صدر مؤخرًا نسخةٌ مؤقتة من تقريرٍ كلف بإعداده جيريمي هانت، وزير الخارجية البريطاني، عن أوضاع المسيحيين حول العالم. أشار التقرير المؤقت إلى أنَّ المسيحيين يتعرضون لاضطهادٍ مروع وتمييز في عدة مناطق، وأنَّ وضعهم بالغ الخطورة بالأخص في الشرق الأوسط. وقد نشرت صحيفة «الجارديان» البريطانية تقريرًا يعرض أبرز ما جاء به.

«ذي أتلانتك»: ماذا يعني إعلان البابا عن فتح الأرشيف السري للفاتيكان؟

أشارت الصحيفة إلى أنَّه وفقًا للتقرير، ينتشر اضطهاد المسيحيين في منطقة الشرق الأوسط، ويرقى أحيانًا للإبادة الجماعية، ودفع الكثيرين للهجرة إلى الخارج خلال العقدين الماضيين. إذ هُجِّر الملايين من بيوتهم، وتعرض الكثيرون للقتل والسجن والخطف والتمييز. وسلَّط التقرير الضوء أيضًا على التمييز الديني في جنوب شرق آسيا، وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وشرق آسيا، والذي تمارسه عادةً نظم حكمٍ سلطوية في تلك المناطق.

ووجد التقرير أنَّ «الحقيقة المفجعة؛ هي أنَّ 80% من المضطهدين دينيًا، أي الغالبية العظمى، هم من معتنقي الديانة المسيحية».

وترى الصحيفة أنَّ بعض الاستنتاجات في هذا التقرير قد تكون حرجةً بالنسبة لرؤساء وقادة الدول في الشرق الأوسط، المتهمين بالتساهل مع اضطهاد المسيحيين أو التحريض عليه. فعلى سبيل المثال، يشير التقرير إلى أنَّ حزب العدالة والتنمية الخاص بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان يعمل على تشويه سمعة المسيحيين.

تقريرٌ كاشف

وصف وزير الخارجية البريطاني التقرير المؤقت، الذي نُشر يوم الخميس الماضي استنادًا إلى مراجعةٍ أجراها فيليب مونستيفن، أسقف أبرشية ترورو، بأنَّه «يفتح الأعين حقًا»، لا سيما أنَّه صدر في وقتٍ «شهد فيه العالم الكراهية الدينية بوضوح في الهجمات المروعة على الكنائس في سريلانكا أثناء عيد الفصح، والهجوم على مسجدين في مدينة كرايستشيرش في نيوزيلندا».

بحسب الصحيفة، فإنَّ هانت، وهو مسيحي إنجيلي، جعل من قضية اضطهاد المسيحيين واحدةً من أهم القضايا التي تعنى بها وزارته. وقال عن ذلك: «أعتقد أنَّنا تجنبنا الحديث عن قضية اضطهاد المسيحيين لأنَّنا بلد مسيحي، ولدينا ماضٍ استعماري؛ لذا يكون هناك أحيانًا بعض الخوف من إثارة الأمر. لكن يجب علينا أن نعترف بأنَّ المسيحيين هم أكثر جماعة دينية عرضة للاضطهاد، كما أشار القس بوضوح شديد في تقريره».

Embed from Getty Images

وأضاف: «ما قد نسيناه في ظل مناخ اللياقة السياسية الذي نعيشه مؤخرًا أنَّ المسيحيين المضطهدين هم من أفقر الناس على وجه الكوكب. وأنَّ النسبة السكانية لهم في الشرق الأوسط كانت 20%، أما الآن فهي 5% فقط. لقد تغافلنا جميعًا عن أمر اضطهاد المسيحيين، وأعتقد أنَّ تقرير أسقف ترورو ليس هو فقط ما أفاقنا بصدمةٍ كبيرة، لكن بالتأكيد ما حدث في سريلانكا يوم عيد الفصح»

وتوضح الصحيفة أنَّ غرض التقرير المؤقت هو تحديد حجم أزمة الاضطهاد، وسيصدر تقريرٌ نهائي في فصل الصيف يوضح ما يمكن أن تفعله وزارة الخارجية البريطانية لزيادة الوعي بها.

وضعٌ مزرٍ

بحسب التقرير المؤقت، فإنَّ نسبة التعداد السكاني للمسيحيين في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا كانت 20% في القرن الماضي، ومنذ ذلك الحين والنسبة تتناقص حتى وصلت لأقل من 4%، أي ما يبلغ 15 مليون نسمة.

وذكر التقرير أنَّه في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا «مظاهر التمييز التي تتنوع بين التمييز الروتيني في أماكن العمل والدراسة وفي الحياة الاجتماعية إلى هجمات الابادة الجماعية ضد المجتمعات المسيحية أدت إلى هجرة كثيرٍ من معتنقي المسيحية من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا منذ مطلع القرن الحالي.

وأضاف التقرير: في دولٍ مثل الجزائر ومصر والعراق، وإيران وسوريا والمملكة العربية السعودية، وصل وضع المسيحيين والأقليات الأخرى إلى درجةٍ مقلقة. ففي المملكة العربية السعودية تُفرض قيود صارمة على كل أشكال التعبير عن الديانة المسيحية، بما فيها مظاهر التعبُّد في المجال العام. وتُقمع القداديس المسيحية الخاصة بانتظام. وقد تسبب الصراع العربي الإسرائيلي في مغادرة أغلب الفلسطينيين المسيحيين أراضيهم، حتى انخفضت نسبتهم من 15% إلى 2%».

Embed from Getty Images

يضع التقرير ثلاثة عوامل مسببة للاضطهاد، وهي الفشل السياسي الذي صنع مساحةً خصبة للتعصب الديني، وهيمنة الأفكار الدينية المحافظة في دولٍ مثل تركيا والجزائر، وضعف المؤسسات القضائية والقانونية والشرطية، ما يجعل النظام عرضةً للاستغلال على يد المتطرفين.

وبحسب التقرير، فإنَّ «صعود خطاب الكراهية ضد المسيحيين في وسائل الإعلام الحكومية وعلى يد الزعماء الدينيين، خاصةً في دولٍ مثل إيران والسعودية، يُعرِّض سلامة المسيحيين للخطر، ويؤدي إلى التعصب الاجتماعي».

وتشير الصحيفة إلى أنَّ بعض الاستنتاجات التي ذكرها التقرير من المحتمل أن تسبب مشاكل للمملكة المتحدة في سعيها لتكوين علاقاتٍ مع دول الشرق الأوسط. إذ يذكر التقرير أنَّه « في بعض الأحيان، تساهم الدولة والجماعات المتطرفة والعائلات والمجتمعات جميعًا في ممارسة سلوك الاضطهاد والتمييز.

وأضاف: ففي دولٍ مثل إيران والجزائر وقطر، تُعد الدولة الفاعل الرئيسي، لكن في سوريا واليمن والسعودية وليبيا ومصر، تتورط كلٌ من الجهات الحكومية وغير الحكومية في ممارسة الاضطهاد، وخاصةً الجماعات الدينية المتطرفة. وفي عام 2017، قتلت الجماعات المتطرفة في مصر 99 مسيحيًا، منهم 47 شخصًا يوم أحد السعف في مدينتي طنطا والإسكندرية. واستهدفت الجماعات المتطرفة مسيحيي مصر بشكلٍ متواصل خلال عامي 2017 و2018».

واستطرد: «يعد السجن والاعتقال والاحتجاز من العقوبات الشائعة في إيران ومصر والسعودية. على سبيل المثال، في الفترة ما قبل عيد الميلاد بستة أيام، احتجزت إيران 114 مسيحيًا في قضايا تنتظر بت المحاكم فيها، كشكلٍ من أشكال التهديد. ورغم أنَّ معظم القضايا كانت ضد أشخاصٍ متحولين إلى المسيحية، لكنَّها أيضًا تشمل أحيانًا معتنقي المسيحية، مثل المسيحي الأشوري القس فيكتور وزوجته شاميرام، الذين استُهدفا وتعرضا للسجن».

يسلط التقرير الضوء أيضًا على تحريض الدول ووسائل الإعلام الموالية لها على الكراهية ونشر الشائعات ضد المسيحيين في بعض الأحيان، خاصةً في إيران والعراق وتركيا، مشيرًا إلى أنَّ «حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا يصور المسيحيين على أنَّهم تهديد لاستقرار الأمة، وعادةً ما يوضع مسيحيو تركيا في صورةٍ نمطية بوصفهم متعاونين مع الغرب وليسوا أتراكًا أصليين».

Embed from Getty Images

وفي المملكة العربية السعودية، حسبما جاء في التقرير: «تعلم المناهج الدراسية الطلاب كره الأديان والتعصب تجاه غير المسلمين، بما فيهم المسيحيين واليهود».

ويشير التقرير أيضًا بحسب الصحيفة إلى أنَّ حرية الاعتقاد الديني يمكن أن تصبح وسيلةً لمساعدة من يعانون التمييز على أساس النوع، إذ توجد أدلة واضحة على أنَّ المسيحيات يعانين اضطهادًا كبيرًا.

وفي ما يخص ادعاء تعرض المسيحيين لما يقترب من الإبادة الجماعية، يذكر التقرير أنَّه «يمكن القول بأنَّ طبيعة الاضطهاد ومستواه يقتربان من التعريف الدولي لمصطلح الإبادة الجماعية الذي تتبناه الأمم المتحدة».

وتشير الصحيفة إلى أنَّ إبادة المسيحيين والأقليات الأخرى بحد السيف، أو بأي وسائل أخرى عنيفة، هو الهدف المحدد والمعلن للجماعات الإرهابية في سوريا والعراق ومصر وشمال شرق نيجيريا والفلبين. إذ اتضحت نية تلك الجماعات لمحو كل مظاهر الوجود المسيحي من خلال إزالة الصلبان وهدم الكنائس وغيرها من الرموز المتعلقة بالكنيسة.

وحسبما جاء في التقرير: «يعد قتل وخطف رجال الدين المسيحي هجومًا مباشرًا على هيكل الكنيسة وقيادتها. فعندما تتطابق هذه الحوادث وغيرها مع معايير الإبادة الجماعية، يتعين على الحكومات أن تقدم الجناة للعدالة، وتساعد الضحايا، وتتخذ إجراءاتٍ لمنع مظاهر الاضطهاد الديني في المستقبل. والنتيجة الرئيسية لمثل هذا النوع من الإبادة الجماعية ضد المسيحيين هو الهجرة».

وفي ختامه، أشار التقرير إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، موضحًا: «التحدي الذي نواجهه في بداية القرن الواحد والعشرين لا يتمثل في الكفاح من أجل وضع نظامٍ قضائي عادل، بل فشلنا في تطبيق أفضل نظامٍ ابتكرته البشرية حتى الآن بشأن حماية الحريات، وهذا أمرٌ مخزٍ».

مترجم: هذا ما حدث عندما انتشرت أول ترجمة للقرآن في أوروربا

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد