حتى تحظى نصائح الصحة العامة بقبولٍ حَسَن لدى المواطنين؛ لا يكفي فقط أن تهتم الحكومات بصياغة محتواها، ولكن يجب أيضًا أن تولي اهتمامًا خاصًا لاختيار حاملها بعناية. فإن كان مُقَدِّم النصيحة – شخصًا أو جهة – يحظى بثقة المواطنين، فإنهم سيتبعون نصائحه غالبًا، وإلا فلا.

هذه خلاصة تحليل نشرته صحيفة «واشنطن بوست»، لأليسون نامياس جروسمان، المرشح لنيل درجة الدكتوراة في العلوم السياسية من جامعة كاليفورنيا، بيركلي، حول الصعوبات التي تواجهها الحكومات الأفريقية لإقناع مواطنيها باتباع إرشادات الوقاية من فيروس كورونا المستجد. 

مجتمع

منذ 7 شهور
«فورين بوليسي»: ما بدائل التباعد الاجتماعي في الدول الفقيرة؟

يستهل الكاتب تحليله بالقول: تعد دول أفريقيا أحدث الملتحقين بركب مواجهة فيروس كورونا عالميًا؛ مع ظهور 17 ألف حالة إصابة مؤكدة بـ(كوفيد-19) في القارة. 

وعلى وجه الخصوص، شهدت دولتان في غرب أفريقيا، هما بوركينا فاسو والسنغال، زيادات حادة في عدد حالات الإصابة بـ(كوفيد-19)، بعد تأكيد إصابة أول حالة بالفيروس. ويحذر التحليل من أن ارتفاع عدد الإصابات في هاتين الدولتين قد يتبع مسارًا مشابهًا كذلك الذي سلكته إسبانيا وإيطاليا، وهما دولتان وجّه إليهما الفيروس ضربة شديدة. 

تدمير المراكز الصحية ورفض تلقي العلاج

لكن بعض الحكومات تجد صعوبة في إقناع المواطنين باتباع إرشادات الصحة العامة الأساسية للحد من انتشار المرض. ويضرب أليسون جروسمان بعض الأمثلة على ذلك؛ إذ دمّر المتظاهرون في ساحل العاج مركزًا صحيًا قيد الإنشاء لمعالجة مرضى (كوفيد-19)، ما أعاد للأذهان المقاومة التي واجهها المسؤولون أثناء التصدي لوباء إيبولا في غرب أفريقيا عام 2014.

ووثق الصحافيون حالات لرفض الأفراد تلقي العلاج من فيروس إيبولا، وعائلات تختبئ أو تكذب بشأن مكان تواجد أقربائهم المصابين. وفي غينيا، هاجم أفراد إحدى المجتمعات المحلية العاملين في المجال الطبي، واتهموهم بجلب فيروس إيبولا إلى مناطقهم.

Embed from Getty Images

كيف تقنع الحكومات الأفريقية مواطنيها؟

يشير بحث أجراه أليسون بالاشتراك مع البروفيسور ليو أريولا في غينيا، الواقعة في غرب أفريقيا، إلى أن الحكومات وشركائها الدوليين قد يجدون مستويات أعلى من الامتثال الشعبي؛ إذا اختاروا بعناية الجهة التي تقدم هذه المبادئ التوجيهية. 

على وجه التحديد، خلُص البحث إلى أن أعضاء المجموعات العرقية المهمشة سياسيًا يميلون أكثر إلى الامتثال إذا تلقوا النصائح الصحية من السلطات السياسية المحلية، وليس السلطات الوطنية. 

ويشرح الكاتب كيفية إجراء البحث قائلًا: لفهم سبب مقاومة بعض الناس لإجراءات الصحة العامة التي تهدف إلى إنقاذ حياتهم؛ شمل هذا الاستطلاع أكثر من 1200 شخص بالغ في غينيا، الواقعة في غرب أفريقيا، بؤرة تفشي فيروس إيبولا خلال عامي 2014 و2016.

وأجرى الباحثون المحليون المسح وجهًا لوجه في محافظتين غينيتين خلال شهر يوليو (أيلول) 2016، واختاروا المشاركين باستخدام بروتوكول الانتقاء العشوائي المصمم على غرار المناهج المطبقة في مقياس «أفرو-بارومتر». تصف الورقة التي أعدها أليسون وأريولا هذا الاستطلاع بالتفصيل. 

يضيف الكاتب: أردنا أن نعرف كيف يمكن للهوية الاجتماعية – وتعني: إحساس الأفراد بالهوية بناءً على: عضويتهم في مجموعات مشتركة، مثل الجماعات الدينية أو العرقية – أن تؤثر على الامتثال لمستشاري الصحة العامة.   

وينتمي المجيبون على الاستطلاع إلى أكبر ثلاث مجموعات عرقية في البلاد، وهي: سوسو وبيول ومالينكي. وقدّم هذا المسح سيناريو متخيل يحث المشاركين على البحث عن اختبار مجاني لـ«فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز)»، بعد إبلاغهم بظهور حالات جديدة في منطقتهم.

أجرى المسح تغييرات عشوائية على هوية السلطة التي أصدرت الاستشارة المتخيلة لكل مستجيب. هذا يعني أن المجيبين تلقوا رسائل منسوبة إما إلى رئيس الدولة، أو لمسؤول حكومي محلي، أو لرئيس تقليدي، أو لسلطة دينية، أو لممثل للأمم المتحدة.

ثم سأل القائمون على البحث المستجيبين عما إذا كانوا على استعداد للاستجابة لإرشادات الصحة العامة، أو تشجيع أفراد أسرهم على الامتثال لها، أو الذهاب إلى المركز الصحي لإجراء اختبار فيروس نقص المناعة البشرية مجانًا.

حامل الرسالة يضطلع بدورٍ هام لتحفيز الناس على تغيير سلوكهم

من الذين التزموا إذًا بالسيناريو الخيالي؟ يجيب الكاتب: وجدنا أن الأفراد لا يمتثلون للنصائح، إلا عندما تصلهم الرسالة من خلال شخص أو جهة يثقون فيها.

Embed from Getty Images

وأظهر المسح أنه من غير المرجح أن يتبع المستجيبون من عرقية بيول، وهي مجموعة مهمشة سياسيًا في غينيا، نصيحةً صحية عامة، أو يشجعون أسرهم على القيام بذلك، عندما تأتي النصيحة من رئيس البلاد، وليس من زعيم محلي أو ديني. ويشكل شعب بيول أكبر مجموعة عرقية في غينيا، لكنهم عانوا من الإقصاء السياسي منذ الاستقلال، بحسب الكاتب.

في هذه الدراسة، كان الأشخاص الذين ينتمون إلى عرقية سوسو أو مالينكي أكثر تقبلا نسبيًا لنصائح الصحة العامة الصادرة عن رئيس غينيا. ولا غروَ، فعلى عكس المنتمين لعرقية بيول، كانت هاتان المجموعتان العرقيتان ممثلتين في الحكومة الوطنية أو من قيادتها.

وجدت الدراسة أيضًا أن المنظمات الدولية أو ممثليها لا يتمتعون بأية ميزة إضافية على الحكومة الوطنية فيما يتعلق بمستوى الامتثال لتوصياتهم. إذ لم يكن أعضاء المجموعات العرقية المهمشة سياسيًا أكثر استعدادًا لاتباع نصيحة صادرة عن الأمم المتحدة من استعدادهم لتطبيق مشورة يقدمها الرئيس، الذي لا يأبهون لرسائله بالفعل. 

ويحمل المستجيبون الذين يعتبرون أنفسهم أهدافًا للتمييز العرقي الحكومي أيضًا آراء سلبية تجاه الأمم المتحدة. وتشير نتائج الاستطلاع إلى أن المنظمات الدولية لا يمكنها أن تفترض أنها ستكون موضع ترحيب باعتبارها جهات محايدة أو خَيِّرة عند الاستجابة لطوارئ الصحة العامة، خاصة إذا رأى الغينيون أنها تعمل عن كثب مع الحكومة.

ماذا يعني ذلك لجائحة فيروس كورونا في عام 2020؟

يتابع الكاتب: ينتشر فيروس كورونا في غينيا، وهي دولة يشعر كثير من الناس فيها بالقلق حاليًا من حكومتهم. ففي الشهر الماضي نجح الرئيس ألفا كوندي في تمرير استفتاء متنازع عليه يسمح له بتعديل الدستور حتى يستطيع البقاء في منصبه لولاية ثالثة.

في الفترة التي سبقت إجراء هذا الاستفتاء، لقي أكثر من 40 شخصًا مصرعهم خلال الاحتجاجات العنيفة، التي قمعت فيها قوات الأمن المتظاهرين الذين ينتمي أغلبيتهم لعرقية بيول.

وتشير هذه النتائج التي خلُصَ إليها المسح إلى أن الجهات المانحة الدولية التي تمول الاستجابة لـ(كوفيد-19) قد تفكر في العمل مع مسؤولين من جهات غير حكومية، سواء كانت وطنية أو محلية، إذا كان الهدف هو: التواصل الفعال مع جميع الغينيين في مجال الصحة العامة.

Embed from Getty Images

ولاحتواء الأمراض المعدية، غالبًا ما تستهدف الحملات الإعلامية الحكومية تغيير ممارسات حميمية، مثل السلوك الجنسي في حالات «فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز)»، وعادات الدفن (في حالات الإيبولا)، والآن في حالات (كوفيد-19): غسل اليدين وفرض التباعد الاجتماعي. 

لكن بعض المجتمعات في غينيا قد تكون متشككة في الحملات الحكومية ودوافعها، خاصة إذا شعرت بأن الحكومة لا تُمَثِّل مجتمعها، بل تقصيهم.

ويختم الكاتب تحليله بالقول: غالبًا ما تعود الكوارث والأوبئة بالضرر الأكبر على المجتمعات المهمشة، وقد تتطلب حماية هذه المجتمعات أن تتولى السلطات التي من المرجح أن يثق بها المواطنون إرسال نصائح الصحة العامة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد