نشرت صحيفة «واشنطن بوست» تقريرًا لمراسلَيْ وكالة «الأسوشيتدبرس» في بيرو، حول تحرك الكونجرس البيروفي مؤخرًا لعزل الرئيس مارتن فيزكارا، وهو ما يُحذِّر منه محللون، إذ تعاني البلاد من جائحة كورونا وزيادة في معدل الإصابات والوفيات، ويقترن ذلك بانهيار اقتصادي، ويمكن أن تؤدي هذه التحركات إلى انعدام الثقة في مؤسسات الدولة والمزيد من تآكل الديمقراطية.

وفي بداية التقرير ذكر المراسلان أن المشرِّعين في بيرو صوَّتوا بأغلبية ساحقة ليلة الاثنين لإقالة الرئيس مارتن فيزكارا من منصبه، معربين عن غضبهم من تعامله مع جائحة فيروس كورونا كما استشهدوا بمزاعم فساد مزعومة وإن كانت غير مؤكدة. وأعلن الرئيس أنه لن يحاول مقاومة الإطاحة به، بينما وصف محللون الإجراء الذي اتخذه المشرعون بأنه استيلاء علني محفوف بالمخاطر على السلطة في بلدٍ يحظى فيه فيزكارا بشعبية كبيرة لا يحظى بمثلها الكونجرس.

من أجل أحبائنا

أشار التقرير إلى أن 105 نواب أيَّدوا إجراء الإطاحة – وهو ما يزيد بكثير عن 87 صوتًا تمثل أغلبية الثلثين المطلوبة لإقالة رئيس بيرو. وقال كثيرون إنهم أدلوا بأصواتهم لصالح عزله باسم أحبائهم الذين لاقوا حتفهم بسبب فيروس كورونا. وقال المشرِّع روبنسون جوبيوك خلال النقاش الذي امتد لأكثر من خمس ساعات: «فقدنا الآلاف من مواطنينا بسبب إهماله وعجزه».

Embed from Getty Images

ويمكن أن يؤدي إجراء يوم الاثنين، الذي يأتي بعد أسابيع فقط من نجاة فيزكارا بسهولة من تصويت آخر بالإقالة، إلى فصل جديد من انعدام اليقين في البلاد، التي يوجد بها أعلى معدل وفيات للفرد في العالم بسبب كوفيد-19 وتواجه ركودًا عميقًا.

انقلاب يقوم به الكونجرس

وتجمع الآلاف في شوارع عاصمة بيرو للتنديد بالكونجرس بعد التصويت لعزل الرئيس. وهتف البعض منهم: «اخرجوا من بلادنا يا مدبري الانقلاب»!

وقدَّم المشرِّعون إجراءات الإقالة بسبب مزاعم تفيد بأن فيزكارا تلقى أكثر من 630 ألف دولار مقابل مشروعين إنشائيين بينما كان يشغل منصب حاكم إقليم صغير في جنوب بيرو بين عامي 2011 – 2014. ويجرى التحقيق في هذه المزاعم، لكن أنصار فيزكارا شككوا في صحتها، وأشاروا إلى أنها تأتي من مديري البناء المتهمين هم أنفسهم بالفساد. ويمكن أن يحصل المتهمون على تقليل مدة سجنهم مقابل تقديمهم لهذه المعلومات.

وفي خطاب ألقاه في وقت متأخر من الليل، قال فيزكارا إنه لن يتبع الخيارات القانونية للطعن في التصويت على الإقالة، قائلًا إنه اختار العمل وفي ذهنه مصالح الشعب البيروفي وديمقراطية الأمة. وقال فيزكارا: «اليوم سأغادر القصر الحكومي. اليوم أنا ذاهب إلى منزلي».

ووفقًا لتسلسل الخلافة، سيحل محله رئيس الهيئة التشريعية. وحدد المشرِّعون مراسم أداء اليمين الدستورية للزعيم الجديد اليوم الثلاثاء.

ديمقراطية بيرو في خطر

وأوضح التقرير أن سرعة التحرك ضد الرئيس ونقص الأدلة دفعت بعض المحللين السياسيين إلى التحذير من أن الكونجرس قد يُعرِّض الديمقراطية في بيرو للخطر. يقول ستيف ليفيتسكي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة هارفارد، والذي درس بيرو على نطاق واسع، «ملاحقة الرئيس وزعزعة استقرار الديمقراطية في البلاد في خضم هذا النوع من الأزمات دون سبب خطير هو أمر يتخطى حدود التهور».

Embed from Getty Images

وحذَّر فيزكارا في دفاعه أمام نواب المعارضة من أن القرار المتهور بعزله قد يؤدي إلى عواقب وخيمة على الأمة المنكوبة بالفعل. ووصل إلى الكونجرس، وهو يرتدي كمامة عليها صورة نسر الكوندور يحلق فوق جبال الأنديز وقال: «سيحكم التاريخ والبيروفيون على قراراتنا».

وفي حديثه إلى المشرِّعين الذين صرخوا ضده في بعض الأحيان، قال فيزكارا إنه لم يمكن يملك السلطة بوصفه حاكم الإقليم لتمرير العقود المعنية، والتي يجب أن تمر بعملية موافقة طويلة تشمل عديدًا من الجهات الفاعلة. وكان أحدهما لمشروع ري والآخر لبناء مستشفى.

إقالة بسبب «العجز الأخلاقي»

وألمح التقرير إلى أنه في بيرو، يمكن للمشرِّعين عزل الرئيس لأسباب غامضة التعريف تتعلق «بالعجز الأخلاقي». وأخبرهم فيزكارا أن مثل هذا التصويت «من شأنه أن يزيد المخاوف بشأن بقاء بيرو ومؤسساتها، وأن ذلك يمكن أن يؤدي إلى عواقب اقتصادية وخيمة».

لكن في عديد من الخطابات، ذهب المشرِّعون إلى أبعد من مزاعم الفساد في شرح سبب رغبتهم في عزل فيزكارا. وأشار كثيرون إلى ارتفاع أعداد المصابين بالفيروس في بيرو، والنقص المميت في الأكسجين، وإساءة استخدام اختبارات الأجسام المضادة السريعة لتشخيص الحالات، على الرغم من أن هذه الاختبارات لا تؤدي إلى تحديد العدوى في وقت مبكر أثناء المرض. وتوفي ما لا يقل عن 34 ألفًا و879 شخصًا من بين 922 ألفًا و333 مصابًا بالفيروس في بيرو، وهي دولة يبلغ عدد سكانها 32 مليون نسمة.

وقالت النائبة ماريا كابريرا: «هذا أمر لا يمكنني أن أتسامح معه أبدًا».

وكان فيزكارا قد صَعَد إلى أعلى منصب في البلاد في عام 2018 بعد استقالة الرئيس آنذاك بيدرو بابلو كوتشينسكي وسط مزاعم بأنه فشل في الكشف عن مدفوعات من شركة الإنشاءات البرازيلية العملاقة أودبرجت Odebrecht لشركته الاستشارية الخاصة.

فيزكارا جعل من مكافحة الفساد رسالته

وأشار التقرير إلى أن فيزكارا جعل من هزيمة الفساد مهمته الرئيسة، وهو أحد أكثر قادة البلاد شعبية في التاريخ الحديث. لكنه لم يجد مناصرين له في الكونجرس، وفَصَل بعض المشرعين العام الماضي في خطوة مفاجئة رحب بها المواطنون باعتبارها انتصارًا على السياسيين غير الشرفاء. كما دفع بمبادرات للحد من الفساد من خلال تغيير طريقة اختيار القضاة ومنع السياسيين الذين ارتكبوا جرائم من الترشح للمناصب.

Embed from Getty Images

ويواجه عديد من المشرعين أنفسهم تحقيقات جنائية.

يقول المحلل السياسي ألونسو كارديناس إن المحاولات المتكررة للإطاحة بفيزكارا تسلط الضوء على نقاط الضعف في النظام السياسي في بيرو ، حيث لا يوجد حزب لديه أغلبية ويسترشد السياسيون بالمصالح الفردية أكثر من الأيديولوجيا. وواجه سلف فيزكارا أيضًا محاولات متعددة لإبعاده من منصبه.

أمر سلبي للغاية

يقول كارديناس: «بقدرٍ ما يبدو الأمر غير قابل للتصديق؛ إن الإطاحة برئيس في بيرو أسهل من طرد رئيس بلدية. وبالنسبة للنظام السياسي بصفة عامة ومصداقية الدولة، فهذا أمر سلبي للغاية».

ونجا الرئيس من تصويت الإقالة الذي أجراه نواب المعارضة في سبتمبر (أيلول) واتهموه بتفضيل مطرب غير معروف يعرف باسم ريتشارد سوينج. وتلقى الفنان ما يقرب من 50 ألف دولار في شكل عقود مشكوك فيها من وزارة الثقافة لأنشطة مثل الخطابة التحفيزية أثناء الجائحة. ونفى فيزكارا أي سوء سلوك، وقرر المشرعون أنه لا توجد أسباب لإقالته، على الرغم من استمرار التحقيق.

زعزعة الاستقرار وانعدام اليقين

وقالت جو ماري بيرت، الباحثة الكبيرة بمكتب واشنطن لأمريكا اللاتينية: إن الإقالة «تزعزع استقرار بيرو على نحو رهيب». وأضافت: «إنها تولد قدرًا هائلًا من انعدام اليقين في وقت يعاني فيه الاقتصاد حالة من الانهيار بسبب كوفيد والناس تموت».

واختتم المراسلان تقريرهما بالقول إنه على الرغم من أن حكومة فيزكارا وظَّفت الآلاف من الأطباء الجدد وأضافت مئات من أسِرَّة العناية المركزة الإضافية، اتهمها كثيرون بالفشل في الاستجابة للجائحة.

دولي

منذ 3 شهور
«واشنطن بوست»: لماذا تزداد شعبية رئيس البرازيل في خضم أزمة كورونا؟

تقول ييسيكا أبازا، وهي عضو في الكونجرس تمثل إقليمًا يعيش فيه ما يقرب من نصف السكان في فقر، إنها لا تستطيع التصويت لصالح فيزكارا، بينما يبدأ المزيد من ناخبيها من المعاناة من الجوع. وأشارت إلى حالات لأشخاص ماتوا، وهم ينتظرون وصول أجهزة التنفس، وقالت إنها تعتقد أن بيرو ليست مستعدة للتعامل مع زيادة ثانية في حالات الإصابة بالفيروس.

وأضافت: «لقد حان الوقت لقطع هذا الذيل الطويل للفساد. إن الحكومة لم تنهض بمسؤولياتها كما يجب – لقد أضاعوا الفرص واحتالوا على الناس».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد