مسلسل «السيدة أمريكا».. دراما تلفزيونية عن «فيليس شلافلي» الناشطة النسوية التي عارضت المساواة مع الرجل. 

لأن النساء – حسب قول «فيليس شلافلي» في سبعينات القرن الماضي – لم يُردن حقًا المساواة مع الرجال، لكنهم أردن حق البقاء في بيوتهن وأن يظللن ربات منزل، عارضت فيليس بشدة حركة تحرير المرأة في الولايات المتحدة الأمريكية؛ لأنها لن تُجرد ربات البيوت من امتيازاتهن فحسب، لكنها ستُروج للمثلية الجنسية، وإنشاء دورات المياه المحايدة جنسيًا (المختلطة)، وتجنيد النساء في القوات المسلحة.

في الوقت الحالي، تُعرض دراما تلفزيونية جديدة باسم «السيدة أمريكا»، من بطولة «كيت بلانشيت»، تُعيد إلى الأذهان معركة السبعينات للتصديق على مقترح «تعديل الحقوق المتساوية (ERA)» وحركة «فيليس شلافلي» ضده.

تستعرض المؤرخة كيمبرلي هاملين، التي تكتب عن المرأة والجنس والسياسة، في هذا التقرير المنشور في مجلة هيستوري إكسترا التاريخية التابعة لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، التساؤلات التي تُثار حول دراما «السيدة أمريكا» والنقاش الدائر حول «تعديل الحقوق المتساوية» الذي لا يزال محتدمًا حتى اليوم.

استهلت الكاتبة تقريرها بالإشارة إلى الأسئلة التي لا يزال الأمريكيون يُثيرونها عند مناقشة «تعديل الحقوق المتساوية»، الذي كان على وشك أن يُصبح قانونا في السبعينات، مثل: هل النساء أناس عاديون (ليست لديهن سمات تميزهنّ عن الرجال)؟ أم من الأفضل تعريفهن بالزوجات والأمهات؟

تعديل دستوري كاد أن يُصبح قانونا لولا «شلافلي»

في مارس (أذار) عام 1972 حصل – التعديل الدستوري المقترح لتحقيق المساواة القانونية بين الجنسين وحظر التمييز على أساس الجنس – على موافقة أعضاء مجلسي الكونجرس بأغلبية ساحقة، وسرعان ما صادقت عليه 35 ولاية أمريكية من أصل 38 ولاية مطلوبة (يجب أن تصدق 38 ولاية على تعديل ما قبل إضافته إلى الدستور).

كان التعديل على وشك أن يُصبح قانونا في السبعينات لولا أن ظهرت «فيليس شلافلي» التي وصفتها الكاتبة بالسياسية البارعة المتخفية في ملابس ربة منزل، لتبدأ في تركيز اهتمامها على هزيمة «تعديل الحقوق المتساوية» والتخلص، إلى جانب ذلك، من فكرة أن النساء متساويات مع الرجال، مدللة على أن النساء مختلفات اختلافًا أساسيًا عن الذكور. ولم تكتفِ شلافلي بمناهضة فكرة مساواة النساء مع الرجال، لكنها دفعت بأن النساء يرغبن بحقهن في البقاء في المنزل، وأن يكن ربات بيوت.

ويُشير التقرير إلى أن شلافلي وحلفاءها أعادوا تعريف مساواة المرأة بأنها تتعارض أساسيًا مع «قيم العائلة» وأسست منظمة لمناهضة «تعديل الحقوق المتساوية» تُدعى STOP ERA والتي تعني «أوقفوا تجريدنا من امتيازاتنا بواسطة تعديل الحقوق المتساوية»، وقد تمكنت هذه المجموعة بقيادة شلافلي أن تُعطل عملية التصديق على التعديل تمامًا.

«السيدة أمريكا».. دراما تلفزيونية عن الحركات النسوية

عرض مسلسل «السيدة أمريكا» لأول مرة في أبريل (نيسان) على «هولو» (شركة أمريكية مزودة لخدمة بث البرامج التلفزيونية والأفلام عبر الإنترنت) و«إف إكس» (قناة تلفزيونية أمريكية مملوكة من قبل مجموعة فوكس الترفيهية) وعلى «إم بي سي 2» في يوليو (تموز)، ويستعرض المناقشات الساخنة حول الجهود المبذولة في السبعينات للتصديق على «تعديل الحقوق المتساوية» من خلال رؤية شيلافلي والناشطات النسوية المؤمنات بالمساواة بين الجنسين.

ما هو «تعديل الحقوق المتساوية»؟

تُجيب الكاتبة قائلة: اقتُرِح «تعديل الحقوق المتساوية» لأول مرة في عام 1923 بواسطة «أليس بول»، القيادية في النشاط النسوي والداعية إلى حق النساء في التصويت الأمريكي والتي صُنفت كمتطرفة في زمانها في إنجلترا لتعاونها مع إميلين بانكيرست و«الاتحاد الاجتماعي والسياسي للمرأة»، إذ تصورت أليس، بعد التعديل التاسع عشر لدستور الولايات المتحدة في عام 1920 والذي يحظر حرمان المواطنين من حق التصويت على أساس الجنس، أن «تعديل الحقوق المتساوية» هو الخطوة المنطقية التالية في المسيرة الطويلة من أجل مساواة المرأة.

وقتئذ كانت أمريكا تعتبر كل النساء أمهات سواء كانت لديهن الرغبة في الإنجاب أو لم يرغبن (قضى قرار المحكمة العليا الأمريكية لعام 1908، في قضية مولر ضد ولاية أوريجون لعام 1908، بضرورة اعتبار النساء «فئة مستقلة بنفسها» بسبب قدراتهن الإنجابية)، وبحلول أوائل عشرينات القرن الماضي، تضمنت قوانين الولايات الأمريكية أكثر من ألف قانون يحتوي على أحكام قائمة على أساس الجنس، صِيغت معظمها لحماية العاملات من ظروف العمل الخطرة.

Embed from Getty Images

وبدلًا عن دحض هذه القوانين واحدًا تلو الآخر، أدركت أليس أنه من الأفضل تمرير تعديل شامل يحظر كافة القوانين القائمة على الجنس، إذ ينص «تعديل الحقوق المتساوية» على أنه «لا يجوز للولايات المتحدة الأمريكية أو أية دولة إنكار المساواة في الحقوق بموجب القانون أو الانتقاص منها بسبب الجنس».

ومنذ اقتراح هذا التعديل في عام 1923، وعلى مدار الخمسين عامًا التالية، ظل «تعديل الحقوق المتساوية» مثار جدل ونقاش النساء والناشطات العماليات. فالتصديق عليه يؤذن بنهاية تشريعات الحماية؛ ما يعني تعريض النساء للخطر؟ رد أنصار التعديل على هذا الكلام بضرورة حصول جميع العمال على أجور متساوية، وفرص عمل متكافئة، وتوفير السلامة في مكان العمل لهم كافة بغض النظر عن جنسهم.

المساواة للنساء يدفع ثمنها الزواج والأطفال والأسرة

وفي النهاية تغلبت وجهات نظر مناصري «تعديل الحقوق المتساوية»، ومع حلول أوائل السبعينات انضمت الاتحادات العمالية البارزة، مثل «الاتحاد الأمريكي للعمل، ومؤتمر المنظمات الصناعية» إلى مجموعات حقوق المرأة في دعم التعديل.

وأبرزت الكاتبة قائلة: ربما يكون الجانب الأكثر وضوحًا في مسلسل «السيدة أمريكا» – بالنسبة للعديد من المشاهدين – هو تصوير الدراما الإبداعي والمفعم بالحيوية للعصر الذهبي في أوائل السبعينات، عندما وقّع الرؤساء الأمريكيون من الحزب الجمهوري على تشريع نسوي وتحويله إلى قانون، وعندما نالت المسلسلات التلفزيونية النسوية مثل مسلسل «ذي ماري تايلر مور شو» على أعلى التقييمات، وعندما وفّر المشرعون الحماية اللازمة لحق الفتيات في التعليم المتساوي، بما في ذلك المشاركة في الألعاب الرياضية، وعندما اتضح أنه من الممكن، بل الحتمي أن تؤيد القوانين الفيدرالية حقوق المساواة للمرأة.

وبالفعل، ظن العديد من المتابعين لنضال «تعديل الحقوق المتساوية» أنه سيُصادق عليه في عام 1975 أو 1976، لولا شلافلي وحلفاؤها، الذين أقنعوا نسبة كبيرة من الأمريكيين بأن مساواة النساء بالرجال سيأتي على حساب الزواج، والأسرة، والأطفال.

من هي «فيليس شلافلي»؟ وما هي الآراء التي دافعت عنها؟

Embed from Getty Images

تقول الكاتبة: كانت «فيليس شلافلي» سيدة من ولاية إلينوي الأمريكية لديها ستة أطفال، وحاصلة على درجة الماجستير في العلوم السياسية من كلية «رادكليف»، وأصبحت لاحقًا محامية بارعة، لكنها نالت الشهرة الوطنية في عام 1964 بعد أن باع كتابها «خيار وليس صدى»، المنشور ذاتيًا، أكثر من 3 ملايين نسخة، كما ساهمت شلافلي في ضمان ترشيح الحزب الجمهوري للمرشح المحافظ «باري جولداوتر» لمنصب الرئاسة الأمريكية. وتمكنت من جذب الآلاف من المتطوعين للحزب الجمهوري من النساء البيض اللاتي تأثرن بقيمتها الكبيرة وصورتها المثالية كربة منزل.

وتابعت الكاتبة «إن النساء – حسب فيليس شلافلي في سبعينات القرن الماضي – لم يُردن حقًا المساواة مع الرجال، لكنهن أردن حق البقاء في بيوتهن وأن يكن ربات منزل».

وكانت المنظمة التي أسستها شلافلي تُدعى STOP ERA والتي تعني «أوقفوا تجريدنا من امتيازاتنا بواسطة تعديل الحقوق المتساوية»، لكن قادة حملة «تعديل الحقوق المتساوية» كانوا يقولون: إن ما تدعمه شلافلي وتدعوا إليه مجرد «ترهات وسخافات».

الفضل في وقف «تعديل الحقوق المتساوية» يعود إلى «فيليس شلافلي»

حسب قادة الحملة، تستحق النساء الحق في أن يكن مستقلات: بأن يتحكمن في أجسادهن (قرار المحكمة العليا لعام 1973 في قضية «رود ضد ويد» قضى بعدم دستورية القوانين التي تحرم النساء من الإجهاض، وتحفيز شلافلي وحلفائها ضد «تعديل الحقوق المتساوية»)، كما أكدوا أن النساء لهن الحق في القيام بأي عمل يردنه؛ ولا ينبغي تعريفهن بوضعهن الاجتماعي (متزوجات أم لا).

ومع أن العديد من العوامل – ومنها الضغط الممارس من الشركات التي لا ترغب في دفع أجور متساوية للنساء وضغوط شركات التأمين التي تعتمد نماذج أعمالها على الجداول التأمينية القائمة على الجنس – تجمعت معًا لإبطاء حركة التصديق على التعديل، فإن المؤرخين يُرجعون الفضل في فشل تمرير «تعديل الحقوق المتساوية» إلى «فيليس شلافلي».

أبرز الناشطات النسوية المناضلات من أجل «تعديل الحقوق المتساوية»

تُجيب الكاتبة بالقول: «هناك كتاب آخر كان من بين الأكثر مبيعًا في الستينات جعل أخبار حقوق المرأة على صدر الصفحات الأولى: كتاب «الغموض الأنثوي» في عام 1963 الذي شخصت فيه المؤلفة «بيتي فريدان»، الناشطة العمالية المخضرمة والمتخفية في ملابس ربة منزل، «المشكلة التي لا اسم لها»، ثم سببت المتاعب للآلاف من ربات البيوت من الطبقة المتوسطة والعليا ولنفسها، إذ وعدت النساء البالغات سن الرشد في أواخر الأربعينات والخمسينات من القرن المنصرم بالوفاء بحقوقهن الكاملة في الزواج والأمومة، ليجدن أنفسهن فقط محبطات، ولم يتحقق لهن شيء.

التاريخ الحقيقي وراء مسلسل «السيدة أمريكا»

كيت بلانشيت في دور فيليس شلافلي في مسلسل السيدة أمريكا»

واستغلت بيتي زخم كتابها لترسيخ شبكة وطنية من النساء اللاتي لديهن نفس المخاوف، كما شاركت في تأسيس «المنظمة الوطنية للنساء» في عام 1966، وهي المنظمة التي سُرعان ما جعلت التصديق على«تعديل الحقوق المتساوية» همها الأول وأولويتها القصوى.

وبينما سعت «المنظمة الوطنية للنساء» إلى إجراء تغييرات على القانون (على غرار حركة الحقوق المدنية وإنجازاتها المتميزة كقانون الحقوق المدنية لعام 1964)، سعت بعض الفتيات الصغيرات، والنساء الملونات البالغات سن الرشد، والعضوات في حركات مناهضة الحرب، ومناهضة العنصرية في الستينات، إلى إدخال تغييرات على الثقافة على نطاق أوسع في الولايات المتحدة الأمريكية.

احتجاجات ضد «ملكة جمال أمريكا».. النساء لسن سلعة

وفي هذا الصدد أشارت كاتبة التقرير إلى أكثر الاحتجاجات الثقافية شُهرة؛ إذ سافرت أكثر من 200 سيدة إلى «أتلانتيك سيتي» و«نيو جيرسي» للاعتراض على مسابقة ملكة جمال أمريكا عام 1968، وهن يحملن لافتات مكتوبًا عليها «إذا كنتم تريدون اللحوم، فاذهبوا إلى الجزار»، معبرين عن رفضهن عرض أجساد النساء كسلعة.

«جلوريا ستاينم» – الأيقونة النسوية – التي قدمها المسلسل «السيدة أمريكا» في الحلقة الثانية لم تحضر احتجاج عام 1968، لكنها ساعدت في نشر رسالته بواسطة نشاطها وكتاباتها على صفحات مجلة «مس» التي شاركت في تدشينها في أواخر عام 1971 بوصفها مجلة نسوية بديلة للمجلات النسائية الممولة من إعلانات التجميل.

وألمحت الكاتبة إلى أن جلوريا كانت في أوائل السبعينات – ولا زالت – إحدى أكثر الوجوة النسوية الأمريكية المعروفة، إذ دعت إلى النضال من أجل «حرية الإنجاب» والمساواة في كافة المجالات، كما استغلت جلوريا قوة حضورها لتنظيم حملة للسياسيات من النساء، مثل «شيرلي تشيشولم» والتي عُرفت في الحلقة الثالثة في «السيدة أمريكا» بأول سيدة أمريكية أفريقية منتخبة في الكونجرس، وأول سيدة تخوض انتخابات الحزب الديمقراطي لمنصب مرشح الرئاسة.

«القيم العائلية التقليدية» تنتصر على «تعديل الحقوق المتساوية»

ناضلت شيرلي بلا كلل من أجل الحقوق المدنية وحقوق العمال وحقوق المرأة، وتمكنت حملتها الرئاسية لعام 1972 من حشد الناخبين الشباب والأشخاص الملونين في سائر أنحاء البلاد، كما أيدت شيرلي «تعديل الحقوق المتساوية»؛ لأن حسب بيانها الملقى عام 1970، التمييز الجنسي كان «أكثر الأنماط الموجودة تحيزًا وأكثرها انتشارًا ومؤسسية».

Embed from Getty Images

وبينما كانت بيتي وجلوريا وشيرلي يناضلن مع زملائهن في مجلس النواب الأمريكي (مثل النائبة بيلا أبزوج، شخصية أخرى في «السيدة أمريكا») من أجل المساواة في المنزل والسياسة والثقافة وفي مكان العمل، جمّعت شلافلي معارضي «تعديل الحقوق المتساوية» في واحدة من أكثر الحركات السياسية فعالية في التاريخ الأمريكي: للدفاع عن «القيم العائلية التقليدية»؛ إذ أثارت شلافلي المخاوف من أن «تعديل الحقوق المتساوية» لن يُجرد ربات البيوت من امتيازاتهن فحسب، لكنه سيُروج للمثلية الجنسية، وإنشاء دورات المياه المحايدة جنسيًا (المختلطة)، وتجنيد النساء في القوات المسلحة، وهذه المخاوف هي التي سحقت «تعديل الحقوق المتساوية».

ما هو وضع «تعديل الحقوق المتساوية» الحالي؟

وتابع التقرير قائلًا: تُوفيت «فيليس شلافلي» في عام 2016، لكنها عاشت حتى رأت حملة دونالد ترامب الرئاسية وأيّدته، وشهدت عودة «تعديل الحقوق المتساوية» للظهور، إذ أعاد أنصاره – في أعقاب انتخاب ترامب وحركة «مي تو (أنا أيضًا)» – جهود إحياء التصديق على التعديل في 15 يناير (كانون الثاني) 2020، بعدما أصبحت فرجينيا الولاية الثامنة والثلاثين التي صادقت على التعديل، لكن المصادقات الحديثة لن تُحتسب إلا إذا مدّد الكونجرس موعد التصديق النهائي.

وتختتم المؤرخة تقريرها بالقول: في إطار ألقاب ثلاثة، «السيدة المتزوجة»، و«الآنسة»، و«السيدة دون النظر إلى الحالة الاجتماعية»، يُمكن للمشاهدين أن يلقوا نظرة على الأفكار الرئيسة لمسلسل «السيدة أمريكا»، إذ إن النساء – قبل السبعينات – كن يصنفن كمتزوجات وغير متزوجات / سيدة أو آنسة. لكن أنصار «تعديل الحقوق المتساوية» اقترحن لقب «السيدة» كبديل ليشير إلى الشخصية (والجنس) دون الالتفات للحالة الاجتماعية.

والسؤال الأساسي الذي يُثيره «السيدة أمريكا» والمناقشات الجارية حول «تعديل الحقوق المتساوية» هو: هل تعد النساء أناسًا عاديين (ليست لديهن سمات فريدة تميزهن عن الرجال)، أم من الأفضل تعريفهن بالزوجات والأمهات؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد