوة تورط الجيش الأمريكي في سياسات حزبية

تردف الكاتبة: «كتبت مقالًا العام الماضي أشرت فيه إلى أن نشر الجيش على الحدود الأمريكية – المكسيكية فقط قبل انتخابات منتصف المدة لعام 2018 هدد السمعة غير الحزبية للقوات المسلحة، بل جعلها مؤسسة سياسية، وهذه الخطوة الأخيرة تفعل ذلك مجددًا».

والمثير للسخرية، على حد تعبير الكاتبة، أن مطالبة المناصرين للحزبين بعضهم البعض بفصل الجيش عن السياسة يؤكد بالفعل على المفهوم الذي يشير إلى أن الجيش جهة سياسية. ومن جانبها وصفت البرلمانية ديبي واسرمان شولتز، رئيسة اللجنة الفرعية لمخصصات مجلس الشيوخ الأمريكي بشأن البناء العسكري وشؤون المحاربين القدامى، هذه الخطوة بـ«السرقة من الجيش». 

وطالبت مجموعة من الديمقراطيين في اللجنة إسبر لتبرير: «سبب تشكيل جدار حدودي أهمية لرفاهية أفراد خدمتنا وعائلاتهم» أكثر من المشروعات الموضوعة على طاولة التقطيع حاليًا. وقال ماك ثورنبيري، رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب الأمريكي: إن تهديد الديمقراطيين باستقطاع الأموال المردومة «فقط يجبر قواتنا على دفع ثمن الخلافات السياسية في واشنطن».

واختتمت الباحثة مقالها بالقول: «على الرغم من أن هذه المخاوف قد تكون صادقة تمامًا، إلا أنها تربط بين مصير الجيش ونتيجة الصراعات الحزبية».

«فورين بوليسي»: لفهم «جدار ترامب».. هل فكرة الجدار الحدودي كانت ناجحة تاريخيًّا؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد