يستعرض الكاتب في صحيفة «الجارديان» جيمي ووترز كتاب عالم النفس بنجامين هاردي المنشور حديثًا والمعنيّ بمدى ثبات الشخصية البشرية وإمكانية تغييرها بما يستحبه المرء، وينتقل منه لشرح الاتجاه الجديد في علم النفس نحو منظورٍ جديد كليًا لديمومة السمات الشخصية ومنشأها.

نقشٌ.. لا على حجر

لا شك أن معظمنا وجد لنفسه مسمىً أنيقًا ما لشخصيته في مرحلةٍ ما من العمر، كما لو أنها ماركة ثياب محددة. قد يصل المرء لهذه المرحلة أثناء مقابلة عمل، أو عند ملأ تبويبات الملفّ الشخصي في تطبيق مواعدة، أو في أحد اختبارات وسائل التواصل الاجتماعي التي تطابق صفات المستخدمين مع أسماء شخصيات مشهورة في الألعاب أو المسلسلات الرائجة.

ربما وجدت نفسك في محادثة مع بعض الأصدقاء، وبها أعلن كلّ عن نفسه بصفته «انطوائيًّا» أو «انبساطيًّا»، وهما مسميان لقبيلتين أصبح سكان العالم كله منقسمًا إليهما بأعجوبة. وفي هذا السياق ينقل الكاتب عن اختصاصي علم النفس الدكتور بنجامين هاردي اعتقاده بأن مبدأ تصنيف الشخصيات يكمن في كشفِه عن «جوهر نفسك الأصيل» وبمجرد اكتشافه «يمكنك أخيرًا أن تعيش حياتك الحقيقية».

صحة

منذ 3 شهور
دليلك الشامل للتعرف على أنواع الاضطرابات المزاجية وكيفية التعامل معها

يفترض للتصنيفات أن تعطي أصحابها التمكين والقوة وتُقدم التصنيفات باعتبارها قطعيّة. يعمل مبدأ التصنيفات على افتراض أن الشخصية صلبة محددة الشكل، وكأنها صُبت في قالب جصّي.

يتواصل الكاتب مع هاردي عبر منصّة الزوم، ومنه يؤكد عالم النفس التنظيمي بأن كل ما سبق «زائف» ببساطة. يطرح د. هاردي تفصيلًا أكبر في هذا المجال ضمن كتابه الأخير «الشخصية ليست ثابتة»، وبه يدعو إلى مبدأ عدم ثبات الشخصية، ولا تحددها بالمطلق.

تطرأ بعض التحولات على شخصيتنا برتمٍ طبيعي أثناء تقدمنا في العمر، ولكنا قادرون أيضًا على تغيير سماتنا بوعي عند الرغبة بذلك. ويتحدث هاردي عن الشخصية – أو كما يصيغها: «مواقفك وسلوكياتك المنتظمة، وطريقتك في الحضور في المواقف» – باعتبارها مجموعة معقدة من المهارات القابلة للتعلم، بصورةٍ مشابهة لقيادة الدراجة.

قد يحمل مبدأ اعتبار السمات الشخصية على أنها مهارات مكتسبة طابعًا عياديًا ومفتقرًا للرومانسية الإنسانية، لا سيما وأننا ننزع نحو رؤية شخصياتنا باعتبارها مفتاح ما يشكّلنا على ما نحن عليه. وهو ما يعتبره هاردي جزءًا من المشكلة، إذ يقول: إن «الهوية» – كيف نختار تعريف أنفسنا كأشخاص – هي مركز الأهمية.

Embed from Getty Images

يعتبر هاردي أن الشخصية ليست سوى «المستوى السطحي» وهي مجرد سلوك ينتج عن طريقة عيشنا لهويتنا. وبالتالي قد ترى نفسك رجلًا قويًا وجذابًا؛ ما يولّد مجموعة من السمات الشخصية، بما في ذلك الثقة بالنفس، وروح الدعابة العالية.

يقول الكاتب أن الغموض قد يلّف هذه النقطة بعض الشيء، لكن الإقرار بالقدرة على تغيير كلّ من هويتنا وشخصيتنا هو الأمر الأكثر أهمية هنا. ويضيف الكاتب أن اعتناق هذا المبدأ يمنح الحرية، وينقل عن هاردي تعقيبه: «يفرط معظم الناس بتعريف أنفسهم الحالية. إذا قلت عن نفسك «أنا انطوائي»، فهذا وسم. ولأن هوية معظم الناس تصبح ذهنية ثابتة، تُعاق مخيلتهم واستعداديتهم للتغيير إلى حدّ كبير. ليس أننا لا نستطيع التغيير، بل إننا لا نعتقد باستطاعتنا ذلك».

تغيير الشخصية ونحت العضلات

ينضم كتاب «الشخصية ليست ثابتة» إلى عدد يتزايد من أبحاث علم النفس الهادفة لقلب الافتراض السائد منذ فترة طويلة بثبات الشخصية، ويمثل الإقرار بليونة ومطواعيّة الشخصية البشرية إضافةً ملفتة في قاموس التحسين الفردانيّ.

ركّزت حركات الرفاه والعافية في العقد الماضي على مجالات الصحة البدنية بالأغلب (مثل الأكل والنوم والرياضة) وممارسات تحسين الحالة الذهنية عبر أمور من قبيل التأمل وما شابهه، تتداخل بعض هذه الأشياء مع الشخصية – إذا كنت مرتاحًا وتمارس الرياضة بانتظام فمن المحتمل أن يزداد تفاؤلك وإيقاعك المبتهج تجاه الحياة – لكن ندر ظهور الهدف الصريح الواضح المتوجه للعمل على تحسين سمات الشخصية.

يتساءل الكاتب: هل يمكن أن نسعى في المستقبل لنصبح أكثر مرحًا وطرافة أو ألطف على شاكلة ما نفعله الآن في محاولات نحت عضلات البطن؟ هل يمكن أن تصبح الشخصية هي الموضة التالية لما سيتمّ نحته وتسليعه في سعينا إلى التحول لأكثر النماذج البشرية إثارةً للإعجاب؟

استمرت فكرة ثبات الشخصية وجمودها في سنّ معينة لأكثر من قرن، واعتبرت نظرية ترسّخ الشخصية وتصلّبها في سن الثلاثين النظرية الأكثر قبولًا (وهي فكرة مفزعة لكلّ العابرين لهذا السنّ بلا شك).

يمكن إرجاع هذا الفكرة إلى الفيلسوف وعالم النفس ويليام جيمس – وهو أحد أبرز مفكري أواخر القرن التاسع عشر، ويسميه هاردي «الأب الروحي لعلم النفس الأمريكي» – وذلك لأنك «غالبًا ما تكون قد أعددت مسارًا لنفسك بحلول سن الثلاثين؛ إذ تستقر في مهنة وأسرة وتقلّ الأشياء الجديدة التي تقوم بها» وفقًا لما يشرحه هارد.

Embed from Getty Images

وأضاف: «إذا كنت تحاول تجربة أشياء جديدة، ستستمر شخصيتك في التغير لأنك تضع نفسك خارج منطقة الراحة المعتادة. أعتقد أن الناس يتوقفون عن فعل ذلك بتقدمهم بالعمر، ليس لأنهم لا يستطيعون فعلها، بل لأنهم وضعوا أنفسهم على مسارٍ ما».

ينتقل الكاتب إلى أستاذة علم النفس في جامعة كاليفورنيا الدكتورة ويبك بليدورن، والذي يفسّر مبدأ «ثبات الشخصية» بصورةٍ أخرى. كان عالم النفس والتر ميشيل قد اقترح في الستينات فكرة أن الشخصيات ليست حقيقية، بل هي مجرد بناء، وأن السمات السلوكية تعتمد بصورةٍ أكبر على العوامل الظرفيّة.

تسبب ذلك في ردّة فعل قوية لدى علماء نفس الشخصية الذين اندفعوا لبذل قصارى جهدهم لإثبات وجودها. تعقّب بليدرون على هذا الأمر: «بالكاد كان هنالك مجال يذكر لفكرة إمكانية تغير الشخصية لأنه توجب علينا إظهار استقرارها وتوقع مختلف أنواع النتائج منها. ولذا كما هو الحال غالبًا تمادى البندول قليلًا في التأرجح نحو الجهة الأخرى».

يتوجه علماء النفس الآن للعمل على توفير منظورٍ أدقّ وأكثر سدادًا، وتُظهر أبحاثهم أن التحولات المعيارية في الشخصية تحدث بينما نعيش تفاصيل حيواتنا العادية: عند الذهاب إلى المدرسة، والانتقال من المنزل، وعلاقاتنا الرومانسية الأولى وغيرها من أمور لها تأثير كثير على ملامح الشخصية. تزداد مساحة فعاليّة بعض السمات المحددة مع التقدم في السن، وأبرزها السمات المتعلقة بضبط النفس والوعي. تتأثر الشخصية بتغيير البيئات أيضًا، ومن ذلك تغيير أماكن العمل أو مجموعات الأصدقاء والمعارف.

لكن ماذا لو أراد أحدنا تعديل شيء من شخصيته؟ ماذا لو أراد أحدهم إضافة بعض الفكاهة لشخصيته أو تخفيف القساوة؟ تشدد بليدورن على أهمية تحديد نواياك بشأن ما تريد تغييره: «يجب أن تسأل نفسك؟ ما هي شخصيتي الآن؟ كيف تكون شخصيتي المثالية؟ وماذا عليَّ أن أفعل لتقليل المسافة بينهما؟».

تنصح بليدورن باللجوء للعلاج النفسي، فهو ليس لمعالجة التوتر أو مشاكل العلاقات فحسب – هذه محض صورة تقليدية – فالعلاج في النهاية «غالبًا ما يكون تدخلًا لأجل الشخصية أيضًا؛ لأن ما يريده الناس تغيير أنماط أفكارهم ومشاعرهم وسلوكهم، وهو تعريفنا للشخصية».

مهارةٌ اسمها الشخصية

يشرح الكاتب منهج هاردي المخصص لإحداث التغيير في الشخصية: يفضل هاردي البدء بتخيل الشخص الذي ترغب بأن تكونه، لأن السمات المنشودة ستتبع ذلك. وعند الحاجة لتغيير سمات محددة في الشخصية، يقول هاردي إن الأمر يتطلب «الممارسة المتعمدة» حينها، وهو مصطلح في علم النفس يشير إلى عملية ممارسة نفسية تتسم بالتكرار والحضور العالي للإدراك الذاتي.

Embed from Getty Images

يشرح هاردي الأمر أكثر: «ينبغي عليك دائمًا الدفع لمستوى أعلى قليلًا من مستوى مهارتك الحالي، مع متابعة التقييمات واكتساب مستوى معين من التدريب. عليك أن تشاهد وتحلل نفسك تمامًا مثل لاعب كرة قدم». إذا كنت تهدف إلى الخروج والانفتاح على المجتمع أكثر – مثلًا – فعليك استشارة «مدرب خبير (life coach)»، أو دفع نفسك نحو الذهاب لحفلات ومناسبات أكثر حيث يلتقي الناس، أو تبادل أطراف الحديث مع الأشخاص في المقاهي.

وإن كان هذا يبدو مشابهًا لتعلّم أيّ شيء آخر في الحياة – كما يعقّب الكاتب – فجواب هاردي يختصر الأمر بالإيجاب: «الشخصية هي مهارة قابلة للتعلم، حالها حال تعلم كيفية المشي».

لكن هل هناك حد أقصى لمدى قدرتنا على تغيير شخصياتنا؟ يعتقد بعض الخبراء أن بعض العناصر قد سبق تحديدها بالفعل – أشياء من قبيل القوى والدوافع التي تحفّزك لفعل أيّ شيء من الأساس – يقرّ هاردي بأن بعض التحولات ستتسم بصعوبةٍ أكبر من غيرها، ومثال ذلك التحول من شخصٍ خجولٍ إلى درجة مؤذية لشخصٍ اجتماعي طلق، ولكنه يعتقد بأن لا حدود لمستوى التغيير الممكن في حال كان الشخص مستعدًا للقيام بالعمل المطلوب.

قد يبدو هذا الكلام جذّابًا على الورق، لكن يتساءل الكاتب عن مدى واقعيته أيضًا: هل تكون هذه العملية هي الخطوة التالية في مجال التحسين الذاتي البشري؟ يعتقد معظم الخبراء بأنه ادعاء كبير جدًا، نظرًا لمستوى الالتزام وعدد الساعات المطلوبة لتغيير السمات المنشود تحسينها، وينقل الكاتب عن بليدورن تعقيبها: «لا أعرف ما إذا كان الناس يرغبون بالذهاب إلى هذا الحد، ليس أمرًا يسيرًا».

علاقات

منذ 4 شهور
نرجسي ومكيافيللي ومعتل نفسيا أيضًا.. إليك سمات الشخصية المظلمة

ومع ذلك لا بد أن علم النفس ينتظره ارتفاعًا في الاهتمام والحديث عن هذه المسائل، وقد يكون زيادة التركيز على تحسين الشخصية أمرًا متوقعًا بكل تأكيد وفقًا للمدرب المقيم في لندن نيك هاتر، الذي يؤكد أن العمل على الذكاء العاطفي غدا أكثر شيوعًا في بيئات الشركات، مضيفًا: «تعمل مع مدرب شخصي في الصالة الرياضية، فلم لا تحصل على مدرب لشخصيتك؟».

يختتم الكاتب بالتذكير أنه حتى الوعي بوجود خيار التغيير هو خطوة أولى مهمة بالنسبة للكثيرين، وينقل عن هاردي قوله: «عندما يتعلق الأمر بتحسين النفس، فإنك تشاهد أشخاصًا يصقلون من أجسادهم عبر الإنترنت وتقول لنفسك مدركًا: «حسنًا، يمكنني فعل ذلك». تعتقد أنه بإمكانك التعرض للتمزق، ولكنك لا تعتقد بإمكانية تغيير هويتك وشخصيتك؟ سيدرك الناس أكثر فأكثر قدرتهم على فعلها، وحينها سيفعلون».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد