ما سرّ اختفاء الأشخاص وتجاهلهم في صور مصر التي يلتقطها الأوروبيون في القرن التاسع عشر؟ تتناول الكاتبة جيسيكا هيستر في مقالها ضمن موقع «Atlas Obscura» حالة المصوّر جون بيسلي غرين وأعماله المتبقية، التي تنحصر في الآثار والمساحات الخالية من البشر.

صورة لمعبد فيله عام 1854 من تصوير غرين، وقد نقل إلى مستوى أعلى بعد أكثر من قرنٍ من هذه الصورة لحمايته من الفيضانات. المصدر

انطلاقةٌ إلى مصر

صورة التقطها غرين عام 1854 على ضفة النيل في طيبة، وتبدو المساحات الشاسعة الطبيعية جليةً في الصورة. المصدر

في الخمسينيات من القرن التاسع عشر، وحينما كان في أوائل العشرينيات من عمره حزمَ جون بيسلي غرين معدّاته لينطلق إلى مصر. من هنا بدأت رحلة هذا المصور الشابّ، في البداية نقل المعدّات التي بحوزتِه إلى سفينةِ توجّهت إلى القاهرة، ومن هناك أبدل بها سفينة خاصة أصغر يمكنها التحرّك في مياه النيل. لن تكون هذه رحلته الوحيدة إلى مصر، إذ إن غرين المولود في فرنسا لأبوين أمريكيين موسرين سيكرّر زيارته إلى مصر لاحقًا؛ ليدرّب عدساته في المرتين على التقاطِ الهياكل والبنى الأثرية، والمساحات الشاسعة من الصحراء والسماء الممتدة على مدّ النظر.

لم يكن غرين أول أوروبيّ يتّجه إلى المعالم المصرية – بما تتألق به من آثارٍ وأشجار نخيلٍ وضفاف النهر-  ليطبق مهاراته في التصوير الفوتوغرافي حديث النشأة آنذاك، بل سبقه شخصان شهيران آخران على الأقل تذكرهما الكاتبة: الأول هو المصور الفرنسي مكسيم دو كامب الذي صاحب غوستاف فلوبير في السفر، والثاني هو فيليكس تينارد، وقد قام كلّ منهما برحلاتٍ إلى مصر قبل بضعٍ سنوات من رحلةِ غرين.
لكن، وعلى عكس المصوّرين السالف ذكرهما، توضّح القائمة على قسم التصوير الفوتوغرافي في متحف سان فرانيسسكو للفنون الحديثة، كوري كيلر، أن غرين بدأ بالتقاطِ الصور قبل رحلاته إلى مصر، وقد احتفظ بها إلى ما بعدها. ويعزز المؤرّخ الفني فريدريك بوهرر أهمية التقاطات هذا المصور الشاب تاريخيًّا على اعتبار أن غرين كان «على الأرجح المصور الأول المعروف ممن تلقى تدريبًا من الناحية الأثرية».

Embed from Getty Images

أداة بحثية عملية

نضج كل من التصوير الفوتوغرافي وعلم الآثار سوية خلال القرن التاسع عشر. اهتمّت عمليات التنقيب السابقة بدراسةِ معالمَ من قبيل أحجار ستونهنغ – معلم أثري شهير يقع في المملكة المتحدة ويعود إلى عصور ما قبل التاريخ- وأنقاض بومبي المتّشحة بالرماد، لكن توضّح الكاتبة أن التصوير الفوتوغرافي وعلم الآثار أمران من اختراع القرن التاسع عشر –على الأقل كما كان يطبّقها الأوروبيون في مصر- أما ما قبل ذلك، فقد كان عشاق التاريخ يُعرفون بتخصصهم بالأثريات، ويستثمر بعضهم أوقاتًا هائلة في تمحيص كنوز المكتبات بقدرِ ما يمضون وقتًا بين الأتربة.

صورة بعدسة غرين عام 1853، لعملية تنقيب تجري «على يسار تمثال أبو الهول». المصدر

تحوّل علم الآثار تحولًا جذريًّا تمامًا قبل منتصف القرن التاسع، ليعتمد منهجه على المعاول وتنقيب الأرض. تزامن هذا مع رحلة غرين الأولى إلى مصر، ومع تغيير الجمعيات العلمية من نظرتها إلى التصوير الفوتوغرافي إذ بدأت برؤيته أداةً بحثيّة مفيدة لهذا المجال الناشئ. اعتمد العلماء والمختصون سابقًا على الرسم والنقش بما يكفي لتوثيق مئات اللوحات والخرائط التي ضمّت لموسوعة «وصف مصر» – وهي عبارة عن أجزاء متعددة عمل عليها نخبة من الباحثين والمختصين الفرنسيين بتوجيهٍ من نابليون، وقد أنجزت في فترة الحملة الفرنسية على مصر في نهاية القرن الثامن عشر، وتختزن خلاصة الأبحاث التي وصل إليها الخبراء آنذاك بما يخص الشأن المصري- لكن تلك التقنيات تتطلب عملًا وجهدًا كبيرين حقًّا.

تورد الكاتبة هنا اقتباسًا من الرياضي والفيزيائي فرانسوا أراغو، والذي كان يحاول إقناع نظرائه في أكاديمية العلوم الفرنسية بأن التصوير الفوتوغرافي سيكون أداة الفهرسة والتبويب المستقبلية: «نسخ ملايين الكتابات الهيروغليفية التي تغطي حتى النصب الذكارية العظيمة في طيبة، وممفيس، والكرنك وغيرها يتطلب عقودًا من الزمان وجحافل من الفنيين». وافقت أكاديمية النقوش والآداب على هذه الملاحظة – كما تورد كيلر في كتابها «علامات وعجائب: صور جون بيسلي غرين»- وأرسلت على إثرها دو كامب إلى مصر، موجّهة إياه لالتقاط كل ما يستطيع التقاطه عبر «الاستفادة من كل لحظةٍ مواتية»، وأن «يضع نفسه دائمًا، بقدرِ ما يسمح به المكان والزمان، لاستكمال وجهات النظر العامة والتفاصيل لكل أثر».

Embed from Getty Images
يتعسّر إدراك المقياس والأحجام في معظم صور غرين، بما في ذلك هذه الصورة لتمثال أبي الهول حوالي 1853.

مساحاتٌ جاهزةٌ للاقتطاف

اختلف نهج غرين عن سابقيه، وتظهر أعماله بمثابة أول مصور مدرب علميًّا لالتقاط عمليات التنقيب في أثناء حدوثها – بما في ذلك مدينة هابو وحفرة قرب الجيزة-. تكثر مساحات الأرض والسماء في صور غرين، وبالكاد يظهر البشر. كما كانت الكثير من المباني في صوره تغمرها الأنقاض المتراكمة عبر قرون من الزمن، لأنه التقطها قبل أن تصل الحفريّات الأوروبية إلى فترتها المحمومة اللاحقة. وتذكر الكاتبة معبد دندور مثالًا على ذلك: يقبع هذا المعلم الأثري الآن في غرفةٍ خاصة ضمن متحف ميتروبوليتان بولاية نيويورك الأمريكية، محاطًا بالزجاج الواقي وبركة مياهٍ هادئة، فيما يبدو في صور غرين القديمة مكتسيًا بأجزاء الصخور المتناثرة.

لم تتعلق المسألة بصعوبة تضمين الأشخاص في الصور. قد تستغرق فترات التعريض أقل من دقيقة واحدة –وإن كانت تستغرق فترات أطول غالبًا- ويعني هذا استحالة التقاط الحركة بدقة، ولذا كانت تظهر الحركة في الصور على هيئة مسوحاتٍ ضبابية أو شبحية. لكن يمكن للمصوّر أن يدع الشخص يجلس أو يقف أو يتمدد لفترةٍ كفيلة بإظهاره واضحًا في الصورة.

صورة غرين لمعبد رمسيس الثالث في مدينة هابو، حيث شارك بالتنقيب أيضًا. المصدر 

يلاحظ عالم الآثار مايكل برس في مقال له على موقع «Hyperallergic» أنه حتى حين يحضر الأشخاص في الصور، فإن غرين يتجاهلهم بالتسميات التوضيحية. يذكر برس مثالًا صورةً من عام 1845م ويبدو فيها كوخ ببنية معاصرة إلى قرب أشجار نخيل مع وجود شخصية غير واضحة المعالم. يختار غرين تسمية هذه اللوحة باسم «Etudes de dattiers» وتعني (دراسات شجر النخيل) ويبدو الأمر «كأن الشخص ومسكنه غير مرئيين أو عرضيون».

يشتبه بعض العلماء المعاصرين في طريقة غرين في التصوير محيلينها إلى استرشاده بالاختيار الفني والمنظور الأوروبي القائم على تهميش السكان الأصليين في البلدان الأخرى أو محوهم. بالنسبة للمساحات الطبيعية الشاسعة، يوضّح مايكل برس اتّباع غرين معلّمه المصور الفرنسي غوستاف لي غراي، إلا أن تصوير هذه المناظر الطبيعية على أنها شاسعة وفارغة من البشر يؤكد وجود أجندةٍ استعمارية تقترح أن هذه الأماكن تقبع منتظرةً الأوروبيين ليأتوا ويتجولوا فيها، ويتركوا بصماتهم عليها.

في صور غرين لمنازل القاهرة، لا تظهر آثار البشر الذين عاشوا هناك.  المصدر

هذا المنظور تؤيده كريستينا ريغز المؤرخة في علم الآثار والتصوير والفن المصري القديم، والتي تنقل الكاتبة عنها قولها: «صور مثل هذه تتشارك باتفاقيات التمثيل الفني في مناطق عديدة من العالم –وخاصة الشرق الأوسط- والتي كانت تُرى مساحات فارغة جاهزة للأوروبيين ليدخلوها ويضفوا عليها المعنى». ولذلك فإن «الاستعمار عاملٌ حاسم في معرض النظر إلى الظروف التي التُقطت بها هذه الصور منذ البداية»، وقد جاء المصور الإنجليزي فرانسيس فريث لاحقًا ليضمّ أشخاصًا عديدين في صوره، لكن أغلب وجودهم كان بصفتهم وكلاء للأوروبيين المسافرين أو المغامرين الذين لا نفع منهم، أو مجرد تمثيل محلّي لما هو مثير وغريب، على حدّ تعبير كيلر.

يتعمّق بوهرر في شرح تطور عملية إنتاج مثل هذه الصور، إذ أنه ومع تقدم علم الآثار والتصوير الفوتوغرافي بالتوازي، كانت الطواقم حرفيًّا تُزيح الأشخاص الذين يقطنون الأماكن تلك قبل تصويرها. ويذكر أكروبوليس في أثينا مثالًا؛ إذ أزال علماء الآثار المنازل والثكنات العسكرية ومسجدًا قبل أن يلتقطوا الصور التي أرادوا، مضيفًا أن أيّ موقع يصوّرونه «لا يبدو أبدًا كما كان حين يأخذون تلك الصور».

كانت حياة غرين قصيرة، وليست تفاصيلها في متناول اليد. تذكر كيلر في كتابها أن صوره عُرضت قبل موته في القاهرة عام 1856م إثر إصابته بمرض عن عمرٍ يناهز 24 عامًا، لكن عمله اختفى بعد ذلك ليلفّه غموضٌ شديد لمائة عامٍ تقريبًا، ولم يظهر مجددًا بقوة حتى سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. لا تروي صور غرين قصةً كاملةً لمصر، لا في ذلك الوقت ولا الآن، ولكنها أصبحت قِطعًا أثرية في حد ذاتها.

سياسة

منذ 3 سنوات
«تاريخ الخراب».. القصة شبه الكاملة لعلاقة الدولة والآثار في مصر

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد