تحفّز الأقليات على المزيد من الأصالة فيما تحفز الأكثريات على المزيدِ من تقليدية الفكر

عانت الصحافية والكاتبة أولغا كازان في طفولتها من شعور الاغتراب والإقصاء عن الآخرين، إذ كانت ابنة عائلة مهاجرةٍ  روسية تعيش في ولاية دالاس الأمريكية وكانت كل التفاصيل التي تواجهها في حياتها تدلّ على البون الشاسع ما بينها وبين أقرانها. لم ترد كازان شيئًا في صغرِها أكثر من أن تتوافق وتنسجم مع المحيط، لكن مع تقدّم العمر اكتشفت المزايا الهائلة التي يكتسبها المرء غريب الأطوار «الدخيل» أو «المنبوذ مجتمعيًا» وعلاقة الاختلاف بمستويات الإبداعات العالية وهو ما تكتب عنه في مقالها المنشور حديثًا في مجلة «ذي أتلانتك».

Embed from Getty Images

غريب الأطوار وفضائل الوحدة

تستشهد الكاتبة بشارون كيم – وهي أستاذة جامعيّة تدرّس في كلية الأعمال بجامعة جونز هوبكنز – والتي تلاحظ دائمًا كيف يعزو بعض الناس نجاحاتهم الإبداعية لانعزالهم عن الآخرين أو طبيعتهم المتمردة. تساءلت كيم عن العلاقة بين مستويات الإبداع والنبذ الاجتماعي، ولذا قررت اختبار النظرية عبر دعوة بعض المتطوعين إلى مختبرها لإكمال بعض التمارين.

قبل بدء الاختبار قابلت كيم وفريقها بعض المشاركين في الدراسة بـ«الرفض» وذلك بإخبارهم أنهم استُعبدوا من الاختيار للعمل مع «المجموعة». لم يكن هناك أية مجموعة في الحقيقة، ولكن كيم وفريقها أرادوا إشعار هذه الحالات بأنهم منبوذون.. لم تُعامل الحالات الأخرى بنفس الطريقة. طلبت كيم من المشاركين أداء زوجٍ من التمرينات على الورق، وفي أحد الأمثلة طُلب منهم تحديد ما يوحّد سلسلة من الكلمات التي تبدو غير مرتبطة ببعضها ظاهريًا (أشياء من قبيل: السمك، المناجم، التهافت). وفي تمرينٍ آخر، طُلب من المشاركين رسم فضائيّ ينتمي لكوكبٍ مختلف تمامًا عن كوكبنا.

اتضّح تفوق المنبوذين في كلٍّ من التمرينين. في تمرين رسم الفضائيّ – مثلًا – تشابهت رسومات المشاركين الذين لم يتعرّضوا للرفض؛ إذ رسموا كاريكاتير الشخصية المريخيّة المألوفة. أما المشاركون المنبوذون فقد خلقوا شخصياتٍ مختلفة للغاية عن البشر، بعضها بزوائد تخرج من أحد جوانب أجسامهم، أو أن عيونهم تقع تحت أنوفهم. بمعنى آخر كانت رسومات المنبوذين أكثر إبداعًا حسب تقييم ثلاثة محكّمين مستقلين.

تبيّن تجربة كيم وجود علاقةٍ ما بين الرفض/ النبذ والإبداع، لكن مع تحفظٍ واحد: بدت ميزة الإبداع لدى المنبوذيين ممن لديهم «مفهوم مستقلّ للذات» حصرًا، أي ممن كانوا لا يشعرون بالانتماء فعلًا. يبدو أن هناك شيئًا ما يتعلق بالانعزال عن الآخرين قادر على فتحِ إمكانات العقل والسماح له بتدفق الأفكار الجديدة.

يبدأ هذا الأثر منذ مرحلة الطفولة لدى الكثير من الناس، وتستشهد الكاتبة على ذلك بأستاذ الطبّ النفسي المساعد في جامعة براون أرنولد م. لودفيغ والذي درس حياة أكثر من ألف شخصٍ مرموق – بمن في ذلك فريدا كالو، وجان بول سارتر، وجون لينون وغيرهم – لأجل كتابه «ثمن العظمة». وجد لودفيغ أن الشخصيات الإبداعية – مثل الفنانين والكتّاب – يُرجّح أن تُعتبر في طفولتها «غريبة أو غير عادية» أكثر من رجال الأعمال مثلًا، ويُرجّح اعتبارها «مختلفة» أكثر من المسؤولين الحكوميين أو الجنود مثلًا في فترة الرشد.

وتنقل الكاتبة رأيًا مماثلًا أيضًا من عالم النفس دونالد دبليو ماكينون، والذي أجرى دراسة عام 1962 على المهندسين المعماريين، ليجد أن عائلات المهندسين الأكثر إبداعًا تنقّلت كثيرًا في مرحلة طفولتهم؛ ما خلق لديهم نوعًا من القطيعة والاغتراب عن الأحياء المستضيفة لهم والمتغيّرة باستمرار. ويلاحظ ماكينون شعور العزلة الذي كان ينتاب هؤلاء المهندسين المعماريين الأكثر إبداعًا في طفولتهم.

Embed from Getty Images

استقلالية الغرباء

ليست الطفولة غير العادية الشيء الوحيد المرتبط بزيادة الإبداع، فاعتبارك شخصًا «غريبًا» ضمن ثقافتك قد يعزّز من مستوى الإبداع لديك أيضًا، وذلك ضمن الظاهرة المسمّاة «التعقيد التكاملي». يميل الأشخاص ذوو التعقيد التكاملي الأكبر إلى التعامل بصورةٍ أفضل مع المجهول واللايقين، والتفوّق أيضًا في التوفيق ما بين المعلومات المتضاربة. يرجّح أيضًا قدرتهم على رؤية المشاكل من وجهاتٍ نظر متعددة كذلك.

تواصلت الكاتبة مع أستاذ علم النفس في جامعة كانساس كريس كراندال، والذي أوضح لها أن الأشخاص الموجودين على هامش المجتمع يميلون إلى التمتّع بحريةٍ أكبر في الابتكار وتغيير الأعراف الاجتماعية، معقّبًا: «تأتي المعايير من القاعدة إلى الأعلى». يقلّ انشغال الغرباء واللامنتمين بما يفكّره الجمع عنهم، ولذا تتوفر لديهم فسحةٌ أكبر للتجربة.

في الواقع وُجد مرارًا وتكرارًا ارتباطًا ما بين الأداء الأفضل في مجال التفكير خارج الصندوق والأشخاص الذين لا يتلاءمون جيدًا مع مجموعةٍ ما. يُنظر للأجانب عمومًا على أنهم غرباء، لكن للشعور بالغربة مزايا نفسية. تذكرُ الكاتبة مثالًا الأطفال الذين يتعرّضون للغاتٍ مختلفة في هذه المرحلة الحساسة – والذين قد ينشأون في دولةٍ مختلفة عن وطنهم كذلك – يتمتع هؤلاء الأطفال بقدرةٍ أكبر على فهم منظور الشخص البالغ، وقد يكبرون ليصبحوا ذوي مهاراتٍ أفضل في التواصل بصورةٍ عامة.

وجدت إحدى التجارب أن الأشخاص الذين عاشوا في خارج بلادهم تمتّعوا بمستوى أفضل في إيجاد الحلول الخفيفة في المسائل المفاهيميّة والكلامية. قد يساعد ذلك في تفسير سبب بدء بابلو بيكاسو المدرسة التكعيبية في باريس، وتأليف جورج فريدريك هاندل لرائعته «المسيح» أثناء إقامته في إنجلترا.

Embed from Getty Images

لحسن الحظ، حتى من لم يسبق لهم العيش خارج أوطانهم لديهم فرصة في تعزيز إبداعهم عبر العيش في الأطر الذهنيّة الخارجة عن المألوف، عوضًا عن الأماكن الأجنبية. تستشهد الكاتبة بدراسةٍ صغيرة أجرتها أستاذة علم النفس المساعد في هيوستن الباحثة روديكا داميان وفريقها، وفيها انخرط طلاب الجامعات في تمرينِ واقعٍ افتراضي لا تنطبق عليه قوانين الفيزياء المعروفة؛ إذ تسقط الأشياء إلى الأعلى في هذا العالم الافتراضي بدلًا عن السقوط للأسفل. قُورنت هذه المجموعة مع مجموعةٍ أخرى لم تتعرض لهذا التمرين الخارج عن قوانين الفيزياء المألوفة، وتبين أن المجموعة التي انخرطت بالتمرين توصلت لإجاباتٍ أكثر إبداعًا للسؤال الذي يقول: «ما الذي يصنع الصوت؟»

تتبنى داميان نظريةً تبحث فيها حاليًا، تقول هذه النظرية: يمكن أن يتعزز الإبداع بجميع أنواع التجارب غير العادية. على سبيل المثال، يذكر الكثير من الأشخاص تحقيقهم تقدمًا خاصًا بعد تجربة الفطر السحري المخدّر أو المغامرات المتطرفة. تشرح داميان للكاتبة ذلك: «الفكرة وراء ذلك أنه بمجرد تجربة أشياء تنتهك المعايير والقواعد والتوقعات، تغدو أكثر انفتاحًا للمزيد من الأشياء المماثلة. ما تختبره يعلّمك أن العالم ليس مضطرًا للعمل وفق قواعدك، ولذا تكسر القواعد».

لا يعني هذا بالطبع أن الغرابة مرتبطة طرديًا بما هو أفضل. إذا حدث في حياتك شيء مزعج أو صادم للغاية، فقد يستهلك طاقتك العقلية وقدراتك. من الغريب مثلًا أن يقتحم دبٌّ فناء منزلك ويدمّر سيارتك على سبيل الافتراض، ولكن موقفًا مماثلًا لن يعطيك دفقة إبداعية بقدرِ ما سيدفعك للاتصال بشركة التأمين ويستهلك مواردك.

وعلى الرغم من ذلك، حاول أن تفكّر بغرابتك على نحوٍ إيجابي دائمًا. تُسمّى هذه العملية بإعادة التقييم المعرفي، وقد تساعد في التعامل مع الشدائد التي كثيرًا ما ترتبط بانعزالك عن الجمع. إذا أعدت صياغة ما يجعلك غريبًا ليغدو هو تحديدًا الأمر «الذي يجعلك قويًّا»، ستمنح نفسك فرصةً للسعادة لتجد طريقها لحياتك.

علاقة الرأي الفردي بالمجموع

قد يقوّي امتلاك منظورٍ خارجٍ عن المألوف من القدرة على اتخاذ القرار للمجموعة التي تنتمي لها. تُعرف تجارب سلومون آش في الخمسينات في أوساط المهتمين بعلم النفس، باعتبارها النموذج الأشهر لتجارب الامتثال أو المطابقة مع المجموعة. أعدّ آش إحدى التجارب بحيث يتوجّب على المشارك الإجابة برأيٍ مخالف عن الآخرين.

التمرين عبارة عن مقارنة خطوط بصرية يسهل جدا اكتشاف الإجابة الصحيحة فيها، لكن آش وجّه المجموعة – وهم أشخاص يعملون معه أساسًا – لتختار الإجابة الخاطئة بحيث يبقى المشارك الحقيقيّ في التجربة أمام خيار اتخاذ القرار الصائب ومخالفة المجموعة أو اتخاذ القرار الخاطئ ليتفق مع أجوبة الآخرين.

اختار المشاركون الخيار الخاطئ المتوافق مع أجوبة الآخرين حوالي ثلث المرّات، وأصبحت هذه التجربة مثالًا كلاسيكيًا عن تأثير الحشود على اتخاذ القرار أو الإدلاء بالرأي. عندما سُئل أحد المشاركين عن سبب اتخاذه قرار الاتفاق مع المجموعة (الخيار الخاطئ) أجاب بأنه كان قلقًا من أن يُنظر إليه على أنه «مختلف»، أي أنه أراد تجنّب أن يُتّهم بالغرابة.

Embed from Getty Images

لكن هناك تجربة أخرى أقل شهرة من ضمن سلسلة تجارب آش، يتغيّر بها إحدى المعطيات. في هذه المرّة يُعطي أحد المشاركين الجواب الصحيح، فيما تحاول بقية المجموعة تضليل الشخص الخاضع للتجربة عبر إعطاء الجواب الخاطئ. بمجرد وجود شخصٍ واحد ينفصل عن رأي الأغلبية، يقلّ التماثل في الأجوبة بنحو 80%. ربما شعر المشاركون في هذه النسخة من التجربة أنهم يستطيعون أن يكونوا مع الشخص المخالف غرباء معًا، ومن الجدير بالاهتمام أن التماثل يقلّ حتى لو كان هنالك مخالف واحد عن المجموعة وإن كان جوابه خاطئًا أيضًا. بطريقةٍ ما يبدو أن وجود شخصٍ مخالف يمنح المشاركين رخصةً للاختلاف.

لوحظ هذا الأثر التحرّري لوجود وجهاتِ نظرٍ مخالفة في دراساتٍ أخرى، وهو ما يؤكد قيمة وجود تنوعٍ في الأشخاص المخالفين لإيجاد ثغراتٍ في الأفكار السائدة. وتكمن قوة الأفكار لدى الأقليّات بأن الناس يميلون لتفحصّها بعنايةٍ أكبر: حين نسمع رأيًا مخالفًا، نستخدم التفكير النقدي أكثر في ما يُقال ما يدفع للنظر في جوانب مختلفة للقضية. أما الأفكار السائدة للأغلبية لا تدفعنا سوى للتفكير في البيانات الداعمة للمنظور السائد. وتستشهد الكاتبة هنا بقولِ تشارلان نيميث وجاك آي غونكالو: «تحفّز الأقليات على المزيد من الأصالة فيما تحفز الأكثريات على المزيدِ من تقليدية الفكر».

من دواعي الأسف تعرّض الفوائد المذكورة سابقًا للاختفاء مع توقّف الناس عن أن يكونوا غريبين. حين يتحوّل الأشخاص الذين كانوا أقليّة يومًا إلى أغلبية، تظهر الأبحاث أن فكرهم يبدأ بالانحدار إلى التحجّر. وكما تختم الكاتبة مقالها: الغرابة لها مزاياها، لكن لا شيء يبقى غريبًا إلى الأبد.

صحة

منذ 7 شهور
مترجم: كيف تبدو الحياة بعد عام من العلاج النفسي؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد