يقول الكاتب تشارلز جلاس في مقال نشره على موقع «ستراتفور» أن غزو إيران كان خطيرًا في عام 1918، ولا يزال خطيرًا اليوم. أي سفينة في أي جزء من الخليج العربي تقع ضمن نطاق الدفاعات الساحلية الإيرانية. وقد يؤدي أي خطأ أو تبادل لإطلاق النار إلى نشر 120 ألف جندي أمريكي، كما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز.

يعود الكاتب إلى الوراء ويقول: عندما يحرث المزارعون في هذا الجزء من شمال فرنسا حقولهم، فإنهم يكتشفون آثار الحرب التي انتهت هنا منذ ما يزيد قليلاً عن قرن: أغلفة القذائف وأقنعة الغاز والجماجم. تكذّب المناظر الطبيعية الهادئة ذكرى اليوم الأول من معركة السوم في 1 يوليو (تموز) 1916، عندما توفي 21 ألف جندي بريطاني وهم يتجولون عبر بضع مئات من الأمتار من حفر القذائف والأعشاب والأسلاك الشائكة على مرمى مدافع رشاشة ألمانية.

Embed from Getty Images

استمر هذا الهجوم غير المجدي حتى نوفمبر (تشرين الثاني) التالي، عندما أودت المعركة بحياة 1.5 مليون شخص على جانبي الخنادق. لم يتصور مهندسو الحرب مثل هذه المذبحة عندما قاموا بتعبئة مجندين شباب في أغسطس (آب) 1914 بوعود تحقيق نصر سهل.

يصف كيف قام المؤرخ كريستوفر كلارك بتصوير رجال الدولة الذين قادوا أوروبا إلى الحرب العظمى كرجال يمشون كالعميان أثناء نومهم من خلال نافذة مفتوحة. في كتابه The Sleepwalkers: How Europe Went to War in 1914، كتب كلارك: «الصراع الذي بدأ في الصيف بحشد 65 مليون جندي أنهى ثلاث إمبراطوريات وذهب بـ20 مليون قتيل عسكري ومدني و21 مليون جريح». ويعلق المقال على ذلك بأن هذا لم يكن هو القصد، تمامًا كما لم يكن القصد من توقيع معاهدة إنهاء الحرب أن تنتج كارثة أخرى بعد 20 عامًا ستودي بحياة 60 مليون شخص آخرين.

يروي الكاتب أنه بعد السير على طول مسارات الطين بالقرب من نهر السوم مؤخرًا، مر ببقايا قذائف وخنادق بالكاد تكون مغطاة بعشب نبع من جديد. دفن الآلاف من الشباب حيث سقطوا في منظر طبيعي متألق من أنصاب تذكارية ومقابر -على حد وصفه. تذكّر لوحة في أحد المقابر الزوار: «لقد حافظ فوج ديفونشير على هذا الخندق، وتمسكوا به بكل ما أوتوا من قوة». جنود فوج ديفونشير، مثل رفاقهم من أيرلندا وإسكتلندا وويلز وأستراليا وكندا وبقية إنجلترا، تركوا وراءهم أرامل وأطفال وأهالي لا عزاء لهم. فهل كان كل ذلك يستحق؟

استعراضات القوة هي مقدمات للحرب

نادرًا ما تنتهي الحروب كما يتوقع من بدأوها. وكان هذا صحيحًا بالنسبة للولايات المتحدة في كوريا وفيتنام وأفغانستان والعراق. ويمكن قول الشيء نفسه في يوم من الأيام عن إيران إذا أدى نشر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لحاملة الطائرات يو إس إس أبراهام لينكولن مع مجموعة من السفن الحربية والقاذفات إلى الخليج العربي إلى مواجهات عنيفة.

الهدف من التدريبات، على حد تعبير مستشار الأمن القومي جون بولتون، هو «إرسال رسالة» إلى إيران. أرسل كل من القيصر نيكولاس الثاني من روسيا وقيصر فيلهلم الثاني من ألمانيا، الذين صادف أن يكونوا أبناء عمومة، رسائل مماثلة لبعضهم البعض في صيف عام 1914 من خلال تعبئة جيوشهم. إن إظهار القوة بهذا الشكل لم يمنع الحرب، بل تسبب ببدايتها.

يشير الكاتب إلى أن الحرب العالمية الأولى تقدم الكثير من الدروس للراغبين في التعلم منها. بالإضافة إلى «غباء» حرب الاستنزاف -على حد وصفه- الساكنة على الجبهة الغربية، كانت هناك أمثلة على عروض جانبية أخرى مدمرة في أفريقيا والبلقان والعالم العربي وإيران كذلك. يتذكر الإيرانيون، حتى إذا لم يتذكر الغربيون، أن قوات الحلفاء من روسيا وبريطانيا احتلوا بلدهم المحايد في عام 1914 (وكرروا ذلك مرّة أخرى في عام 1941). أرسل البريطانيون فرقة خاصة عبر إيران لحشد رجال القبائل لمنع الأتراك العثمانيين وحلفائهم الألمان من الاستيلاء على نفط بحر قزوين.

Embed from Getty Images

في ديسمبر (كانون الأول) 1917، عيّن مكتب الحرب اللواء ليونيل دونسترفيل لقيادة قوات دونستر المكونة من 450 رجلاً. صديقه في دونسترفيل روديارد كيبلينج، خلده كبطل للإمبراطورية الهندية البريطانية باسم «ستالكي». كان دونسترفيل الذي يتحدث تسع لغات بطلاقة بما في ذلك الفارسية والصينية – مهيئًا بشكل جيد للمهمة في إيران.

عبرت قوات دونستر الممر المائي لشط العرب من العراق الذي احتلته بريطانيا إلى إيران في أوائل عام 1918 في طريقها إلى باكو، عاصمة النفط لأذربيجان، والتي هجرها الروس بعد الثورة التي أخرجت روسيا من الحرب. كان طريق الذهاب إلى إيران قاسيًا: سدت الثلوج الممرات الجبلية، وهجمت الميليشيات المحلية. هاجمت حركة جانغاله القومية قوات دونستر قبل وصولهم إلى باكو، مما قلل من قوتهم وأبطأ حركتهم.

حاول دونسترفيل الحصول على موافقة شعبية من خلال منع تجار الحبوب من تخزين القمح، ولكن هذه الخطوة جاءت بنتائج عكسية عندما اتهمته حركة جانغاله بتسميم دقيق الناس. عقد التنافس على القيادة بين الجانغاله والشيوعيين المحليين والإسلاميين والمسيحيين من مهمة دنسترفيل. فكثير منهم تغيروا في مواقفهم أكثر من مرة، اعتمادًا على ما إذا كان من المرجح أن يفوز العثمانيون أو البريطانيون.

وصل جزء من قوات دونستر إلى أورميا في أذربيجان الإيرانية، لكن وجودها أدى إلى تفاقم سوء معاملة المسيحيين المحليين الذين وقفوا مع الحلفاء. وبحلول نهاية الحرب، انخفض عدد سكان أورميا المسيحيين من 40 في المائة من المدينة إلى ما يقرب من الصفر.

نظمت قوات دونستر دفاعات ضد هجوم عثماني في باكو. وبدأت المعركة في 26 أغسطس 1918. ودمرت المدفعية معظم أنحاء المدينة، مما أجبر دونسترفيل على إجلاء قوته على متن سفينتين عبر بحر قزوين ليلة 14 سبتمبر (أيلول). قام اللواء الجنرال ليونيل مارشال، وهو القائد البريطاني في بلاد ما بين النهرين، والذي وصف حملة دونسترفيل بأنها «مشروع مجنون»، قام بحلها بعد يومين.

والآن نواجه نفس المخاطر أمام إيران

كان غزو إيران خطيرًا في عام 1918، ولا يزال خطيرًا اليوم. أي سفينة في أي جزء من الخليج العربي تقع ضمن نطاق الدفاعات الساحلية الإيرانية. وقد يؤدي أي خطأ أو تبادل لإطلاق النار إلى نشر 120 ألف جندي أمريكي، كما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز. بدا رد فعل ترامب على تقرير التايمز أشبه بالتأكيد بدل الإنكار، إذ قال: «إذا فعلنا ذلك، فسنرسل جيشًا يحتوي على قوات أكثر بكثير من ذلك».

الولايات المتحدة، مثل القيصر وملك إنجلترا في عام 1914، تصر على أنها لا تريد الحرب. وقال بولتون: «الولايات المتحدة لا تسعى إلى شن حرب مع النظام الإيراني، لكننا على استعداد تام للرد على أي هجوم سواء بالوكالة أو من فيلق الحرس الثوري الإيراني أو الوحدات الإيرانية النظامية». يشير الكاتب هنا إلى طبيعة الرد الأمريكي على أي انتهاك من جانب إيران ستحدد مستقبل الولايات المتحدة وإيران والشرق الأوسط وجميع البلدان التي تستورد نفط الخليج العربي لسنوات قادمة. فهل يستحق الأمر ذلك؟

يختتم الكاتب مقاله بقصيدة كتبها الجندي سيغفريد ساسون، الذي فاز بالصليب العسكري البريطاني لإنقاذ رفيق جريح تحت النار عشية معركة السوم، «الانتحار في الخنادق»:

أيتها الحشود المتعجرفة ذات العيون اللامعة

التي تهتف على صوت مسير الجنود الفتيان

اذهبوا إلى بيوتكم وصلّوا ألا تعرفوا أبدًا

الجحيم الذي يختفي فيه الشباب والضحكات

مترجم: جندي أمريكي سابق: هكذا تصنع أمريكا أجيالًا من القتلة

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد