«عندما يفشل الأشخاص في رحلة السعي نحو الكمال الذي ينشدون، يستبد بهم التفكير في ذاك الخطأ ويَجترُّون آلام فشلهم باستمرار»

نشرت مجلة «ديسكفر»، مجلة علمية أمريكية تنشر مقالات حول العلوم المختلفة، مقالًا أجاتا بوكسي، كاتبة مستقلة متخصصة في الصحة والعلوم والتكنولوجيا، تناولت فيه بالتحليل الشخصيات المثالية، أو التي تنشد الكمال في تصرفاتها، وشعور عدد من الأشخاص المثاليين في أعماقهم بأنهم زائفون، وأن معاييرهم السامية والنبيلة التي فرضوها على أنفسهم تجعلهم يعيشون في معزلٍ عن الآخرين. ونظرًا لشعور البعض بأن هذا الأمر يُعد مرضًا، سَعَت واحدة من المتعافين من السعي نحو الكمال إلى مشاركتنا تجربتها الخاصة بالتحرر من هذا المرض.

الهوس بتحقيق الكمال

تستهل الكاتبة مقالها قائلة: بعد ظهر يوم ممطر من شهر يناير (كانون الثاني) قادتني قدماي عبر ممرات لمبنى ضخم، ثم دخلتُ إلى غرفة قاتمة بلا نوافذ. كنتُ حينها منهكة من التعب، وبصفتي مدرسة جامعية مُساعِدة فقد كنتُ على وَشْك إجراء مقابلة لشغل وظيفة بدوام كامل في هيئة التدريس.

وجلستُ على مائدة النقاش في مواجهة لجنة البحث. وسرعان ما بدأ الأعضاء التسعة يُمطروننِي بالأسئلة. وكنتُ أجيب على كل سؤال بلا تردد، حتى سألوني عن أحد الفصول التي درَّستُ فيها، ولم تمضِ فيها الأمور على النحو المخطط له. ومن ثم بدأتُ في البحث عن إجابة. والحقيقة أنني كنت أمضي دائمًا ساعات في التحضير لكل محاضرة ونشاط ومناقشة للسيطرة على الأمور، وتجنب حدوث أي شيء غير متوقع. وكان كل هذا جزءًا من سعيِي الدءوب المضني نحو تحقيق الكمال.

Embed from Getty Images

وهذا السعى جعلني أتخبط في مقابلة العمل هذه، بالإضافة إلى أنه كان يدفعني إلى القلق بشأن أصغر الأخطاء، وجعلني أُهدِر كميات هائلة من الوقت في التسويف والتوتر إلى درجة الإرهاق. وبدأت المشكلة تهدد صحتي العقلية بعد مدة وجيزة من هجرتي إلى الولايات المتحدة، بينما كنتُ في منتصف العشرينات من عمري. وتراكم الاضطراب الداخلي المتزايد على مدى السنوات العشر الماضية منذ هجرتي. ولذلك قررتُ مؤخرًا إلقاء نظرة خاطفة مؤلمة على حالتي النفسية لمواجهة الأمور السيئة والقبيحة والمضطربة.

القلق بشأن العيوب

تواصل الكاتبة قائلةً: اتصلتُ بجوردون فليت، عالم نفس في جامعة يورك بمدينة تورنتو، والذي درس نظريات حول الأعمال الداخلية لعقل الشخص الساعي نحو الكمال وصاغها. ورسم فليت صورة قاتمة مفادها أن عددًا من الذين ينشدون الكمال يقضون كثيرًا من الوقت في القلق والتفكير، ويستغرقون في حوار داخلي مع أنفسهم حول ضرورة أن يكونوا مُنزَّهين عن أي عيب أو مَنْقصَة. وأضاف فليت: «وعندما يفشل هؤلاء الأشخاص في تحقيق الكمال الذي ينشدون، يستبد بهم التفكير في ذاك الخطأ ويَجترُّون آلام فشلهم باستمرار».

حتى أن فليت طوَّر مقياسًا لقياس «اجترار الخطأ» – ونعني به التفكير في أمر ارتكبه المرء خطأً – وفحص مدى ارتباطه بالكمالية. وفي سلسلة من ثلاث دراسات شملت أكثر من 970 شخصًا، طلب فليت وزملاؤه من المشاركين التفكير في آخر مرة ارتكبوا فيها خطًأ فادحًا. ومن ثم قيَّم الناس مدى تألمهم بشأن ما حدث.

مجتمع

منذ سنتين
مترجم: تبحث عن الكمال في كل عمل تقوم به؟ غالبًا ستصيبك هذه الأمراض

وتوصَّل الباحثون إلى وجود رابط بين اجترار الخطأ المبالغ فيه وبين الشعور بمذاقين للكمال. يستلزم أحدهما وجود دافع داخلي نحو تحقيق الكمال؛ أما الآخر فيتعلق بالاعتقاد بأن الآخرين يطلبون منك أن تكون مُنزَّهًا عن كل عيب – وهو ما قد يتطابق أو لا يتطابق مع الواقع. وكشفت نتائج دراسة فليت، التي نُشرت عام 2019 في مجلة التقييم النفسي التربوي (Journal of Psychoeducational Assessment)، عن وجود علاقة قوية بين الإفراط في التفكير في أخطاء الماضي، وتزايد الأفكار المتواصلة التي تستحث الشخص لأن يكون مثاليًّا – وهو ما يسميه البعض الأفكار المثالية التلقائية (أي الداعية للتحلي بالمثالية على نحو تلقائي).

تضيف الكاتبة: خُضْتُ صراعًا مع كل من فكرة بشأن اجترار الأخطاء والأفكار التي تطالب بالتنزه عن كل عيب (الكمال). وبدأتُ ذات مرة في ممارسة هواية تتسم بالهوس: وهي فحص طلبات العمل السابقة بحثًا عن وجود أخطاء فيها. وذات ليلة، شحذتُ قواي بكأس من النبيذ الأحمر برفقة قطتي الثلاثة، وتأملتُ في غلاف الخطاب الذي قدَّمتُه إلى لجنة البحث المكونة من تسعة أشخاص. ثم عثرتُ على الخطأ، وكان عبارة عن نسيان وضع فاصلة في الفقرة الأولى. ظللتُ أُؤَنب نفسي بسبب ذلك الخطأ لعدة أيام، وانتابني شعور بالذعر أن شخصًا ما ربما لاحظ ذلك. وتردد بداخلي ذلك الصوت الذي يدفعني نحو الكمال. ولم تُفلِح أية كمية من النبيذ، ولا أية لمسات حانية من جانب قطتي في أن تُخمد إحساس العار الذي ألمَّ بي.

إن منشدي الكمال يميلون إلى الشعور بالخجل من أنفسهم حيال كل ما يفعلونه. يقول فليت: «يؤدي ذلك إلى كثير من التأمل الذاتي، وبالنسبة للبعض يؤدي إلى الشعور بأنهم محتالون أو منتحلون لما ليس فيهم، وأنهم ليسوا جيدين مثل الآخرين».

شعور زائف

في الواقع أظهرت مجموعة من الأبحاث أن السعي نحو الكمال غالبًا ما يسير جنبًا إلى جنب مع متلازمة المحتال/المنتحل – ويُقصد بها شكوك المرء في إنجازاته والخوف من أن يُوصم بالاحتيال. وفحص كيفن كوكلي، عالم النفس في جامعة تكساس في أوستن، مشاعر الزيف الفكري واحترام الذات ونوعين من الكمال – التكيف وسوء التكيف – لدى 468 شخصًا. وتبيَّن له أن منشدي الكمال الذين يستطيعون التكيف يمتلكون معايير شخصية عالية، في حين أن الذين لا يستطيعون التكيف يضعون معايير يرون أنها بعيدة المنال وصعبة التحقيق. (ويؤكد بعض الباحثين، ومن ضمنهم فليت، أن أي شكلٍ من أشكال الكمال ليس صحيًّا. ولكن هناك بالتأكيد درجات من الخطورة).

Embed from Getty Images

ووجد كوكلي أن هناك علاقة بين متلازمة المحتال ومؤشرات الكمالية غير المتكيفة، ولا ينطبق هذا الأمر على الكمالية المتكيفة. ويصبح الرابط أقوى إذا كان احترام الشخص لذاته منخفضًا، وفقًا للنتائج المنشورة في عام 2018 في مجلة «الشخصية والاختلافات الفردية» (Personality and Individual Differences). يقول كوكلي: «حتى لو كان الفرد مؤهلًا، وذكيًا، ومنجزًا للغاية، فإن وجود ميول الكمالية غير القادرة على التكيف يمكن أن يؤدي إلى شعور المرء بأنه محتال».

وأردفت الكاتبة قائلةً: تصاعد صراعي مع الكمالية غير المتكيفة ومتلازمة المحتال عندما كنتُ طالبة دراسات عليا في الصحافة في نيويورك. وخلال أسبوعي الأول، سألني أحد زملائي من أين أتيت؟ بعد سماع لهجتي الأجنبية. قلتُ إنني من بولندا، فسألني إذا كنتُ أعرف أي نكات عن الشعب البولندي. فتجرعت شعوري بالانزعاج، لكن تفاعلي مع الأمر استمر في عمق عقلي الباطن. ولا أخفي أنه أضر بتقديري لذاتي، وجعلني أشعر أنني أصبحت بمثابة مزحة للسخرية والتندر.

ولذا حاولت أن أمحو الآخر من خلال السعي إلى الكمال. كنتُ مهووسة بصياغة قصص لا تشوبها شائبة للصف، لكن الخوف من عدم تحقيق معاييري الفائقة أوقف عملية الكتابة لدي. وجعلني هذا الشعور أحيانًا أُخْفِق في إنهاء مهماتي في موعدها المحدد – وأظهرت الأبحاث أن التسويف يرتبط أيضًا بالكمالية. كما تسبب ذلك في بكائي على نحو منتظم في سيارات المترو المزدحمة. وكانت الدرجات التي تقل عن الدرجة النهائية تجعلني أشعر باليأس في أغلب الأحيان. وكنتُ أعمل في المدرسة سبعة أيام في الأسبوع؛ مما مهَّد طريقي لإدمان العمل.

وحيدة ومرهقة

تشير الكاتبة إلى أنه مما يثير السخرية أن الكمالية لها طريقة في إبعاد الأشخاص الذين يرغبون في الاندماج مع الآخرين. فتقول: «بالنسبة لي سعيي وراء الكمال جعلني أشعر بالوحدة». وفي دراسة أُجرِيت عام 2016 على أكثر من 270 شخصًا، ونُشرَت في مجلة الشخصية والاختلافات الفردية، نظر الباحثون إلى مستويات العُصابِيَّة والقلق الاجتماعي والكمالية لدى المشاركين.

Embed from Getty Images

وخلُص الباحثون إلى أن الأشخاص الذين يخشون أن يُنظر إليهم على أنهم أقل هم من الكماليين (الساعين نحو الكمال)، وأولئك الذين لا يحبون الاعتراف بنواقصهم وعيوبهم كانوا أكثر عرضة للشعور بعدم الارتياح تجاه التفاعلات الشخصية. وكشفت البيانات غير المنشورة من أعمال أخرى أن العزلة التي تلت ذلك ربما تؤدي إلى زيادة الشعور بالوحدة بين الساعين نحو الكمال. يقول فليت، الذي شارك في إعداد الدراسة: إنهم يتجنبون الأشخاص الآخرين. وتابع: «يمكن أن يؤدي ذلك إلى عدم حصولهم على نوع الدعم الذي يحتاجونه عند ظهور مشكلات أخرى».

وتوضح الكاتبة قائلةً: تجنبتُ بالتأكيد التعامل مع الآخرين بسبب سعيي نحو الكمال. حتى أنني أصبحتُ كاتبة مستقلة كي أتمكن من العمل بمفردي. وفي المنزل، أصبحتْ قطتي فقط التي تحكم على تصرفاتي. وخرجتُ في النهاية من قوقعتي الشبيهة بصومعة الناسك، وبدأت في تدريس الفصول بصفتي مدرسة مساعدة، لكنني ما زلتُ مترددة في تكوين صداقات. وعندما شرعتُ لاحقًا في البحث عن وظيفة أكاديمية بدوام كامل، كنتُ أفتقر إلى الدعم الاجتماعي، ودفعتُ ثمنًا عاطفيًا باهظًا مقابل ذلك. إذ شعرتُ بالوحدة في دورة لا نهاية لها على ما يبدو من التقديم والمقابلات والرفض.

وشددت الكاتبة على أن العيش في ظل معايير لا يمكن تحقيقها يمكن أن يكون سببًا في الإرهاق. وفي عام 2015 أشار تحليل لأكثر من 40 دراسة في مجلة «مراجعة الشخصية وعلم النفس الاجتماعي» إلى أن هناك رابطًا بين مخاوف الكمال والإرهاق. وينشأ الإرهاق عندما يشعر الناس بالقلق من ارتكاب الأخطاء، ويخشون التقييم السلبي من جانب الآخرين، ويرون عدم التوافق بين توقعاتهم الهائلة وأدائهم المخيب للآمال. يقول أندرو هيل، المُعِد الرئيس للدراسة وعالم النفس في جامعة يورك سانت جون في المملكة المتحدة: «عندما تكون في مستوى عالٍ من الكمال، يمكن أن تكون الأشياء التافهة مرهقة».

واختتمت الكاتبة مقالها قائلة: بلغ الإرهاق ذروته في نهاية موسم البحث الأكاديمي عن وظيفة. كنتً أدرِّس لأربعة فصول في كليتين مختلفتين، وما زلتُ أعمل كاتبة مستقلة بدوام كامل. وتلقيتُ معاملة تتسم بالصمت من إحدى لجان البحث، وتلقيتُ رفضًا عبر البريد الإلكتروني من فرصة واعدة مماثلة. وكان لدي مقابلة واحدة مقررة متبقية، في حرم جامعي أخضر مُزدان بنافورة، ولم أستطع النوم في الليلة السابقة بسبب تفكيري في اللقاء العظيم. ثم جرت المقابلة أخيرًا: كنتُ متعبة جدًّا لدرجة أنني لم أكن مثالية. ولم أعد أحاول إخفاء عيوبي. وانتهزتُ الفرصة لأكون على طبيعتي وتحدثتُ عن الطريقة التي حاولتُ بها إدارة وقتي ولكنني أخفقتُ أحيانًا. وقد نجحتْ هذه الطريقة وحصلتُ على العمل.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد